باكستان أمام تحديات جديدة   
الأربعاء 15/11/1432 هـ - الموافق 12/10/2011 م (آخر تحديث) الساعة 8:41 (مكة المكرمة)، 5:41 (غرينتش)
عبد الغفار عزيز
 
 
من أخطر التصريحات الأميركية وأشدها بالنسبة لباكستان منذ بدء الحرب في أفغانستان تلك التي أطلقها رئيس أركان الحرب مايكل مولن متهما باكستان بالتورط في الهجوم الإرهابي على السفارة الأميركية في كابل.
 
هذا الهجوم كان بعد يومين فقط من الذكرى السنوية العاشرة لأحداث 11/9، فهل التاريخ يعيد نفسه؟ وإذا كانت الاتهامات والتهديدات الأميركية بعد تلك الأحداث تمهيداً للحرب المدمرة في أفغانستان، فهل الاتهامات والتهديدات الأخيرة والمتتالية أيضاً تمهيد لحرب جديدة قد تتحول إلى حرب عالمية لا سمح الله؟ هذه الأسئلة وغيرها هي التي تشغل بال المسؤولين والشارع الباكستاني على حد سواء.
 
منذ أن قال الرئيس بوش قولته الشهيرة "إما معنا أو ضدنا ومن لم يكن معنا نعيده إلى العصر الحجري" اختار الدكتاتور السابق برويز مشرف أن يكون "معهم" وبرر قراره المشؤوم بأن باكستان لا يمكن أن تواجه قوة أميركا وتهديداتها. ثم سخر كل إمكانيات باكستان لخدمة العم سام وبدون أى مقابل سوى تصريحات وبيانات خاوية تشيد بالدكتاتور وبسياساته "الحكيمة".
 
تحالف باكستان مع أميركا لم يكن كأي تحالف آخر، لأن الهجوم الأميركي على أفغانستان كان يعتمد اعتماداً شبه كلي على الاستفادة من الأجواء والأراضي الباكستانية.

أكثر من 90% من التموينات للجيش الأميركي بدءا من الدبابات والمدافع والصواريخ إلى قوارير المياه والمناديل الورقية كانت وما زالت تعبر من الأراضي الباكستانية.
 
"
تحالف باكستان مع أميركا لم يكن كأي تحالف آخر لأن الهجوم الأميركي على أفغانستان كان يعتمد اعتماداً شبه كلي على الاستفادة من الأجواء والأراضي الباكستانية
"
كل المطارات الباكستانية المجاورة للأراضى الأفغانية سلمت للقوات الأميركية. جميع المناطق القبلية الباكستانية أصبحت مناطق مفتوحة للقوات الأميركية لتشن عليها ما تشاء من الغارات الجوية أو الهجمات الصاروخية.
 
سمح للاستخبارات الأميركية المختلفة أن تكون شبكاتها الخاصة بها في باكستان وفي جميع أنحاء الدولة. أصبح الكوماندوز والجواسيس الأميركان ينفذون عملياتهم دون أي تنسيق مع الاستخبارات الباكستانية، ولعل حادث إطلاق النار من قبل ريموند ديوس، أحد هؤلاء الجواسيس ليقتل شابين باكستانيين في عز النهار وفي وسط مدينة لاهور (ثانى أكبر المدن الباكستانية) يوضح مدى تغلغل وجرأة هؤلاء القوم.
 
ليس هذا فحسب بل أجبرت أميركا الجيش الباكستاني على تنفيذ عمليات عسكرية كبيرة على المناطق القبلية الباكستانية مثل سوات ووزيرستان والتي أدت إلى تشريد أكثر من 3.5 مليون مواطن باكستاني ليصبح لاجئا داخل وطنه ولا نتحدث هنا عن خسائر الأرواح والخسائر المادية الهائلة لهذه العمليات.
 
قامت القوى الأمنية الباكستانية ولا زالت تقوم باعتقال آلاف من المواطنين الباكستانيين ليسلم بعضهم إلى القوات الأميركية وليصبح الآخرون في عداد المفقودين. أما المعتقلون الأبرياء من غير الباكستانيين أمثال تيسير علوني و سامي الحاج فحدث ولا حرج.
إدعى الجنرال برويز مشرف ومن بعده آصف على زردارى أن كل ما تقوم به باكستان من العمليات العسكرية وكل ما تقدمه من التسهيلات و التعاون للقوات الأميركية ليس إلا من أجل المصلحة الوطنية. و أن باكستان لا تخوض حرباً أميركية بالوكالة كما تصفها الأوساط الإسلامية والوطنية في باكستان بل هي حرب باكستانية محضة ضد الإرهاب.
 
نظرة سريعة على بعض نتائج هذه الحرب توضح حقيقة هذه الادعاءات.
1- إن مجموع ما حصلت عليه باكستان من الإمدادات الأميركية "السخية" خلال عشر سنوات بلغ حوالي 20 مليار دولار ويشير التقرير الرسمي من رئيس المصرف الوطني الباكستاني إلى أن مجموع ما خسرته باكستان (ماديا فقط) في هذه الحرب يتجاوز 68 مليار دولار.
 
2- زعموا أن عدم التعاون مع الولايات المتحدة الأميركية سوف يعيدنا إلى العصر الحجري حسب وصف الرئيس بوش، والإحصائيات الأولية تشير إلى أن باكستان شهدت خلال عشر سنوات الحرب أكثر من 3486 عملية تفجير مدمرة إضافة إلى 285 تفجيراً انتحارياً كبيراً وحوالي ثلاثمائة غارة أميركية جوية بطائرات دون طيار.
 
3- الخسائر البشرية تجاوزت خمسة وثلاثين ألف قتيل باكستاني من بينهم أكثر من خمسة آلاف عنصر من قوى الأمن المختلفة.
 
"
مجموع ما حصلت عليه باكستان من الإمدادات الأميركية "السخية" خلال عشر سنوات بلغ حوالي عشرين مليار دولار لكن مجموع ما خسرته (ماديا فقط) في الحرب على ما يسمى بالإرهاب يتجاوز 68 مليار دولار
"
4- ظهرت عشرات المجموعات المسلحة في أنحاء مختلفة من البلاد ليعيثوا فيها الفساد وقال وزير الداخلية أمام جلسة مغلقة للبرلمان: "إن العديد من هذه المجموعات الإرهابية تتلقى أسلحة وأموالاً من خارج باكستان خاصة من الهند" وقال في تصريح آخر إن موجة القتل العشوائي التي تشهدها مدينة كراتشي يستخدم فيها السلاح الإسرائيلي.
 
5- الانفلات الأمني المريع أدى إلى الانهيار الاقتصادي الشامل فتوقفت عجلة المصانع وتعطلت الصادرات الاقتصادية وهبطت نسبة الناتج الوطني إلى أقل من 2% وهرب أصحاب رؤوس الأموال الأجانب بأموالهم لأن اسم باكستان أصبح مرادفا للإرهاب وانهارت العملة الباكستانية أمام الدولار فكان الدولار الواحد يساوى حوالي ستين روبية عام 2001 والآن أصبح تسعين روبية.
 
6- أصبح أكثر من 75% من السكان تحت خط الفقر (دخلهم أقل من دولارين يومياً) كما أصبحت الأعباء الاقتصادية لا يطيقها حتى ميسوروا الحال. تضاعفت الأسعار للمتطلبات اليومية أربعة أضعاف وانقطاع التيار الكهربائي تجاوز 15 ساعة في اليوم الواحد حتى في المدن الرئيسة والقائمة تطول.
 
7- شجعت الولايات المتحدة الأميركية بطرق مباشرة وغير مباشرة، العديد من المجموعات العرقية وأثارت فيها النزعات الانفصالية لتمزيق أوصال الوحدة الوطنية. المجموعات الانفصالية في ولاية بلوشستان بدأت تفرض قراراتها على كثير من المناطق إلى درجة منع السلام الوطني في المدارس وإنزال العلم الوطني من المكاتب الرسمية.
 
تشهد مدينة كراتشي -التي هي أكبر المدن الباكستانية وتعتبر الحبل الوريدي للاقتصاد الباكستاني- موجة من القتل العشوائي لم يسبق لها مثيل. وليعرف القارئ خطورة الأمر إليه طرف من المؤتمر الصحفي الصارخ الذي عقده ذو الفقار ميرزا وزير الداخلية السابق لولاية السند وزوج رئيسة البرلمان الحالي وأحد أقرب وأخلص أصدقاء الرئيس زرداري.
 
قال ميرزا وهو يحمل مصحفاً على رأسه (أغلظ الأيمان حسب التقاليد) إن زعيم الحزب الطائفي المهاجر في كراتشي ألطاف حسين قال له ولغيره من قادة الحزب الحاكم إن أميركا تريد تفكيك باكستان ولقد قرر هو (أي ألطاف) أن يقف مع أميركا في تحقيق هذا الهدف، لذلك لن يتوقف عن قتل وتصفية طائفة البشتون في كراتشي.
 
من المعلوم أن حزب (إم كيو إم) بزعامة ألطاف حسين يفرض سيطرته على المدينة بفوهة البندقية، ورغم مرور أكثر من شهر على هذا المؤتمر الصحفي الشهير، لم يأت النفي المطلوب من حزب ألطاف الذي ينهب ساعات طوال من التغطية الإعلامية اليومية معتمداً على الرصاص والرشاش.
 
وليعرف القراء فداحة جرائم القتل وإراقة الدماء في مدينة كراتشى نذكر التقرير الأمني الذي قدمته الجهات الأمنية أمام المحكمة العليا عندما أمرت المحكمة بفتح الملف الأمني للمدينة. ذكر التقرير أن عدد القتلى المدنيين برصاصات المجهولين في كراتشي عام 2001 كان 273 قتيلا، ارتفع الرقم عام 2010 إلى 778 قتيل أما عدد القتلى في ثمانية الأشهر الأولى فقط من العام الجاري فبلغ 1400 قتيل.
 
وأمام كل هذه العمليات الإجرامية لا ترى الحكومة من مسؤوليتها سوى أن تعلن عدد القتلى وأن القتلة مجهولون. وهذا يعنى أن الحكومة غير معنية بإجراء التحقيقات أو اعتقال المجرمين حتى وإن كانوا معروفين لدى السلطات. فأجمل بهاري على سبيل المثال قاتل معروف، اعترف بأنه قد قتل مائة وعشرة أشخاص لكن لا أحد يتجرأ على معاقبته لأنه عضو في حزب إم كيو إم المتحالف مع الحزب الحاكم.
 
"
مشرف عمل على التضييق على المدارس الدينية والتعليم الديني وتغيير المناهج التعليمية وحذف المواد الدينية منها وتشجيع الفحش والمجون في الأوساط الشبابية بل وفي الثكنات العسكرية
"
8- لعل أخطر ما تضررت منه باكستان بدخولها في الحرب الأميركية أن أميركا فرضت عليها أجندتها الثقافية والتعليمية المدمرة. قام برويز مشرف بتنفيذ كل ما أملي عليه في هذا الصدد خاصة لأن الاملاءات وافقت هواه أيضاً. وتصريحه بأنه يعتبر كمال أتاتورك مثالاً يحتذى به خير ما يلقي الضوء على شخصيته. حيث عمل على التضييق على المدارس الدينية والتعليم الديني في باكستان وتغيير المناهج التعليمية وحذف المواد الدينية منها وتشجيع الفحش والمجون في الأوساط الشبابية بل وفي الثكنات العسكرية وهذه ليست إلا بعض مظاهر هذه الاملاءات.
 
لم ينته الغزو الثقافي الشامل بانتهاء حكم برويز مشرف بل ازداد ازدياداً مطرداً. وها هي السفارة الأميركية في إسلام آباد أقامت حفلا شبابيا قبل حوالي ثلاثة أشهر، لم تدع إليه إلا من يمارس عمل قوم لوط. وتبجح مسؤول "رفيع" المستوى أنه استضاف في الحفل ثمانية وسبعين شاباً وشابة من المثليين ليضمن ويؤكد على حقوقهم في المجتمع.
 
ماذا بعد؟
الحديث عن "مكتسبات" باكستان من الحرب الأميركية يطول لكن ما تشهده الساحة حالياً من التطورات المتسارعة خطير وجدير بالدراسة والمراقبة. الاتهامات الأميركية الأخيرة بأن باكستان تقف وراء هجوم طالبان على السفارة الأميركية في كابل ليس الأول من نوعه، فالشريط المشابه كثيراً ما يتكرر، خاصة في وسائل الإعلام الأميركية لكن الجديد هو ما تشهده المنطقة من التطورات النوعية. تتلخص هذه التطورات في النقاط الآتية:
 
1- فشلت الإستراتيجية الأمنية الأميركية في أفغانستان فشلاً ذريعا. فلا نفعها إعلان الانسحاب من أفغانستان ولا أفادتها زيادة عدد قواتها هناك وحبل الخسائر العسكرية والمادية على الجرار.
 
2- هناك تخبط واضح في السياسة الأميركية في أفغانستان فهي تشن هجمات عسكرية ضد قادة طالبان من ناحية وتبذل جهوداً مستميتة لإجراء حوار معهم من ناحية أخرى.
 
3- هناك توتر واضح وشديد بين القيادة العسكرية الأميركية والباكستانية فهما حليفان إستراتيجيان أساسيان في الحرب الأميركية لكنهما يتبادلان الاتهامات الخطيرة بينهما خاصة منذ مقتل أسامة بن لادن في إبت آباد الباكستانية.
 
4- الاتهامات الأميركية للاستخبارات الباكستانية بأنها وراء الهجوم على السفارة الأميركية في كابل ووراء اغتيال الأستاذ برهان الدين ربانى وأنها تدعم وتؤوي شبكة جلال الدين حقاني وأنها لو استمرت في هذه السياسة وتأخرت في شن الهجوم على أفراد حقاني فإن الولايات المتحدة الأميركية تتولى بنفسها مثل هذا الهجوم، فسرت هذه الاتهامات في باكستان وفهمت بأنها إشارة خطيرة لبدء الهجوم الأميركي المباشر على الأراضي الباكستانية.
 
5- أول ردود الأفعال الكبيرة والرئيسة في هذا الصدد كان من قبل الصين حيث قام نائب رئيس الوزراء الصيني بزيارة عاجلة لباكستان وأعلن أن الصين سوف تعتبر أى عدوان على باكستان عدوانا على الصين وهذا يعنى بوضوح أن أية مغامرة أميركية لشن الهجوم على باكستان لن تبقى محصورة بين البلدين.
 
6- أرسلت السعودية كبار مسؤوليها الأمنيين لزيارة خاطفة لباكستان وإن كانت باكستان لم تعلن كثيراً من تفاصيل الزيارة.
 
7- من الناحية الأخرى قام حامد كرزاي بزيارة مفاجئة للهند ووقعت الهند وأفغانستان اتفاقية إستراتيجية لزيادة التعاون الأمني والعسكري والتجاري بينهما. وهنا تجدر الإشارة إلى أن للهند بصماتها الواضحة في تكوين وتدريب الجيش الأفغاني. منذ الاحتلال الأميركي لأفغانستان.
 
ويعتبر المحللون الاتفاقية الإستراتيجية الأخيرة رسالة أميركية أخرى لباكستان. علماً بأن أميركا كانت قد هددت باكستان عام 2001 بأنها لو لم تقف معها في حرب أفغانستان فإنها سوف تشن هذه الحرب من حدودها الغربية أي من الأراضي الهندية ومن ثم تصبح باكستان بين قطبي الرحى.
 
"
عشر سنوات من استخدام معظم أنواع القوة في أفغانستان وباكستان أوصلت أميركا ودول المنطقة إلى شفا الانهيار والدمار الشامل
"
والسؤال هنا: هل الاتفاقية الأفغانية الهندية الأخيرة أعادت الأمور إلى نقطة الصفر والتي كانت عليها عام 2001؟
 
إن سياسة لي الذراع الأميركية مستمرة ويبدو أنها تتصاعد وتهدأ بين الحين والآخر لكن على الطرفين أن يفهما أنه قد حان الأوان لإعادة النظر في سياسة الحرب واستخدام القوة. إن عشر سنوات من استخدام معظم أنواع القوة في أفغانستان وباكستان قد أوصلت أميركا ودول المنطقة إلى شفا الانهيار والدمار الشامل.
 
يجب أن تفهم الإدارات الأميركية المتتالية أنه لا طريق للنجاة سوى الانسحاب من أفغانستان والتي يفتخر شعبها بأنها "قبرستان" (أي مقبرة) لقوى الاحتلال.
 
على الإدارة الأميركية وعلى الناخب الأميركي أن يدرك أن تصريحات الاستمرار في الحرب أو الانسحاب والتي لا تستهدف سوى الاستهلاك المحلي ولا تتجاوز أهميتها سوى كونها وقوداً للانتخابات الأميركية تعقد الأوضاع على أرض الواقع وتعرض حياة الملايين من الشعوب والجنود لخطر الإبادة.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة