الفلسطينيون في "بازار" الانتخابات الإسرائيلية المبكرة   
الأربعاء 1429/11/29 هـ - الموافق 26/11/2008 م (آخر تحديث) الساعة 12:24 (مكة المكرمة)، 9:24 (غرينتش)
عدنان أبو عامر


- التعامل مع معضلة حماس في غزة
- الحلول السياسية مع السلطة الفلسطينية
- مستقبل المواجهة سياسيا وعسكريا

تشهد الانتخابات الإسرائيلية الثامنة عشرة للعام 2009 تقاربا ملحوظا في المواقف الحزبية من قضايا الساعة المطروحة، لا سيما فيما يتعلق بالصراع الدائر مع الفلسطينيين منذ أكثر من ثماني سنوات مع انطلاق انتفاضة الأقصى، وربما يعود هذا التقارب الحزبي في المواقف السياسية لعدد من الأسباب، فلسطينية وإسرائيلية، أهمها:

1- الأحداث المتلاحقة التي تشهدها الساحة الفلسطينية وفاجأت الأوساط الإسرائيلية، كما أوساط سياسية محلية وإقليمية ودولية، خاصة مع سيطرة حركة حماس على قطاع غزة، وتحولها إلى عدو حقيقي ترى فيها إسرائيل خطرا وجوديا على مشروعها السياسي في المنطقة، مما عمل على تضييق مساحات الفروقات بين هذه الأحزاب من حركة حماس.

2- اقتراب الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي من القضايا الأكثر إشكالا وجدلا، لا سيما فيما يتعلق بالحدود الدائمة والكتل الاستيطانية، وبالتالي انزواء القضايا "التكتيكية" إن صح التعبير، ووصول الطرفين إلى قضايا الحل الدائم، حتى لو لم يتوصلا إلى هذه القضايا عبر التفاوض.

وبالتالي يقترب المتنافسون في برامجهم الانتخابية من بعضهم بعضا، بحيث تتشابه رؤاهم وتصوراتهم المقترحة من الحلول المفترضة للقضايا العالقة مع الفلسطينيين، علما بأن الحديث في التقارب بين البرامج الانتخابية يدور حول الأحزاب الكبرى الثلاثة: كاديما، والعمل، والليكود.

التعامل مع معضلة حماس في غزة
لم يعد سرا أن التعامل مع المستجد الفلسطيني الأكثر سخونة على الساحة الإسرائيلية شكل القاسم المشترك الأكبر بين هذه الأحزاب، وقد برز ذلك على الأقل من خلال الدعاية الانتخابية لحزب الليكود الذي أخذ يزايد على غريمه كاديما، واتهامه بالتساهل مع حماس.

ولذلك فإن موقف الليكود من الحكومة التي تترأسها حركة حماس يكمن في رفض فكرة "ترويض" الحركة ودفعها نحو الاعتدال، وقد عبر عن ذلك بصورة جلية واضحة أحد رموز الليكود رئيس لجنة الخارجية والأمن البرلمانية السابق يوفال شطاينيتس، الذي أشار إلى أن حماس "جزء من حركة الإخوان المسلمين العالمية، وهي بهذه الصفة حركة إسلامية أصولية تشبه في أيديولوجيتها نظام آيات الله في إيران".

ويعتقد حزب الليكود أن حماس مثلها مثل باقي الحركات الإسلامية التي يمكن أحيانا أن تتغير تكتيكيا وبصورة مؤقتة، لكنها لن تتخلى أبدا عن الأيديولوجية الكامنة في صلب جوهرها، لذلك يعتقد الليكوديون أنه لا يجوز لإسرائيل أبدا القبول بدولة "حماس" مسلحة إلى جانبها، والتي ستكون بشكل طبيعي في تحالف وثيق مع إيران حسب زعمه، حتى وإن أظهرت زعامة الحركة مرونة براغماتية في الطريق إلى هدفها النهائي المتمثل بتدمير إسرائيل.

"
موقف الليكود من حكومة حماس يكمن في رفض فكرة "ترويض" الحركة، أما حزب العمل فقد أبدى مرونة ملحوظة في إمكانية أن تحاور إسرائيل حكومة حماس مع التزام الأخيرة بالشروط التقليدية التي أعلنتها تل أبيب
"
ولعل الموقف الأكثر وضوحا لحزب الليكود في التعامل مع حكومة حماس عبر عنه زعيمه نتنياهو، حين أعلن أكثر من مرة أنه يجب علينا أن نعمل ونتحرك لأن ضعف السلطة الفلسطينية وصعود حماس يشكلان خطرا علينا، في غزة يتمثل الخطر في صعود "دويلة إرهاب" بقيادة حماس، وفي الضفة الغربية يتمثل الخطر في إمكانية إقامة دولة "إرهاب حماسية" أكبر تتبنى نموذج غزة وتهدد القدس وتل أبيب والبلاد بأكملها.

حزب الليكود بهذا الطرح المتطرف من التعامل مع قيادة فلسطينية منتخبة متمثلة بحركة حماس يختلف عن منافسه حزب كاديما الذي لم يعر انتباها كثيرا في اختلاف القيادة الفلسطينية، سواء كانت بزعامة فتح سابقا، أو حماس حاليا، من خلال التوضيح أكثر من مرة أن إسرائيل بينت شروطها للحوار مع أية زعامة فلسطينية وهي: وقف العنف، وتجريد المنظمات الفلسطينية من سلاحها، والالتزام بالتعهدات والاتفاقيات الموقعة بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، والاعتراف بدولة إسرائيل، وحذف البنود التي تدعو في ميثاق "حماس" إلى إبادة إسرائيل.

وقد أشار إلى هذا عدد من قيادات الحزب، أبرزهم رئيس جهاز الشاباك السابق آفي ديختر، الذي قدم طرحا تتعهد بموجبه السلطة الفلسطينية –أيا كانت- بخارطة الطريق وبضمانات دولية بسلطة واحدة وقانون واحد وسلاح واحد، وكل من لا يحرص على تنفيذ هذا التعهد إنما يضعف دولة إسرائيل والاتفاقيات الموقعة بضمانة دولية.

من جهته، أبدى حزب العمل مرونة ملحوظة في إمكانية أن تحاور إسرائيل حكومة حماس، مع التزام الأخيرة بالشروط التقليدية التي أعلنتها تل أبيب، وهي:

أ‌- الاعتراف بوجود دولة إسرائيل كدولة للشعب اليهودي.
ب‌- نزع الحركة سلاحها وتوقف كل أعمال العنف.
ت‌- الالتزام الكامل بالاتفاقيات الموقعة بين السلطة الفلسطينية والحكومات الإسرائيلية منذ اتفاق أوسلو.

في هذه الحالة، وفي الوقت الذي تبدي فيه حماس التزاما معلنا، يؤكد حزب العمل أنه لن يبقى من سبب يمنع من اعتبار حماس أهلا للحوار في إطار مفاوضات تجرى في نطاق خارطة الطريق.

ملاحظة في غاية الأهمية تتعلق بأن سيطرة حماس على قطاع غزة، وتقويها أكثر فأكثر عسكريا وسياسيا وإقليميا مقابل التراجع المريع للسلطة الفلسطينية في تلك المجالات الثلاثة، قد يجعل الأحزاب الإسرائيلية في حالة تغيير متوقع لمواقفها المعلنة من حركة حماس، إن بقي الحال على ما هو عليه.

الحلول مع السلطة الفلسطينية
حزب كاديما قبيل تدهور الأوضاع مع الفلسطينيين في العامين الأخيرين، لم يخف رغبته منذ البداية في استنساخ تجربة الانفصال الأحادي الجانب من قطاع غزة في الضفة الغربية، أو بعض أجزائها على أقل تقدير، لا سيما أنه يعتقد أن المهمة المركزية أمام الحكومة الإسرائيلية القادمة تكمن في تحديد خطوط حدود آمنة ودفاعية توفر أقصى الأمن لمواطني إسرائيل.

"
بين الليكود وكاديما يتخذ العمل موقفا مبدئيا معارضا لأي إخلاء قسري من جانب واحد, ويتوافق هذا الرفض مع الموقف السياسي المعلن للحزب بمعارضة نقل مناطق إلى سيطرة فلسطينية طالما أنها لا تتم في إطار عملية انفصال سياسي واضحة
"
هذه الخطوط الحدودية ستشمل حسب رؤية الحزب كتل الاستيطان ومناطق الأمن ومن ضمنها غور الأردن، والمحافظة على القدس موحدة، وضمان أغلبية يهودية في دولة اليهود.

هذا الموقف الانفصالي في حينه يعارضه بشدة حزب الليكود لذات الأسباب التي أعلنها فور تنفيذ خطة الانسحاب الأحادي الجانب من قطاع غزة في سبتمبر/أيلول 2005، من حيث إنها ترسخ الاعتقاد الفلسطيني بأن هذا الانسحاب إنما هو هروب إسرائيلي حتمي تحت ضربات المقاومة!

مع ذلك، فإن الليكود لا يعارض أن يقتصر الإخلاء المتوقع من الضفة الغربية في هذه المرحلة فقط على مواقع الاستيطان غير القانونية، كما أن تخفيف وتقليص القيود والحواجز أمام حرية تنقل الفلسطينيين أمر مشروط بأن تعمل السلطة الفلسطينية بالقوة وبشكل حازم على وقف الجماعات المسلحة وتفكيك قواعدها، وهو ما تقوم به اليوم بكل جدارة في الضفة الغربية بإشراف جنرالات المارينز الأميركيين!

وبين الليكود وكاديما يتخذ العمل موقفا مبدئيا معارضا لأي إخلاء قسري من جانب واحد لا يتم في نطاق فكرة واضحة للانفصال عن الفلسطينيين، ويتوافق هذا الرفض مع الموقف السياسي المعلن للحزب بمعارضة نقل مناطق إلى سيطرة فلسطينية طالما أنها لا تتم في إطار عملية انفصال سياسي واضحة، مما يفرض على الحكومة الإسرائيلية التي ستستلم السلطة وضع هدف سياسي يقوم على دولتين توجد بينهما خطوط حمراء واضحة:

أ‌- عدم عودة أي لاجئ فلسطيني إلى إسرائيل في إطار أية عملية سياسية.
ب‌- ضم كتل المستوطنات الكبيرة إلى إسرائيل.

مستقبل المواجهة سياسيا وعسكريا
تحتل الانتفاضة وملاحقة قوات الاحتلال لقوى المقاومة حيزا كبيرا في برامج الأحزاب والدعاية الانتخابية الإسرائيلية، بحيث أخذت الأحزاب تزايد على بعضها من حيث اتهامها للحكومات المتعاقبة في سنوات انتفاضة الأقصى بالفشل الذريع في وقف مدّها، والتراجع المريع في إجراءاتها الأمنية ضد المقاومين، رغم ما قد يبدو نجاحا هنا وإنجازا هناك.

حزب الليكود الذي ينظر إلى حكومة كاديما القائمة حاليا وزعامته المنهكة في غرفة الإنعاش بنظرة ملؤها الازدراء والإقرار بالفشل المدوي لها، وعلى حد قول أحد زعامات الليكود فإن إسرائيل كسبت معركة لكنها خسرت حربا في صراعها الدائر مع الفلسطينيين.

"
تحتل الانتفاضة وملاحقة قوات الاحتلال لقوى المقاومة حيزا كبيرا في برامج الأحزاب والدعاية الانتخابية الإسرائيلية، بحيث أخذت الأحزاب تزايد على بعضها من حيث اتهامها للحكومات المتعاقبة بالفشل الذريع في وقف مدها
"
ويجتهد خصوم كاديما، المعارضون لاتفاق التهدئة مع حركة حماس، من رموز الليكود والمعسكر اليميني المتدين في إثبات هذه الحقيقة الأمنية عبر عقد مقارنة بين حرب إسرائيل ضد حركة حماس والحرب الأميركية ضد تنظيم القاعدة على النحو التالي:

1-تكتيكيا: نجد أن إنجازات الجيش الإسرائيلي و"الشاباك" في مجالات الاستخبارات والدِقة والحدِّ من الخسائر كانت بصورة عامة أفضل من إنجازات الولايات المتحدة وبريطانيا في أفغانستان، فقد نجحت إسرائيل في الوصول إلى صورة استخبارات جيدة إزاء حماس، وحتى اغتيال وتصفية قيادات في زعامة الحركة، وهو ما مُني فيه الأميركيون بالفشل ضد القاعدة.

2-إستراتيجيا: عند النظر إلى الصورة الشاملة تتكشف للإسرائيليين أمور مغايرة تماما، إذ فقدت منظمة "القاعدة" قواعدها في أفغانستان وفقدت قدرتها على التجنيد وتعبئة وتدريب آلاف الشبان المسلمين، وتعرضت في الوقت ذاته إلى ضربة قاسية، بما في ذلك زوال الركيزة السياسية للتنظيم والمتمثلة بنظام طالبان، في المقابل نجد أن حركة حماس أقامت في قطاع غزة قواعد تدريب علنية تدرب فيها آلاف المتطوعين الشبان، وصناعة صواريخ وتطوير أسلحة بصورة شبه علنية، كما تعززت المكانة السياسية للحركة نتيجة سيطرتها على قطاع غزة العام الماضي.

3-تاريخيا: كما حصل في حالات سابقة في التاريخ، فقد أخفق المستوى السياسي الإسرائيلي في ترجمة التفوق العسكري إلى نصر في الحرب، ولعل العزاء الوحيد هو في أنه ما زال بالإمكان، عبر سلوك أو تصرف أكثر حكمة وشجاعة، كبح جماح حماس وما تشكله من تهديد لعمق الدولة الإسرائيلية.

في المقابل، يحاول كاديما تفنيد هذه المقارنات باعتبارها غير موضوعية ولا تتلاءم مع الواقع المعاش، في ضوء أن محاربة الجماعات المسلحة محاربة مكثفة يومية ومتطورة ومتقدمة، وكما أسماها شاؤول موفاز فإنها سباق ماراثوني طويل وليس عَدواً لمسافات قصيرة، وقد تخطت إسرائيل العوائق التي وضعها في طريقها أولئك الذين يتربصون بها، وهي من الدول المتصدرة للكفاح العالمي ضد تلك الجماعات.

ويزعم كاديما أن محاربة إسرائيل لقوى المقاومة، وعلى رأسها حركة حماس، كلَّفت ثمنا باهظا، ومع ذلك فإنها –المقاومة- نجحت في الحد من حجمها، وحرمتها من تحقيق الهدف الأكثر أهمية وهو فقدان الشعور بالأمن لدى الشعب، وهذا إنجاز مهم جدا لأجهزة الأمن الإسرائيلية، وربما أكثر من ذلك للمجتمع الإسرائيلي، وبهذا المنظور يمكن القول -يروج منظرو كاديما- إن الذراع الإسرائيلية تغلبت على سيف المقاومة!

وفي محاولة للرد على كل الاتهامات الموجهة للحزب في إخفاقه في الرد على المقاومة، لا سيما الصواريخ المتلاحقة ليل نهار على المستوطنات المجاورة لقطاع غزة، تشير مواقف كاديما إلى أن خطأ دولة إسرائيل يكمن في أنها لم تقم، في موازاة بناء الجدار الأمني حول منطقة قطاع غزة عام 1994، ببناء جدار مشابه في الضفة الغربية حتى العام 2003، وهذا الخطأ شاركت فيه حكومات العمل والليكود على السواء!

"
رغم أن معظم المواقف الحزبية الإسرائيلية المعلنة من قضايا الساعة يدور في خضم الانشغال بالدعاية الانتخابية, فإن جزءا منها وجد طريقه فعليا إلى التنفيذ بصورة واضحة، لا سيما فيما يتعلق بالتصعيد العسكري غير المبرر خاصة في غزة
"
إلا أن حزب العمل –الذي يشهد تراجعا مريعا في شعبيته مؤخرا- يتخذ لنفسه موقفا وسطا بين هذه الاتهامات المتبادلة بين "أصدقاء الأمس أعداء اليوم"، فهو يرى أن النصر لا يُقاس بعدد المرات التي احتل فيها الجيش الإسرائيلي مدن رام الله وجنين ونابلس، أو بعدد عمليات الإحباط التي قام بها الشاباك، ويتجه في هذا المحور يسارا باتجاه مواقف ميرتس من حيث الاعتراف بالخطأ الجسيم الذي ارتكبته حكومات إسرائيل في السنوات الخمس الأخيرة، والذي يتمثل بالأساس في الفهم المغلوط للهدف السياسي وفي الاستخدام الخاطئ للقوة العسكرية المتاحة للدولة.

وفي ذات الوقت، تعتقد معظم الوجوه الأمنية في حزب العمل بالقاعدة العسكرية القائلة: "من يسعَ إلى قتلك، سارع إلى قتله"!! فهذا بنظرهم واجب أخلاقي يجب أن يكون الأساس والمنطلق لعمل الجيش ضد الجماعات الفلسطينية المسلحة، وفي الوقت ذاته الإسراع في بناء الجدار، وإحداث فصل من خلال إقامة معابر على امتداد الجدار، وفتح الجسور والمعابر إلى الأردن ومصر، والامتناع قدر الإمكان عن إقامة حواجز ونقاط مراقبة وتفتيش بين التجمعات الفلسطينية.

أخيرا.. هذه أبرز المواقف الحزبية الإسرائيلية المعلنة من قضايا الساعة، ورغم أن معظمها يدور في خضم الانشغال بالدعاية الانتخابية وتقديم وعود مجانية للناخب الإسرائيلي، فإن جزءا منها وجد طريقه فعليا إلى التنفيذ بصورة واضحة، لا سيما فيما يتعلق بالتصعيد العسكري غير المبرر ضد الفلسطينيين مؤخرا، وتحديدا في قطاع غزة، وهو أمر يتجاوز ابتزاز اللحظة الانتخابية إلى كونه عرفا ونهجا إسرائيليا دائما وليس موسميا أو انتخابيا!

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة