سؤال غزة والضفة   
الاثنين 1436/6/17 هـ - الموافق 6/4/2015 م (آخر تحديث) الساعة 16:51 (مكة المكرمة)، 13:51 (غرينتش)
توجان فيصل


بدل أن تخوض معاركها مع الاحتلال, شرعت السلطة الفلسطينية بشن حرب جديدة على غزة وقطر, لأن الأخيرة شرعت في تنفيذ التزامها بإعادة إعمار غزة, فأصبح إعمار غزة فصلا لها عن الضفة! فيما الكل يعرف ويصرح بأن المعركة هي فقط للحصول على صفقات الإعمار.

وقد سبق للسلطة الفلسطينية أن قبضت ثمن المصالحة المزعومة مع حماس, والتي اقتصرت حقيقة على تنصيب الحمد الله رئيسا للوزراء بدل هنية (المنتخب كون حزبه فاز بأغلبية مقاعد السلطة التشريعية), ولكنها لم تدفع رواتب موظفيها في غزة بزعم معارضة إسرائيل لعبور الأموال لغزة.

إسرائيل تعارض أيضا مرور مواد إعمار ما دمرته بعدوانها الأخير على غزة, وهو ما تتعذر به السلطة للمماطلة في الإعمار ولرفع كُلَفه, متناسية أن إسرائيل سربت شريط فيديو يثبت حث السلطة لإسرائيل لتقوم بذلك العدوان.

بالطبع لم يجر تحقيق نظرا لحال غزة التي بالكاد تحصل على تحقيقات بشأن جرائم إسرائيل بحقها, ويُضعف قضيتها أن تشكو من "ظلم ذوي القربي".. ولكنه تحقيق لم يفتح أيضا لحال "الضفة" الذي لا يقل سوءا, حيث "التنسيق الأمني" مع المحتل يجري علنا ويعتبر جزءا أساسيا, إن لم يكن الجزء الأهم, من مهام سلطة عباس.

الأعجب هنا أن تتهم السلطة قطر بأنها لا تحاول فقط إضعاف عباس وسلطته بتجاوزهم, بل أيضا بتجاوز "الراعي المصري". فيما مصر أخرجت نفسها من دور الراعي, ولا نعرف حتى الآن إن كانت تريد العودة له أم لا؟

العجيب أن السلطة تغمز بطرف السفير القطري لديها (الذي يشرف على مشاريع قطر الإعمارية في غزة) كونه دخل لغزة عبر معبر "إيريز", مع أن هذا بدهي لكون السفير كان قد اجتمع بالمسؤولين الإسرائيليين في القدس واستخلص منهم الموافقة -المتعذرة على السلطة- على إدخال مستلزمات البناء لغزة عبر ذات معبر "إيريز", كون إدخالها عبر معبر "رفح" يستحيل الآن.

والأعجب هنا أن تتهم السلطة قطر بأنها لا تحاول فقط إضعاف عباس وسلطته بتجاوزهم, بل أيضا بتجاوز "الراعي المصري". فيما مصر أخرجت نفسها من دور الراعي, ولحينه لا نعرف إن كانت تريد العودة له ولكننا نعرف أن غزة لا يمكن أن تعيش شتاء آخر كالذي مر, ما يجعل مشروع الإعمار القطري يأتي تلبية لحاجة إنسانية ملحة لا تجوز معها مثل هذه المماحكات أو المساومات من قبل السلطة.

ونأتي للأهم المتعلق بمصير أو أقله مسار القضية الفلسطينية, وهو اتهام سلطة عباس لقطر بـ"فصل غزة" عن الضفة, ونبدأ بحقيقة أن ذلك الفصل جرى بما أسمي غزة- أريحا أولا, كأول إجراء يدشن اتفاقية أوسلو.

وتستوقفنا عجائبية ربط غزة بأريحا فيما إسرائيل تتربع بينهما محتلة لكامل الضفة الغربية, بل وكامل أرض فلسطين التاريخية، فذلك أخطر من أوسلو (كونها إعلان مبادئ) والثابت أنه من فعل محمود عباس شخصيا ومنفردا, كونه أسمي "اتفاقية عباس-بيلين". فتلك الاتفاقية التي عقدت سرا لم تقف عند ترجمة اتفاقية أوسلو إلى تفاصيلها المقيتة بل زادت عليها, وبوضوح يمنع أي لبس مزعوم أو حتى تفسير مشروع, لأوسلو ذاتها بغير ما أرادته إسرائيل.

وعباس -بعد أن أصبح رئيسا- هو من قام بفصل أريحا عن "سلطته" حين نقل أحمد سعادات (المعتقل لدى عباس) من سجنه في رام الله لسجن أريحا, وسمح لقوات الاحتلال الإسرائيلي بعبور الضفة الغربية من غربها لأقصى شرقها لأخذ سعادات من قلب سجنه.. ونزع ورقة التوت عن سلطة عباس بتجريد قوات أمنه ليس فقط من سلاحهم (هم حتما أمروا بتسليمه) بل ومن ملابسهم العسكرية وتركهم فقط بملابسهم الداخلية! وهو إجراء ما كان يلزم لاستلام سعادات المتفق عليه, ولكن إسرائيل تعمدته لتسجيل وتثبيت حال قوات أمن وسلطة عباس. وهذه ليست الحادثة الأولى ولا الأخيرة, بل هي جزء من "التنسيق الأمني" بين سلطة عباس وقوات وحكومات الاحتلال.

وقبول عرفات وعباس برام الله "مقرا" للسلطة خدم تغيب ذكر القدس كعاصمة للدولة المعلقة على وعد عائم. وبالفعل أصبحت الإشارة لرام الله كعاصمة للجانب الفلسطيني رديفا للإشارة للقدس كعاصمة لإسرائيل. ومع أن بند القدس أجل البحث فيه في أوسلو وفي اتفاقية "عباس-بيلين", إلا أن الأخيرة سلمت صراحة بأن مدينة "أورشليم", والتي تعني في أدبيات وتوظيفات إسرائيل القدس الكبرى وليس فقط المدينة المقدسة, هي العاصمة الأبدية لإسرائيل.

وإمعانا في النأي بنفسه عن أي مطلب يتعلق بالقدس, وعند بدء الحديث في عهد أوباما عن حل دائم للقضية الفلسطينية, جاء عباس لعمان ليضع المقدسات في عهدة الملك عبد الله الثاني شخصيا! فمن الذي فصل القدس وأريحا وما بينهما عن ولاية عباس في "رام الله"؟ ثم أليست هذه هي رام الله التي اجتاحتها إسرائيل لتحاصر عرفات في مقره, ثم لتتسلل إليه داخل ذلك المقر وتسممه؟

وعباس هو من فصَلَ عن سلطته كامل الضفة المحتلة بأن سلمها للمستوطنين. فحسب اتفاقية عباس-بيلين, الدولة الفلسطينية التي ستكون عاصمتها مجمع قرى أبو ديس (بلدة صائب عريقات) والعيزرية وسلوان خارج القدس، وأسميت "القدس" دغدغة للمشاعر، وستقوم بعد إخضاع الفلسطينيين لـ"اختبار نوايا" حده الأدنى عشر سنوات والأقصى عشرون عاما.

قبول عرفات وعباس برام الله "مقرا" للسلطة خدم تغييب ذكر القدس كعاصمة للدولة المعلقة على وعد عائم. وبالفعل أصبحت الإشارة منذ ذلك الوقت لرام الله كعاصمة للجانب الفلسطيني رديفا للإشارة للقدس كعاصمة لإسرائيل

وقد تعهد عباس في اتفاقيته تلك, بأن "يحظر" على السلطة الفلسطينية طوال تلك الفترة اتخاذ أي إجراء من طرف واحد يحول دون تطور المستوطنات (بعمومها ودون استثناءات للقدس أو غيرها) ديموغرافيا أو عمرانيا، والآن انتهت العشرون عاما كاملة وتبدت نوايا المتعاقدَين بأن عشش الاستيطان في كامل الضفة من القدس وحتى الأغوار. فماذا بقي من الضفة لم يُفصل عن سلطة عباس لتضم له غزة؟

الحقيقة أن غزة هي معضلة القضية الفلسطينية بقدر ما هي القدس, في مواجهة كل الحلول المطروحة دوليا وعربيا. ولا ندري ما هو المطلوب من عباس فيها, أو ما التزم به في شأنها غير ما نراه من خنقها.

فللقضية بعدان يحولان دون أي حل يرضى به الفلسطينيون وبالتالي العرب (لمن صدق في اشتراط حل يرضي الفلسطينيين) ويمكن إلزام إسرائيل به, وهما البعد الديني والديموغرافي. والأول معروف ومتداول بغزارة, ويتجسد في القدس التي للديانات الثلاث ارتباط بها ما يجعلها فعلا مدينة السماء على الأرض, فيما إسرائيل تريدها مهودة. وقبول كونها "عاصمة موحدة لإسرائيل" يعني إطلاق يد إسرائيل في إكمال تهويدها بالقضاء على تراثها الإسلامي (جار منذ عام 1967) والمسيحي.. والأخير أسهل وليس أصعب كما يُظن, حيث أمكن منذ زمن التمهيد له بتهويد المسيحية كديانة عبر طوائف مستجدة.

أما البعد الثاني -الديموغرافي- فلا يجري الحديث عنه صراحة كون إسرائيل تعمل عليه بطرق لا يمكن لها إعلانها, كونها تصل حد ترحيل شعب بأسره عن أرضه التاريخية. وهو أمر لا يمكن قبوله تحت أية ذريعة, وحتما ليس الذريعة الدينية, في عالم علماني. ففصل الدين عن الدولة في ثورات شعوب أوروبا قبل أكثر من قرنين يعتبر الإنجاز الأكبر الذي خرج بأوروبا من الحكم الثيوقراطي للحكم الديمقراطي.

وبعدها بقرن ونيف, توالت ثورات لشعوب أخرى على الاستعمار وعدد من الدكتاتوريات في صيغة ثورات شيوعية/اشتراكية كرست ذلك الفصل عن الثيوقراط من جهة, وعززت من جهة أخرى وعبر مناوأة أوروبا وأميركا للفكر الاشتراكي, الدعوات القومية, وأصبح شعار العالم الذي يقوده المعسكر الغربي حق "الأقوام" (بالمعنى العلمي أي الشعوب التي عاشت في منطقة بعينها لقرون متواصلة) في تقرير مصيرها.

وهنا لم يصمد زعم اليهود أنهم قوم طويلا. فمؤخرا كثرت الدراسات التي تبين أن اليهود الذين احتلوا فلسطين منتصف القرن الماضي ومن استوطنوها بعد ذلك, أغلبيتهم الساحقة ليسوا من "القوم" الذين كانوا يسكنون بلاد الشام قبل ثلاثة آلاف ودانوا بالديانة اليهودية.

بل إن ما يجري تغليبه في كتب تبنى على أبحاث علمية ووثائق تاريخية, أن يكون من يسمون "الفلسطينيين" الآن هم سلالة القوم الذين دانوا باليهودية, ثم تنصروا في غالبيتهم, ثم أسلموا في غالبيتهم أيضا, وهوما يفسر كون المسيحيين أقلية في بلاد الشام موطن المسيح.

ومن غادر البلاد من اليهود هم قلة من الدعاة والحاخامات, والمنطقة التي أتيح لهم نشر اليهودية فيها على نطاق واسع بحيث تحولت لدولة هي أوروبا الشرقية حيث قامت مملكة الخزر، أي إن غالبية اليهود المعاصرين هم من سلالة شرق أوروبية. فيما فلاحو فلسطين, أي الذين ملكوا وفلحوا أرضها متوارثينها لأجيال مغرقة في القدم, هم تحديدا من ترجح تلك الدراسات الأنثروبولوجية أن يكونوا الوثنيين أو أتباع اليهودية الذين تنصروا أو أسلموا فيما بعد. فالفلاح تحديدا لا يترك أرضه.

وأهم ما يميز هذه المؤلفات التي ظهرت مؤخرا (عرضت لها مفصلا في مقالة سابقة) أن مؤلفيها يهود, وجلهم من سكان إسرائيل, ولهذا تحديدا أمكنهم أن يتحدوا تهمة "معاداة السامية", ومؤلفاتهم دخلت قوائم الكتب الأكثر مبيعا في إسرائيل ذاتها. وهذا يسقط كليا مقولة "القومية اليهودية".
والأهم أنه لا يسقط فقط شرعية المطالبة بيهودية الدولة, بل ويثبت حق الفلسطينيين في العودة لأرضهم التي رحلوا عنها قسرا، وهذا لا يعني ترحيل غيرهم عن فلسطين, باستثناء ترحيل المستوطنين عن الأراضي المحتلة عام 1967.

مؤخرا كثرت الدراسات التي تبين أن اليهود الذين احتلوا فلسطين منتصف القرن الماضي ومن استوطنوها بعد ذلك, أغلبيتهم الساحقة ليسوا من "القوم" الذين كانوا يسكنون بلاد الشام قبل ثلاثة آلاف عام ودانوا بالديانة اليهودية

إن مشكلة إسرائيل "الديموغرافية" الأكبر تتمثل في قطاع غزة أكثر منها في الضفة, ولهذا انسحب شارون أحاديا منها. فغالبية سكان القطاع هم ممن رحلوا قسرا في حرب عام 1948، وإسرائيل لم تكن تضمر فقط توسيع أراضيها لأبعد مما أعطيته في قرار التقسيم عام 1947, بل كانت تهدف لطرد أكبر قدر ممكن من الفلسطينيين من المناطق التي أعطيت لها في ذلك القرار الجائر.

والمهجرون باتجاه الجنوب حلوا في قطاع غزة. والأرجح أنهم لم يلاحقوا لخارجها ومعهم أهل غزة, لكون الجبهة الأقوى عربيا كانت جبهة مصر(رغم قصة الأسلحة الفاسدة التي أدت لثورة الضباط الأحرار), فقامت في قطاع غزة ثمانية مخيمات كبرى وستة صغيرة للاجئين من بقية مناطق فلسطين، ويقارب عدد المسجلين منهم لدى الأونروا المليون ونصف المليون ويشكلون ثلاثة أرباع سكان غزة المليونين. أي إن في غزة وحدها "لاجئين" يقارب عددهم تعداد العرب داخل إسرائيل, يملكون حق العودة لمدنهم وقراهم الأصل.

وعدد هؤلاء يزداد بدرجة لن تجدي معها محاولات إبادتهم اليائسة, كما جرى العام المنصرم تحت اسم "عملية الجرف الصامد"، فقتل 260 غزيا ثلثهم أطفال وإصابة حوالي ألفين ألزم العالم بأن يصف ما قامت به إسرائيل بـ"الجريمة ضد الإنسانية".. فيما "اللاجئون" في غزة لم يقلوا, بل زادوا بما يزيد عن ثلاثين ألف لاجئ, كون الزيادة السنوية لسكان غزة لا تقل في السنوات الأخيرة عن خمسين ألفا.

ولا يمكن تجنيس هؤلاء بفرضهم على أية دولة عربية, فهم على أرض فلسطينية، ولا يمكن أيضا فرضهم على أية جهة خارجية لكون أعدادهم كبيرة ولافتة.

هذا الأمر يفتح سؤال غزة والضفة ولا يجيب عليه. ولكن في حال أعمرت غزة وأصبح لها ميناء يصلها بالعالم, فإن كنتونات عباس المعزولة (التي أنتجتها اتفاقاته التي وقعها بنفسه) هي الأرجح, وحتما الأحوج لأن تضم لغزة.. أقله نحن أمام خرائط ومعطيات غير تلك التي اختُلقت واستُنزفت منذ أوسلو ولم تخلف إلا دمارا للأرض وخنقا للبشر لم يقتصر على غزة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة