مشروع ثورة بلا عنف أو فوضى   
الأحد 1434/6/11 هـ - الموافق 21/4/2013 م (آخر تحديث) الساعة 13:15 (مكة المكرمة)، 10:15 (غرينتش)
سهيل الغنوشي

لا شك أن الوضع في العالم العربي غير قابل للاستمرار بل ومرشّح للانفجار. فالشعوب تتململ وتتوق للتغيير والنهوض، والأنظمة متكلّسة ومهزوزة ولكنها متعنّتة، ولا توجد قيادات وأحزاب وطنية قادرة على استنهاض الشعوب وتعبئتها وتوحيدها في مواجهة الوَهَن ومخلّفات قرن من الاستعمار والاستبداد والقبضة الإقليمية والدولية.

فالثورة والنهضة في كل مراحلها تتطلب قرارات مؤلمة لا يقدر عليها إلا شعب معبّأ وموحَّد حول مشروع وطني وقيادات فوق الشبهات في تغليبها للمصلحة الوطنية، وتجارب الربيع العربي لم تقدم نموذجا واعدا وقابلا للتكرار، وبرهنت أن ثورة من دون قيادة ولا مشروع ولا وحدة وطنية سقفها أن تسقط نظاما وتغير الوجوه وذلك أصبح عالي الكلفة.
 
الثورة والنهضة في كل مراحلها تتطلب قرارات مؤلمة لا يقدر عليها إلا شعب معبّأ وموحَّد حول مشروع وطني وقيادات فوق الشبهات في تغليبها للمصلحة الوطنية
شعوب ينفد صبرها على حكامها وأوضاعها وتضيق ذرعا بالتخلف والجمود والاستبداد والفساد واحتكار السلطة والثروة والفوارق بين الطبقات والجهات، وكثير منها يعاني الفقر والبطالة والتهميش والحرمان. حتى الدول العربية الغنية لم تحسن توزيع ثرواتها ولا توظيفها لإحداث نهضة كتلك التي حققتها دول أخرى أقل منها موارد.

لقد تأخر التغيير في البلاد العربية بسبب عاملين رئيسين:
1- الوهن أي الخوف واليأس والقابلية للاستبداد وصغر الاهتمامات وتواضع الطموحات. ولذلك ما إن كسر الشعب حاجز الخوف ورفض المذلة وأصر على الحرية والكرامة بأي ثمن حتى انفتح باب التغيير.

2- التشخيص الخاطئ للأزمة المركبة حيث اختزلت في نظام عصيّ على التغيير أصبح الشماعة التي يعلق عليها فشل النخب والأحزاب في إحداث أي اختراق وتخلي المواطن عن قيامه بواجباته وتمسكه بحقوقه، مع تجاهل أو تبسيط للجذور الفكرية والنفسية والتاريخية والتربوية للأزمة وجوانبها الاقتصادية والاجتماعية واستهانة بالمعادلة الإقليمية والدولية.

ولذلك ما إن هرب بن علي ثم تنحّى مبارك حتى حلّقت أحلام الشعوب في السماء تغذّيها وعود النخب السياسية بسقوط وشيك للأنظمة ونهضة سريعة ووعود خارجية بالدعم، فاستعجلت الشعوب والنخب إسقاط النظام ودخلت معه في مواجهة وجودية غير محسوبة تباينت فيها الأهداف بين الشعب والنخب السياسية التي انفتحت شهيتها للسلطة فاستعجلتها وتنازعتها قبل الأوان بل وقبل سقوط النظام.

مواجهة النظام واستعجال السلطة وضعا الثورة في مأزق، فإن تعنّت النظام وقعت الثورة في العسكرة والتدويل حيث يقتتل أبناء البلد الواحد ويخربون بيوتهم بأيديهم ويرتهن الجميع للخارج، وإن سقط النظام بسرعة تُختطف الثورة من قبل النخب والأحزاب وتضيع أهدافها وتُختزل في دستور وانتخابات وتطغى الأجندات الحزبية والفئوية على المصلحة الوطنية، وفي كلتا الحالتين انتقل زمام المبادرة من الشعب إلى النخب والأحزاب ومنها إلى الوصاية الخارجية. 

النتيجة كانت فقدان الثورة لبعض مقومات انتصارها فما عادت سلمية شعبية وطنية، وتفرقت القوى الثورية وراهن الفرقاء على الخارج فتعثرت الثورة وتم احتواؤها وبقيت البلاد في دوائر النفوذ والتبعية، ولم يكن أي من تلك الكوابيس في أذهان مفجري الثورة. فقد كان الأمل أن تضع الثورة البلاد على طريق التحرر والسيادة الوطنية والنهوض الاقتصادي.

ولعل من أهم دروس الربيع العربي أنه في ظل نوعية القيادات والأحزاب الموجودة فإن التغيير الفوقي الذي يبدأ باستهداف النظام لا يختصر الفترة الانتقالية ولا يقلل كلفة التغيير (ولو سقط النظام) وسقفه تغيير الوجوه وثمنه اقتتال داخلي ودمار وأحقاد وارتهان للخارج أو على الأقل فوضى واضطرابات تؤجّجها إخفاقات النخب وصراعاتهم وانتهازيتهم وأطراف خارجية وداخلية متنفّذة. كما تبين أن الاستبداد والفساد ليس إلا أعراضا لأزمة متجذّرة ومتشعّبة.

وسيسجل التاريخ أن الثورة عصف بها استعجال السلطة والمنافسة الحزبية واعتماد منطق الحكم والمعارضة ومنطق الأغلبية والأقلية خلال المرحلة الانتقالية، أي الدخول في لعبة قبل التوافق على قوانينها والتنافس على الحكم قبل بناء النظام الجديد، وذلك كان انحرافا لم تصلحه الدعوات للحوار أو للمشاركة في الحكم.

فإن كان ولا بد من الانتخابات خلال الفترة الانتقالية فالفوز بها ليس إلا تفويضا لإدارة عملية التفاوض والتوافق حول الدستور والنظام السياسي الجديد والحفاظ على وحدة القوى الثورية، وهذا ما لم يتحقق وتاهت السلطات الانتقالية بين تصريف الأعمال وإنجاز الانتقال الديمقراطي والإصلاحات الموعودة، وانقسمت قوى الثورة إلى أطراف اختارت أن تحكم فحُمِّلت مسؤولية تحقيق أهداف الثورة وتركة النظام السابق، وأطراف شعرت بالاستبعاد فراهنت على فشل السلطة الجديدة. الأولى بالغت في الاعتماد على الشرعية الانتخابية والتحجج بالفترة الانتقالية والثانية بالغت في التربص والتعويق.

لقد كشفت الثورات ضحالة النخب السياسية وقصر نظرها وصغر اهتماماتها وطموحاتها، بل وانتهازيتها وهوسها بالسلطة الذي يدفعها للاستعداد للمتاجرة بكل شيء بما في ذلك المبادئ والسيادة والمصلحة الوطنية والمقامرة حتى بمستقبل البلاد وسيادتها وأمنها القومي. ولم تمر سنتان على بداية الثورة حتى خلت الساحة -أو تكاد- من سياسي يثق الناس في صدقه أو تقديره للموقف أو رؤيته للمستقبل أو حرصه عليهم فيتطلعون لسماع تصريحاته أو خطاباته.

تغيرت مواقع المتصارعين على السلطة وظل الصراع بعيدا عن هموم المواطن وتطلعاته وأهداف الثورة التي لا يكاد يتحقق منها للمواطن سوى حرية جوفاء بلا أثر أساء البعض استغلالها وتجاهلها الحكام الجدد ثم بدؤوا يضيقون بها ذرعا، ولئن تعاظم اهتمام الناس بالسياسة فإنه ظل سطحيا وسلبيا وقبليا، وتكاد تتحول السياسة إلى أفيون يخدّر الناس ويشغلهم عن أوضاعهم وعن الانخراط الفعال في الشأن العام.

المطلوب ثورة في العقول والنفوس والأخلاق والسلوكيات والمعاملات والاهتمامات والطموحات، تمهّد لنهضة شاملة تقوم على الحرية والعدالة والمساواة

الغريب أن الكل لا هم له سوى المصلحة الوطنية وتحقيق أهداف الثورة، ولكن كل له تعريفه الخاص لأهداف الثورة والمصلحة الوطنية فللأحزاب الحاكمة تعني البقاء في السلطة وللمعارضة تعني فشل الأحزاب الحاكمة لتحل محلها. وهكذا اختزلت أهداف الثورة ومشاريع الإصلاح والآمال العريضة في النهضة في صراع عبثي على السلطة وأصبح سقف الثورة عودة الأمن والاستقرار وربما إحداث بعض التحسينات.

فهل من سبيل إلى ثورة سلمية شعبية وطنية تنتشر في البلاد العربية فتقيم دولة المواطنة والمؤسسات وتحقق نهضة من دون اقتتال أو دمار أو ارتهان للخارج؟ هل من سبيل لتغيير طال انتظاره، تغييرا في المضمون وليس في الشكل، وفي الأوضاع وليس في الوجوه، تغييرا بحجم طول المعاناة والصبر وجسامة التضحيات، وهل يمكن تحقيق ذلك بأقل التكاليف في الأرواح والمنشآت؟

التغيير أصبح ضروريا وملحا وحتميا وممكنا في كل البلاد العربية بعد أن توفرت دواعيه وشروطه ووسائله واهتدت الشعوب إلى لقاح الاستبداد، ولكن السؤال الذي يؤرق الشعوب: أي تغيير وبأي طريقة وثمن؟

إن المطلوب ثورة في العقول والنفوس والأخلاق والسلوكيات والمعاملات والاهتمامات والطموحات، تمهّد لنهضة شاملة تقوم على الحرية والعدالة والمساواة والشراكة في الوطن والمسؤولية عن أوضاعه ومستقبله. والإصلاح السياسي ليس إلا حلقة من حلقات التغيير لا هو الحلقة الأولى ولا الحلقة الأخيرة. فالثورة لا تبدأ بالضرورة ولا تنتهي بإسقاط النظام.

إن التغيير المنشود لن يتحقق من خلال المسارات التي عرفها الربيع العربي بعد البداية الصحيحة والملهمة، ولن يكون إلا تراكميا وشعبيا من قاعدة الهرم إلى رأسه لا يطلب من نظام ولا ينتظر من الساسة والأحزاب ولا تصنعه الدساتير والانتخابات ولا يقتضي بالضرورة إسقاط النظام، بل يحدثه المواطن في نفسه ثم في محيطه ومن حوله، فالله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ومن عجز عن النهوض بنفسه والتأثير في محيطه فهو عن إصلاح البلاد وأوضاعها أعجز.

فالتغيير الحقيقي يبدأ من داخل الإنسان ومن يريد أن يغير أوضاعه وأوضاع بلاده فليبدأ بتغيير ما بنفسه: أفكاره وأخلاقه واهتماماته وطموحاته وأولوياته ومعلوماته ومهاراته وسلوكياته ومعاملاته.

إن الكثير من الإصلاحات وشروط النهضة مرتبطة بالناس وليس بالنظام (مهما كان فساده أو صلاحه)، ويمكن أن تتحقق في إطار الدساتير والقوانين القائمة بشرط استبدال عقلية المطالبة بالإصلاح بعقلية المساهمة في الإصلاح، والانتقال من الانتظار والتمنّي إلى المبادرة وصنع الحدث وذلك بقيام كل مواطن بواجباته وتمسكه بحقوقه وإسهامه في النهوض بالوطن وخدمة الصالح العام، فجل الحقوق لا تطلب أو تمنح من السلطة، فهي إما حقوق طبيعية (كالحرية والكرامة والمساواة) ينبغي أن يمارسها المواطن أمرا واقعا، أو حقوق يكفلها القانون ينبغي أن يتمسك بها، أو واجبات على آخرين يطالبهم بأدائها، فواجبات قوم عند قوم حقوق، وإذا تمسك كل مواطن بحقوقه الطبيعية والقانونية كاملة غير منقوصة مهما كان الثمن وأدى واجباته كاملة غير منقوصة تحققت غالبية أهداف الثورة وشروط النهضة، وهذا السلوك كفيل بتغيير القوانين والأعراف التي يرتكز عليها الاستبداد والمسبّبة للتخلف.

على كل من يريد أن يساهم في هذه الثورة الهادئة أن يعتنق رسالة حياة جوهرها النهوض بنفسه وشعبه ووطنه (وهذا هو جوهر رسالة الإسلام) فيصبح رساليا وطنيا، ويقرن الحياة بالحرية والكرامة، فلا معنى ولا قيمة للحياة بلا رسالة وبلا حرية وكرامة.

فالإنسان خُلق لغاية أكبر من الأكل والمتعة والتفاخر والتكاثر، خُلق ليَبلُغ كماله ويؤثّر إيجابا في محيطه وفي من حوله بالقدوة والتوعية وبالانخراط في الشأن العام وبالتفاعل والتعاون مع الغير على الخير، أي لتزكية نفسه وغيره وإصلاح وإعمار محيطه، وليبذل من وقته وماله في خدمة الصالح العام وإقامة العدل ومقاومة الظلم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفعل الخير والدعوة إلى الخير دون أن ينسى نصيبه من الدنيا.

على كل من يريد أن يساهم في الثورة الهادئة أن يعتنق رسالة حياة جوهرها النهوض بنفسه وشعبه, فيصبح رساليا وطنيا، ويقرن الحياة بالحرية والكرامة

والمسلم بالذات لا يليق به ولا يجوز له أن يعيش لنفسه "كنتم خير أمة أخرجت للناس" 110/آل عمران، بل مطالب بأن ينذر نفسه لله أي لإنفاذ إرادة الله في حياته الخاصة وفي واقعه وذلك هو شرط مرضاة الله "ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله" 207/البقرة، ولأن الله غني عن الناس فهو لا يريد منهم سوى تزكية أنفسهم وإصلاح أوضاعهم.

وتكاد تتحدد قيمة الإنسان بمدى تطوّره وتأثيره الإيجابي في الناس والأوضاع من حوله، ومن لا يتطوّر ولا يؤثّر فهو مخلّ بجوهر الدين والحياة بل هو عمليا غير موجود لأنه لا يقدم الإضافة وعليه أن يراجع فهمه للحياة (وللدين إن كان متدينا)، وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم إذ يقول "من استوى يوماه فهو مغبون... ومن لم يكن في الزيادة فهو في النقصان، ومن كان في النقصان فالموت خير له"، وفي ذلك دعوة صريحة للارتقاء بالنفس باستمرار وفي جميع المجالات. كما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أن خير الناس وأحبهم إلى الله أنفعهم للناس، مما يؤكد أن الإسلام ليس فقط منهج حياة بل رسالة حياة تصب في نفع الناس وخدمة الصالح العام.

إذن لا دين ولا حياة ولا ثورة ولا نهضة بلا رسالة، ولا معنى ولا قيمة للحياة بلا حرية وكرامة ومساواة، فتلك حقوق طبيعية كالحياة لا تطلب أو تمنح من أحد بل يتمسك بها الإنسان ولو خالف القوانين والأعراف ومهما كانت التضحيات حتى تتحول تلك الحقوق الأصيلة إلى أعراف وقوانين تضمن في الدستور. على الشعوب العربية عموما والشباب خصوصا أن يترجموا هذه المفاهيم إلى سلوك يومي قوامه الطموح والإتقان وأداء الواجبات والتمسك بالحقوق ورفض الذل ومقاومة الظلم.

ولقد أوجد الربيع العربي فرصة نادرة لثورة هادئة متواصلة إذ رفع الحصانة عن القمع ووفر للشعوب سلاحا ضد التعتيم فضعفت سطوة الأنظمة ورُوِّضت وأصبحت مكشوفة تخشى أن يتحول أي تجاوز أو انتهاك إلى فضيحة أو قضية رأي عام أو شرارة لثورة تعجّل بنهاية تعيسة.

تلك هي مقدمات لمقاربة مختلفة في التغيير. أما التفاصيل والخطوات العملية فبحاجة إلى مقال آخر.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة