مواطنون بلا مواطنة.. ما الحل؟   
الأربعاء 1430/12/1 هـ - الموافق 18/11/2009 م (آخر تحديث) الساعة 14:42 (مكة المكرمة)، 11:42 (غرينتش)
فاضل الربيعي


 
في عالم العرب السياسي، هناك الكثير من التجارب والحالات التي تؤكد وتدعم حقيقة، أن الدستور قد يصبح مع الوقت، مصدر الإعاقة الحقيقي والرئيس أمام تفاوض المجتمع مع الدولة على حل وطني شامل، وأن تغييره أو "تمزيقه" علنا ، والتوجه نحو كتابة عقد اجتماعي جديد، يصبح هو السبيل الوحيد للخروج من المأزق التاريخي.

وفي عالم العرب السياسي أيضاً، هناك الكثير من التجارب والحالات التي ثبت فيها أن السلطة، وبالضد من رغبة وإرادة المجتمع، تلجأ إلى "انتهاك قدسية " الدستور أو تغيير بعض مواده وتعطيل أخرى، ولكن فقط من أجل تمرير حل لمأزقها هي، وليس لمواجهة مشكلات انسداد أفق الحل الوطني في البلاد، كأن يكون ذلك، مثلاً من أجل ضمان ولاية جديدة للرئيس.

"
الدستور العراقي ليس كتابا مقدسا لا في نظر الدولة ولا في نظر المجتمع، وقدسيته كاذبة ومزيفة، لأن الجميع يتظاهرون باحترامه في العلن، بينما يتوافقون في السرّ على تمزيقه
"
ولقد شهدنا خلال العقود الأخيرة، الكثير مما يمكن اعتباره أدّلة صارخة على الكيفية التي يمكن أن يقع فيها "عدوان" السلطة على الدستور"، ولكن من دون أي رد فعل مجتمعي. يعني هذا ببساطة، أن الدستور ليس "كتاباً مقدساً"، لا في نظر الدولة ولا في نظر المجتمع، وأن قدسيته كاذبة ومزيفة، لأن الجميع يتظاهرون باحترامه في العلن، بينما يتوافقون في السرّ على تمزيقه.

وفي الحالة الراهنة للعراق، وهي نموذجية على مستوى إشكالية العلاقة بين المجتمع والدولة تحت الاحتلال، يصبح الدستور، المصدر الرئيس والأكثر توليداً لمشكلات انسداد أفق الحل السياسي، ولتخبط القوى والجماعات في أوحال المساومات الرخيصة. ومع ذلك، لم يجر ِ حتى اللحظة أي نقاش صريح وعلني بين السياسيين العراقيين حول "العلة ومصدرها".

كل ما جرى ويجري، سجال سياسي انفعالي حول "المشكلة الأمنية" و"العملية السياسية" لا يكاد ينتهي، إلا ليبدأ من جديد مع كل انفجار أو عمل إرهابي أو صراع حزبي بين المتنافسين. إن جميع السياسيين تقريباًً، الرسميين منهم وأشباه الرسميين كذلك، يتظاهرون باحترام الدستور؛ بل ويعارضون أي مسّ في "قدسيته" مهما كانت المبررات.

مثلا ً، عندما يتعلق الأمر بتمرير حل وطني يؤمن خروج البلاد من مأزقها (وذلك يتطلب تحقيق التوافق على تعديل الدستور) فإنهم جميعاًً يقفون وقفة رجل واحد صارخين: لن نقبل، مهما كان الثمن بأي مسّ في "قدسية الدستور"، ولن نسمح "بالعدوان عليه"! بينما هم يتفاوضون خلف الكواليس، لا على حدود التعديل المطلوب، بل وعلى حجم "الانتهاك" الضروري واللازم للحفاظ على حصص الطوائف من السلطة والنفوذ والثروة والمكاسب السياسية والحزبية.

هذا يعني بكل جلاء، أن الدستور العراقي، ومن حيث جوهر وظائفه القانونية والفكرية، لم يكن مصمماً في الأصل لأداء وظيفة العقد الاجتماعي الذي ستقوم عليه أسس الدولة الحديثة؛ بل كان مصمماً لأغراض بناء دولة فضفاضة، يتاح بموجبها للسلطة، والسلطة وحدها وليس للدولة، تنظيم طرق وأساليب إدارة العلاقة مع المؤسسات والأفراد والجماعات، وفقط باعتبارها جهازاً بوليسياً يقبض على عنق المجتمع.

مثلاً، عندما نشب النزاع بين رئيس الجمهورية جلال الطالباني ورئيس الوزراء السابق إبراهيم الجعفري، وانتهى باستقالة الأخير (وهو أمر يكاد يتكرر مع المالكي بالصورة ذاتها) اتضح أن كل السجال السياسي كان يتركز حول معضلة "فهم الدستور" وكيفية تفكيك التداخل بين مواده الخاصة بصلاحيات هيئة الرئاسة ورئيس الوزراء، وليس حول معضلة أن الدستور نفسه، وليس "فهمه" هو العلة التي يتعيّن مواجهتها بصراحة.

ويتبيّن اليوم، مع عودة الأزمة واستعصاء حل مشكلة قانون الانتخابات، أن الدستور مصمم لخدمة أهداف جماعات مسلحة، توافقت وتراضت حول أفضل السبل لتقاسم المغانم والحصص، وليس لتنظيم العلاقة بين الدولة والمجتمع.

ولأن كل النقاش السياسي الدائر في العراق، ظل طوال السنوات الست المنصرمة، يتصل بهذا الجانب من المأزق، ولكن من دون مواجهته؛ فقد انتهى من حيث بدأ كثرثرة على الشاطئ. والغريب في أمر دستور العراق الجديد، أن معظم السياسيين لم يعودوا يخفون في مجالسهم، لا مقدار الضيق والتبرم منه ولا الرغبة في تمزيقه. مع أنهم، بعبارة موجزة، يقدّسونه في الصباح ويقومون بلعنه في الليل.

لكن هؤلاء، يدركون حقيقة أنهم لم يسهموا فعلياً في كتابة مسودته الأولى ولا حتى صيغته النهائية، كما أنهم يعرفون أنه جاءهم " ُمنزلاً "من شرفة مكتب بول بريمر في القصر الجمهوري، عندما كان هذا، وبعد أسابيع فقط من احتلال بغداد، يستقبل نوح فيلدمان اليهودي الأميركي ليطلب منه، وهو يعلم أنه غير متخصص في كتابة الدساتير، أن يضع المسودة الأصلية لدولة يجب أن تتمتع بقابلية فذّة للتفكك إلى "دويلات".

"
لم يكن الدستور العراقي الحالي، خلاصة أو نتاج النقاش السياسي والقانوني العميق والمستفيض حول طبيعة العقد الاجتماعي، بل هو نتاج مساومات سياسية بين قوى مسلحة مع الاحتلال على تقاسم المال والسلطة
"
ولذلك، لم يكن الدستور العراقي الحالي، خلاصة أو نتاج النقاش السياسي والقانوني العميق والمستفيض حول طبيعة العقد الاجتماعي المطلوب لتأسيس دولة حديثة، بل هو نتاج مساومات سياسية بين قوى مسلحة، ارتأت -تحت شرفات قصر بريمر– أن الدولة التي يقترحها نوح فيلدمان، هي التي سوف تحررهم كلياً من عبء "المواطنة المقدسة"، لأنها لن تكون في أي حال من الأحوال، دولة "كل مواطنيها"؛ بل ستظل دولة "كل طوائفها"، وبحيث يصبح انتماء العراقي للعراق رهناً بمقدار ولائه لطائفته وعرقه وليس لبلاده. لقد تعاقدت الجماعات المسلحة، المتحالفة مع الاحتلال، ودون تردد على تقاسم المال والسلطة اليوم، وفي الغد على تقاسم الجغرافيا.

إن العودة إلى الظروف التي جرى فيها تمرير الدستور، سوف تكشف عن الحقيقة المرّوعة التالية:

كيف أن محو الدولة الوطنية، بواسطة تحالف الاحتلال والجماعات الطائفية المسلحة، قد أدّى بصورة تلقائية إلى محو مبدأ المواطنة، ففي اللحظة التي تلاشت فيها الدولة، تلاشت المواطنة كهوية جامعة، وربما تبخرت كفكرة حتى داخل المجتمع نفسه الذي تفككت روابطه بسرعة مخيفة.

ولذا، بدا أمراً متوقعاً، أن مبدأ المواطنة سوف يتلاشى من الدستور، ولتحل محله مبادئ ملصقة وملفقة، سيرى العراقيون أنفسهم في مرآتها، كأفراد "أحرار" ينتمون إلى طوائف وأعراق، ولكنهم ليسوا مواطنين بعد، مثلاً "إن العرب في العراق جزء من الأمة العربية". لقد كانت لحظة مفارقة مأسوية في تاريخ العراق الحديث، تلك التي جرت فيها بعد أيام من الاحتلال فقط، مقايضة علنية لمبدأ "المواطنة" بالحرية، أي حين قيل لكل العراقيين، أنكم غدوتكم منذ الآن مواطنين أحرارا، ولكنكم سوف تعرّفون أنفسكم ومنذ الآن أيضاً كأفراد ينتمون إلى طوائف وأعراق.

ولكن، عندما تصبح الحرية في مفهومها الجديد، قطيعة نهائية مع المواطنة، وعندما تجري مبادلتهما الواحدة بالأخرى، وبحيث يغدو بوسع أي فرد في المجتمع، أن يتشدق بحريته، بينما يفتقد الاعتراف به كمواطن، فإنها إذن لقسمة ضيزى، إذ كيف يمكن له، أن يجمع بين كونه ذاتاً حرة ولكنه ليس مواطناً بالمعنى الدستوري، وفي الوقت عينه، بين كونه "ليس مواطناً بعد ولكنه بالمعنى الدستوري ذاتاً حرّة؟ إنها لمفارقة مريعة بالفعل، لأن الحرية لن تتحقق للفرد، أي فرد وفي أي مجتمع إلا بشرط تحقق مواطنته؟

إن عراقييّ ما بعد التاسع من أبريل/ نيسان 2003 الذين كانوا يعرّفون أنفسهم في السابق، كمواطنين عراقيين، ولكنهم لم يكونوا "أحراراً بالمعنى الدستوري"، أصبحوا اليوم بعد التاسع من أبريل/ نيسان 2003 مضطرّين إلى التعريف بأنفسهم كأفراد أحرار، ينتمون إلى مذاهب وأعراق لم تعد قادرة على استعادة روابطها التقليدية بعضها ببعض، بسبب الأجواء المشحونة بالبغضاء والكراهية والقتل الطائفي.

"
أصبح العراقيون مواطنون بلا مواطنة في دولة تديرها جماعات مسلحة، ويحرسها دستور فضفاض, وتوجبّ على العراقي، ومن أجل تحقيق ذاته الحرّة، أن يخسر مواطنته لصالح هويته الجديدة المذهبية والإثنية
"
لقد أصبحوا منذئذٍ، "مواطنون بلا مواطنة" في دولة تديرها جماعات مسلحة، ويحرسها دستور فضفاض. ولذلك توجبّ على العراقي، ومن أجل تحقيق ذاته الحرّة، أن يخسر "مواطنته طوعاً أو بالإكراه والتضليل "لصالح هويته الجديدة" المذهبية والإثنية.

صحيح أن العراقيين في ظل النظام السابق، وبالمفهوم الهيغلي، لم يكونوا مواطنين أحراراً في "مجتمع حر"، كما أنهم لم يتمكنوا في أي ظرف أو وقت سابق من تحقيق ذواتهم الاجتماعية والثقافية الحرّة، ولكن الصحيح أيضا ً أنهم كانوا يعيشون بعمق وجداني، فكرة كونهم مواطنين حقيقيين، يرتبطون بعضهم ببعض بهوية وطنية جامعة، وأنهم ينتسبون إلى وطن واحد ومجتمع واحد، وليسوا مواطني مجتمعات طائفية وعرقية.

ولهذا السبب وحده، بدت القطيعة مع فكرة المواطنة وكأنها لب وجوهر الدستور وهي ثمن الحرية الزائف. فهل كان أمراَ محتوماً أن يؤدي قيام التحالف بين الاحتلال الخارجي (العسكري والعنيف) والجماعات المسلحة المحلية، وهو تحالف غير مسبوق في تاريخ المنطقة وربما العالم إلى التخلص من الدولة الوطنية ومن مبدأ المواطنة في آنٍ واحد ؟ بل وأن يصبح مبدأ المواطنة نفسه، فكرة عصية على التحقق، كلمّا تمكنت الجماعات المسلحة من فرض سيطرتها على المجتمع والدولة، وكلما استمر وجود الاحتلال العسكري لوقت أطول؟ ما حدث بعد التاسع من أبريل/ نيسان 2003 يمكن تلخيصه من هذه الزاوية على النحو التالي:

كان العراقيون (الذين قيل لهم أنهم أصبحوا أحراراً في ظل الاحتلال وسطوة الجماعات المسلحة) يتغافلون عن رؤية المفارقة المريعة في دستور نوح فيلدمان، فالنص يتعامل معهم تجريديا ً، بوصفهم عراقيين أحرارا ً، ولكن ليس بوصفهم مواطنين عراقيين حقيقيين؟ إنه ببساطة، يفرض عليهم تصوّراً وحيداً لممارسة اللعبة الديمقراطية، أن يصوتوا لهوياتهم المذهبية؟ أي أنه يقوم بتحويلهم إلى أصوات تقترع للطوائف لا إلى الأفكار والبرامج؛ بل ويفرض عليهم القبول بالقواعد الجديدة للعبة الديمقراطية التي انتزع منها أهم مبدأ فيها: المواطنة.

ولذلك، ما لم يتوافق العراقيون على "انتهاك" الدستور الحالي، وتمزيقه والتخلص من كابوسه البغيض؛ فإنهم لن يتمكنوا من التقدم خطوة أخرى إلى أمام. هذه الحقيقة، تتردد اليوم على كل لسان تقريباً مع انسداد أفق الحل الوطني، فلكي تتمكن الدولة والمجتمع من بناء أسس صحيحة للتفاوض على الحل الوطني الشامل؛ فإن "قدسية الدستور" يجب أن تصبح هي ذاتها موضوعاً للتفاوض وإعادة النظر.

وبكلام آخر؛ فإن خروج العراق من مأزقه الراهن، بات مرتبطاً بتوافق الدولة وللمجتمع على انتهاك هذه القدسية في العلن، والتوجه نحو كتابة دستور جديد؛ ولم يعد مرتبطا ً بأي حل أمني أو مساومات سياسية بين الكتل البرلمانية.

"
برهن العراقيون في مرات لا تحصى، وخصوصاً في اللحظات التي حدث فيها انهيار جزئي أو كليّ للدولة، على أنهم يمكن أن يدافعوا بشراسة عن الهوية الجامعة
"
لكن ما يثير القلق في هذا الشأن، أن تاريخ العراق القديم (والحديث) ورغم أنه تاريخ التمسك بالهوية الجامعة؛ فإنه كذلك، تاريخ "الوطنية المتراخية" والهشة. إن العراقيين –قياساً إلى سلوك أمم وشعوب المنطقة الأخرى -يبدون أقل قابلية للدفاع عن الهوية الوطنية بوصفها تجسيداً لوجودهم كمواطنين حقيقيين. إن تلاشي فكرة المواطنة من ثقافة المجتمع السياسية، هو الذي يحوّل العراقيين إلى مواطنين "تجريديين" غير قابلين للتحقق في شخصية وطنية حقيقية.

ومع ذلك، فقد برهن العراقيون في مرات لا تحصى، وخصوصاً في اللحظات التي حدث فيها انهيار جزئي أو كليّ للدولة، أو في الأوقات التي تآكلت فيها قوة الدولة وطاقتها على توحيد الجماعات وضمّها في إطار وطن واحد، على أنهم يمكن أن يدافعوا بشراسة عن الهوية الجامعة.

واليوم، حين تتلاشى المواطنة من الدستور وتتمزق في ميادين النزاع الدامي؛ فإن الرهان على صمود العراق أمام تحدي التفكيك، يصبح مشكوكاً فيه. ولأننا لم نشهد بعد مثل اللحظة التاريخية التي يتوجه فيها العراقيون نحو تمزيق دستور فيلدمان-بريمر؛ فإن العراق سوف يظل أسير مأزقه المخيف.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة