برنامج تسليح العشائر.. الأجر مقابل العنف   
الثلاثاء 29/12/1428 هـ - الموافق 8/1/2008 م (آخر تحديث) الساعة 14:07 (مكة المكرمة)، 11:07 (غرينتش)
فاضل الربيعي


تثير "مجالس الصحوة" اليوم الكثير من النقاش الصاخب بين العراقيين الذين انقسموا حول الموقف منها بين مرحب ومعارض، لا في أوساط السياسيين وحسب، وإنما كذلك في أوساط العامة من الناس، وهم جميعا -رغم المزاعم والتقولات-لا يبدون واثقين تماما من حقيقة نجاحها في فرض الأمن والهدوء داخل العاصمة وبعض المحافظات.

"
استهداف المقاومة لرجال الصحوة يندرج ضمن برنامج إستراتيجي لتفكيك مؤسسات وأدوات الاحتلال قبل رحيله
"
هذا النقاش الذي تتردد أصداؤه في تصريحات بعض أقطاب الحكم ومعارضيهم داخل وخارج العراق، يدل على أن ما يدعى بالنجاح على الصعيد الأمني، لم يؤد تلقائيا إلى حدوث اختراق حقيقي في المزاج الشعبي، ولا في مستوى ودرجة الإحساس بوجود "تقدم حقيقي" على مستوى الاستقرار السياسي والاجتماعي، لأن الشكوك والمخاوف لا تزال تسيطر على غالبية السكان، حتى مع اعترافهم بوجود "نوع من التحسن في الأوضاع الأمنية بفضل قوات الصحوة".

وقد يكون العراقيون بحاجة إلى تعريف دقيق لمعنى الاستقرار ومعنى التحسن قبل الانخراط في هذا النقاش، لأن الأميركيين أنفسهم يصفونه بأنه هش.

ويبدو أن الخلاف الذي نشب مؤخرا بين الحكومة والأميركيين بشأن مسألة دمج قوات الصحوة في أجهزة الأمن والشرطة يكاد يتركز في النقطة التالية، هل ينبغي السماح بنشوء "قوة ثالثة" إلى جانب الجيش والشرطة وما هي وظيفتها؟ من الناحية الإجرائية شكلت مجالس الصحوة قوة ثالثة بالفعل، وذلك بفضل العدد الهائل من المقاتلين الذين انضموا إليها.

والأميركيون من جانبهم يضغطون دون توقف من أجل فرضها كقوة عسكرية، ويروجون "قابلية" دمجها في أجهزة الجيش والشرطة.

هذا ما عبر عنه السفير الأميركي كروكر حين دعا مؤخرا إلى استيعاب المجالس ضمن الأجهزة العسكرية الحكومية، وأن يتم التكفل بصرف رواتبهم، بينما رد عليه زعيم المجلس الإسلامي الأعلى عبد العزيز الحكيم بأنه "من الممكن دمج 20% منهم فقط".

أما المالكي فذهب أبعد من حليفه الحكيم في السجال مع الجانب الأميركي، حين رفض رفضا قاطعا الاعتراف بأي دور لمجالس الصحوة، إلا ضمن إشراف الحكومة المباشر.

أما المقاومة العراقية التي دخلت على خط النقاش، فردت على طريقتها بتصعيد العمليات التي تستهدف أفراد ودوريات الصحوة في كل مكان.

"
واضعو برنامج "تسليح العشائر" ربطوا ربطا وثيقا بين حاجة الشباب العراقي في المدن والأرياف إلى فرص عمل، وبين إمكانية إعطائهم مالا لقاء القتال، مما يعني أن ممارسة العنف أضحت نوعا من "الوظائف" الرائجة والمنتشرة في العراق
"
وفي هذا السياق يجب أن يُلاحظ أن استهداف المقاومة لرجال الصحوة يندرج هو الآخر، ضمن برنامج إستراتيجي "لتفكيك مؤسسات وأدوات الاحتلال قبل رحيله".

ومع ذلك كله، لا يبدو حتى الآن أن الذين انخرطوا في النقاش حول مخاطر ومنافع الصحوات، يدركون بعمق خطورة ما يجري من حولهم.

إن طبيعة البرنامج الأميركي "لتسليح العشائر" وليس "تشكيل المجالس" هو الذي يجب أن يثير القلق، ذلك أن هذه المجالس ليست ولم تكن سوى عنصر واحد في برنامج يستهدف تجنيد وامتصاص كل القوة الشبابية الفائضة في المجتمع العراقي، وهي قوة لا تزال خارج سوق العمل، بل وخارج الشرط الإنساني حيث "العيش بأقل دخل ممكن".

ولأنها قوة اجتماعية تعاني من ضغط الأوضاع المعيشية المزرية، حيث البطالة تصل إلى أعلى معدلاتها في العالم (نحو 70%) فقد كان طبيعيا أن تتسرب -تحت هذا الضغط- باتجاه الإطار الجديد، بأمل أن يكفل لها إمكانية تحسين شرطها الإنساني للعيش "بأعلى أجر ممكن".

لقد ربط واضعو برنامج "تسليح العشائر" ربطا وثيقا بين حاجة الشباب العراقي في المدن والأرياف إلى فرص عمل وبين إمكانية إعطائهم "مالا لقاء القتال".

وهذا يعني أن ممارسة العنف تحت أي ستار أو غطاء أضحى نوعا من "الوظائف" الرائجة والمنتشرة في العراق، وذلك ما يمكن البرهنة عليه من خلال تحليل موضوعي لطبيعة الوظيفة التي يحصل عليها العاطل عن العمل.

فهي وظيفة تقتصر على الاستعداد لحمل السلاح والقدرة على إطلاق النار، وببساطة ممارسة العنف ميدانيا ولكن بطريقة شرعية.

وبكل تأكيد فإن تحليل هذا النوع من الوظائف تحليلا موضوعيا ونزيها يجب أن يتجنب أي تمييز بين "أنماط العنف" لأن العنف في نهاية المطاف هو العنف، مهما كان شكله ومبرراته وأهدافه، وسواء أكان ضد القاعدة والإرهاب أم ضد المليشيات أم ضد آخرين مجهولين، يُزعم أنهم يزعزعون الاستقرار في البلاد.

"
برنامج الصحوات هو أكبر عملية لعسْكرة المجتمع العراقي، وستكون له نتائج مفزعة على المدى البعيد، لأنه سينقل المجتمع بأسره من مجتمع أعزل إلى مجتمع مسلح بالكامل لا يجد من سبيل أمامه لتصريف فائض القوة سوى ممارسة "العنف لقاء الأجر" دون تردد
"
هذا الترابط بين الأجر والعمل، وتزايد فرص وإمكانية حصول أي فرد راغب في هذا النوع من الوظائف على ثلاثمائة إلى ثمانمائة دولار شهريا، مقابل انخراطه في "القتال ضد القاعدة" هو في حقيقته لب وجوهر البرنامج الأميركي لتسليح العشائر.

وليس من قبيل التكهن أن يُقال إن هدفه المباشر، هو تحويل القوة الشبابية في هذا البلد إلى "قوة مرتزقة محلية" قابلة لأن تحل تدريجيا ومع الوقت محل "القوة المستوردة" من المرتزقة الأجانب.

والمثير للاهتمام أن الذين ينخرطون هذه الأيام وبكثافة في المجالس، سرعان ما يجري تثقيفهم بمهمتهم الحقيقية، فالقتال لا يجري فقط ضد "القاعدة" بل وضد كل "من يستهدف الأميركيين".

وهذه واحدة من القواعد المتينة لتأسيس ثقافة "المرتزقة المحليين" الذين يتلقون الأجور لقاء خدمة الاحتلال، وهي ثقافة شاذة وغريبة على تقاليد مجتمع فلاحي تلعب فيه قيم الوطنية والشعور بالعار دورا حاسما.

لقد أطلق الأميركيون عبر هذا البرنامج أكبر عملية لعسْكرة المجتمع العراقي، وهي عملية ستكون لها نتائج مفزعة على المدى البعيد، لأنها تعيد نقل المجتمع بأسره، من مجتمع أعزل يقاتل بعض أفراده المسلحين أفرادا آخرين مسلحين أيضا، إلى مجتمع مسلح بالكامل، لا يجد من سبيل أمامه لتصريف "فائض القوة" سوى ممارسة "العنف لقاء الأجر" دون تردد.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة