محور باريس-برلين.. المحددات والتطورات   
الأحد 18/8/1425 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)

* بقلم/ عبد النور بن عنتر

الرئيس الفرنسي جاك شيراك والمستشار الألماني غيرهارد شرودر
- انقسام الغرب
- محددات الموقف الفرنسي
- محددات الموقف الألماني
- محددات الموقف الروسي
- الحد الأدنى من التضامن الغربي
- استهداف فرنسا
- رفض شرعنة الحرب
- عقوبات أميركية
- الاتحاد الأوروبي.. إلى أين؟

انقسام الغرب
انقسم الغرب من جراء الأزمة إلى معسكر مناصر للحرب على العراق وآخر معارض لها، وهو ما يذكرنا بالانقسام التاريخي للكنيسة إلى شرقية وغربية بسبب خلاف ديني جوهري.
طبعاً، الغرب الحالي كان مقسماً بنيوياً، إذ تمثل أميركا الجناح العسكري-التقني (روما) في حين تمثل أوروبا الجناح الحضاري (اليونان).

وللخلاف الغربي الحالي بعده الديني، فأوروبا العلمانية تنفر من أصولية المحافظين الجدد في واشنطن. أما الفاتيكان فقد اعتبر الحرب على العراق "خطرا على الإنسانية"، وقالت إذاعته إن هذه الحرب "هزيمة للعقل وللإنجيل"، كما طالب أحد مقربي البابا الرئيس بوش بعدم ذكر الرب في خطاباته. ومثل الخلاف مس أيضاً العلاقات الأوروبية. ومنذ نهاية الحرب الباردة لم تبلغ الخلافات الأوروبية الأميركية هذه الدرجة من التوتر، لكن الحلفاء أبقوا على السقف الأدنى من التضامن مما حال دون شرخ إستراتيجي بين الضفتين.

محددات الموقف الفرنسي


  • أسس الرؤية الفرنسية:
    نظام متعدد الأقطاب، دفاع أوروبي مستقل، الحفاظ على مصالحها في العراق
    التصور الفرنسي للنظام العالمي مبني على احترام القانون الدولي والعمل في إطار الأمم المتحدة وفض المنازعات سلمياً وضرورة بناء نظام متعدد الأقطاب، ليس فقط لكبح جماح الانفرادية الأميركية بل لإرساء قواعد تعامل دولي يطبقها الجميع. قد يُفهم هذا على أنه موقف الضعيف أمام القوي لأن الدول الضعيفة تتمسك بالمنظمات الدولية للتقليل من هيمنة الأقوياء، كما أن فرنسا قد تسلك نفس السلوك لو سنحت لها الفرصة.
    إلا أن في الموقف الفرنسي قناعة بضرورة بناء عالم متعدد ومستقر. هذا طبعاً لا يعني أن موقفها لا تحكمه اعتبارات مصلحية، فخلف الأزمة في العراق ترتسم ملامح النظام العالمي المقبل، وفرنسا تبدو أنها تعي المسألة جيداً.
  • لفرنسا مصالح إستراتيجية وترى في الأزمة العراقية وسيلة للتأكيد عليها، فهي تسعى لبناء الدفاع الأوروبي لضمان استقلالية أمنية عن أميركا. وليس من الصدف أن تقبل هي وألمانيا بالمقترح البلجيكي بعقد قمة ثلاثية تخصص للدفاع الأوروبي الشهر المقبل. وتعد هذه القمة أيضاً رسالة لبريطانيا، فالدفاع الأوروبي سيبنى بدونها إن اقتضى الأمر. وبريطانيا انخرطت في هذه العملية مع فرنسا في نهاية عام 1998، إلى أن انخراطها لم يكن يعبر عن قناعة سياسية، لأنها كانت دائماً تعارض بناء قدرات عسكرية أوروبية مستقلة عن الأطلسي. وبالتالي فقد تكون الأزمة الحالية فرصة للتخلص من التزام لم تقتنع به أصلاً. تريد فرنسا وألمانيا وبلجيكا المضي قدماً في بناء الدفاع الأوروبي لأن توسيع الاتحاد إلى أعضاء موالين لأميركا سيعقد المسألة.
  • لفرنسا مواقع اقتصادية في المنطقة (منها استثمارات في العراق) لا تريد المجازفة بها ولا المشاركة في حرب لن تعود عليها بفوائد، فهي تتذكر استحواذ أميركا على عقود البناء والتسلح في الخليج بعد حرب عام 1991. ثم إنها تتخوف من الانعكاسات السلبية -خاصة ما يتعلق بالطاقة- للحرب على اقتصادها المنهك.
  • تتخوف فرنسا أيضاً من صراع ديني وتسعى لتهدئة الوضع والحيلولة دون أي انزلاق من شأنه تهديد الاستقرار الاجتماعي في فرنسا التي يعيش فيها خمسة ملايين مسلم و700 ألف يهودي.

محددات الموقف الألماني

  • تريد برلين التخلي عن دور الممول لعمليات قررها الغير، خاصة أنه بعد تغير الوضع الأمني العالمي لم تعد ألمانيا مجبرة على تحمل أعباء عمليات تُقررها واشنطن. كما تتخوف من انعكاسات الحرب على اقتصادها المتأزم خاصة أنها تعاني كباقي الدول الأوروبية من الانكشاف في مجال الطاقة.
  • ظهر منذ نهاية الحرب الباردة أن الجناح الشرقي للأمن الألماني في أمان لاسيما بعد توسيع الحلف الأطلسي شرقاً، وبالتالي فهي ليست بحاجة ماسة إلى المظلة الأميركية، إذ ساهم توسيع الحلف شرقاً في تدعيم موقفها التفاوضي أمنياً.
  • ألمانيا الساعية للعب دور في صناعة واتخاذ القرار الدولي ترى في الأزمة العراقية فرصة لإسماع صوتها وإثبات استقلالية قراراتها، وتدعو أيضاً إلى نظام عالمي متعدد الأقطاب وتتمسك بدور أوروبي حقيقي لا ينحصر فقط في التمويل بعد الحسم العسكري.

محددات الموقف الروسي


  • تستغل روسيا التناقضات داخل الاتحاد وبينه وبين أميركا، للتأكيد على دورها الدولي بأقل تكلفة
    تعمل روسيا خاصة مع الصين من أجل عالم متعدد الأقطاب للتقليل من الهيمنة الأميركية، وترى في الأزمة العراقية خاصة فرصة للدفع نحو هذا الاتجاه بالتعاون مع فرنسا وغيرها. وليست هذه المرة الأولى التي تواجه فيها روسيا تحركا خارج مجلس الأمن، فقد تحركت الدول الغربية في أزمة كوسوفو خارجه تجنباً للنقض الروسي. وعليه يجب ألا ينتظر العراق وغيره شيئاً من روسيا، فهي لم تحم صربيا من ضربات الأطلسي ولم تحم ميلوسوفيتش. كما أن الموقف الروسي يبدي اهتماماً بعقود النفط مع العراق أكثر من الحرب.
  • تستغل روسيا التناقضات داخل الاتحاد وبينه وبين أميركا للتأكيد على دورها الدولي بأقل تكلفة، فانتقادها لواشنطن أضعف لهجة من الانتقاد الفرنسي. فهي تستغل الخلافات الغربية للتقرب من أوروبا وفي نفس الوقت من أميركا. والاتصالات الثنائية لم تنقطع بين واشنطن وموسكو، كما أن بوتين يؤكد على الشراكة وليس على الخصومة بين روسيا وأميركا.
  • روسيا لم تنس أن أميركا بثت برامج باللغة الشيشانية صوب الشيشان عبر أمواج إذاعة أوروبا الحرة، ونشرت مستشاريها العسكريين في جورجيا، وأقامت قواعد عسكرية في جمهوريات آسيا السوفياتية سابقاً. وبالتالي فهي ترى في الحشد الأميركي في الخليج حلقة في سلسلة بدأت بتوسيع الأطلسي شرقاً مروراً بالانتشار في أفغانستان وفي تخومها الجغرافية، وما لذلك من انعكاسات إستراتيجية واقتصادية (نفطية أساساً).

الحد الأدنى من التضامن الغربي
علاقات برلين-باريس مع واشنطن تحدد مؤشر الحد الأدنى من التضامن الغربي
تحافظ فرنسا وألمانيا على حد أدنى من التضامن الغربي، وعليه فالأمر لم ولن يبلغ حد القطيعة إذ تعتبر باريس فتح مجالها الجوي للطائرات الأميركية من التضامن الأدنى بين الحلفاء.
أما ألمانيا ففتحت هي الأخرى مجالها الجوي لها.

تساهم فرنسا ولو عن بعد في أجواء الحرب مبقية على "شعرة معاوية"، فقد قررت يوم 22 مارس/ آذار الجاري إرسال فريق إلى قطر (طبقاً لاتفاق الدفاع بينهما) متخصص في إزالة التلوث النووي النووي والكيميائي والبيولوجي لحماية قطر تحسباً لقصف عراقي. أهمية هذا القرار هو أنه يخص بلداً يحتضن مقر قيادة العمليات العسكرية الأميركية ضد العراق. كما اقترحت فرنسا تزويد تركيا بمعدات لحمايتها في حال هجوم عراقي غير تقليدي. وجاء هذا الاقتراح غداة التزام دول الأطلسي الدفاع على تركيا في حال تعرضها لهجوم. كما أعلنت أنها ستساعد أميركا وبريطانيا إن استخدم العراق أسلحة كيماوية أو بيولوجية ضد قواتهما.

ألمانيا هي الأخرى منخرطة في التحرك الأطلسي الاحترازي، وكانت أرسلت بطاريات صواريخ باتريوت إلى إسرائيل. وهكذا رغم معارضة فرنسا وألمانيا للحرب، فإنهما تخففان من أعباء أميركا بالمساهمة في ضمان أمن حلفاء واشنطن، وهو ما يدخل في إطار تقاسم الأدوار بين الحلفاء الغربيين رغم الخلاف.

استهداف فرنسا

لو أن معسكر السلام لم يضم في صفوفه دولا مثل فرنسا لقالت أميركا وحلفاؤها إن الدول المعارضة للحرب دكتاتورية تخاف من الديمقراطية

رغم أن أغلبية الدول الأعضاء في مجلس الأمن عارضت الخيار العسكري، فإن واشنطن ولندن وروما اتهمت باريس بإجهاض عمل الأمم المتحدة لتهديدها باللجوء إلى حق النقض "الفيتو". أميركا وأنصار الحرب يدركون تماماً أن فرنسا كديمقراطية عريقة وذات مبادئ إنسانية كونية التوجه تلقى مواقفها ترحيباً ودعماً من قبل الرأي العام العالمي على عكس روسيا والصين مثلاً.

فلو أن معسكر السلام لم يضم في صفوفه دولا ديمقراطية من صنف فرنسا لتمكنت أميركا وحلفاؤها من القول إن الدول المعارضة للحرب تسلطية ودكتاتورية تعارض الحرب خوفاً من الديمقراطية. ولهذا فإن وجود فرنسا وبلجيكا وكندا وغيرها في معسكر السلام المتمسك بالشرعية الدولية نسف كل الحجج الأميركية المزعومة.

المفارقة هي أن أميركا وحلفاءها يدَّعون الديمقراطية في العراق في حين يرفضونها في مجلس الأمن! كما أنهم ينتقدون فرنسا حول استخدام حق النقض، وأميركا أطنبت في استخدامه!

رفض شرعنة الحرب
يبقى الموقف الفرنسي الألماني مرهوناً بتطورات الحرب ميدانياً، وبرد فعل العراق وبمساومات ما بعد الحرب. فإذا لجأ العراقيون إلى أسلحة غير تقليدية، فإن باريس وبرلين ستغيران مواقفهما وتدعمان الحلفاء. كما أن انتصاراً سريعاً لأميركا وحليفتها في العراق واستقبالا شعبيا لقواتهما سيضعف موقف دعاة الحل السلمي عموماً. لكن التطورات الحالية في العراق تشير حتى الآن إلى عكس ذلك.

لا يبدو أن فرنسا وألمانيا ستراجعان مواقفهما، بل من المرجح أن تصران عليها خاصة أن معسكر الحرب بحاجة إلى أوروبا ليس فقط لبناء العراق ولكن لشرعنة الحرب بعد وقف القتال، عبر تدويل إعادة البناء والعون الإنساني وتقاسم أعباء الحرب.

وتعي فرنسا وألمانيا مغزى المناورات الأميركية البريطانية في هذا المجال، فقد اعتبر شيراك أنه مهما تكن النتائج فإنه يتعين أن تتولى الأمم المتحدة إدارة عملية إعادة البناء. كما صرح أن "فرنسا لن تقبل قراراً ينحو نحو شرعنة التدخل العسكري ومنح" الأميركيين والبريطانيين "سلطات إدارة العراق"، وهي أيضا ترفض إقامة محمية أميركية بريطانية في العراق وتصر على "أن يبقى العراق للعراقيين".

كما تصر فرنسا وألمانيا على عودة الملف العراقي إلى الأمم المتحدة، فباريس تسعى من خلال عملية بناء العراق إلى القيام بدور في ما يسمى بعراق ما بعد صدام. أما ألمانيا فتراقب أي محاولة التفاف على موقفها، فمثلاً هددت بسحب طاقمها العسكري من طائرات الأطلسي (أواكس) التي تراقب المجال الجوي التركي إن توغل الجيش التركي في الأراضي العراقية.

عقوبات أميركية
إن الإبقاء على الحد الأدنى من التضامن الغربي سيحول دون عقوبات أميركية. فعلى المستوى الاقتصادي يصعب على واشنطن معاقبة فرنسا وألمانيا لأن ذلك سيتسبب في حرب اقتصادية بين أوروبا وأميركا، لكن الأرجح أن تفرض عقوبات غير رسمية تستهدف بعض البضائع الفرنسية أساساً مثل الجبن أو الخمر، وقد بدأت مبادرات في هذا المجال.

كما يرجح أن يكون التصعيد في التنافس بين الشركات الأميركية والأوروبية، ومن المتوقع أن تستفيد الأولى من دعم كبير من وكالات الاستخبارات لإقصاء الشركات الأوروبية من بعض الأسواق. وستُستهدف شركات الصناعات الحربية الفرنسية كما حدث في معرض إيديكس في الإمارات حيث هُمشت بسبب موقف فرنسا.

أما ألمانيا، فقد "تعاقب" بنقل القواعد الأميركية منها إلى البلدان الشرقية الجديدة العضوية في الحلف، لكن هذا سيريح الدبلوماسية الألمانية ولا يضع أمن ألمانيا في خطر.

الاتحاد الأوروبي.. إلى أين؟

نجحت أميركا في تقسيم الصف الأوروبي وأصبحت عملياً عضواً في الاتحاد تتدخل في شؤونه

جاء بيان القمة الأوروبية بصيغة عامة ترضي الجميع وتبقي على الانقسامات، وقد أصر على مركزية الأمم المتحدة في مرحلة ما بعد الحرب.
ويعد هذا الإصرار إقراراً بعجز المنظمة التي لا يسمح لها بالتدخل إلا لتطبيق برامج صممها مسبقاً من حسموا الأمر عسكرياً لصالحهم.

فقد أكدت الأزمة في العراق عجز أوروبا التي تتجاذبها توجهات متناقضة، فالبعض يسعى لبناء اتحاد مستقل عن أميركا في حين يسعى البعض الآخر للإبقاء على تبعية الرابطة الأوروبية للأطلسي. أما الأعضاء العشرة الجدد فإنهم أكثر أطلسية من غيرهم وكأنهم تعودوا على السير في فلك قوة عظمى وليس بوسعهم الحفاظ على استقلالية قرارهم الإستراتيجي.

فأميركا سعت ونجحت في تقسيم الصف الأوروبي وأصبحت عملياً عضواً في الاتحاد تتدخل في شؤونه عبر الجناح الغربي (بريطانيا وإسبانيا) والجناح الشرقي (الأعضاء الجدد). وإذا أرادت أوروبا الخروج من دوامة الانقسامات فعليها أن تحدد طبيعة علاقتها مع واشنطن.
ـــــــــــــــــ
* باحث عربي مقيم في فرنسا

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة