سلفاكير في إسرائيل.. الوجه الآخر للسخف   
الخميس 1433/2/11 هـ - الموافق 5/1/2012 م (آخر تحديث) الساعة 8:38 (مكة المكرمة)، 5:38 (غرينتش)
عبد الله علي إبراهيم

كشفت زيارة سلفاكير رئيس دولة جنوب السودان، لإسرائيل في 21 ديسمبر/كانون الأول الماضي سوءة فكر السياسة السودانية وممارستها. فلا أدري ما الذي جدَّ بالزيارة الذي سوغ لوزارة الخارجية الذعر منها لتراها "مدعاة لزيادة التآمر على السودان" وتأكيد عزمها دراسة مترتباتها على أمن البلاد.
 
وكذلك ما حدا بالقوات المسلحة أن تنتهزها (وملابسات حرب أخرى لها مع حركة العدل والمساواة الدارفورية) لتؤكد أنها اتخذت كافة التدابير احتياطًا لمخططات إسرائيل. ولو اعتصمت الحكومة برباطة الجأش لما ارتعبت أوصالها من تلك الزيارة التي تمت في رابعة النهار بينما كان عهدنا بها قبل استقلال جنوب السودان أن تتم خلسة واضحة ومنكورة. ووددت لو سارع علي كرتي وزير الخارجية، بتصريحه اللاحق الذي استثقل فيه الزيارة ولم ير فيها بدعة.
 
"
توجس الحكومة السودانية من زيارة سلفاكير لإسرائيل من "لزوم ما لا يلزم" علاوة على أنه وصاية نكراء بحق دولة تمارس سيادتها وإن بصورة ذميمة
"
لم تأت الزيارة بجديد عن رسوخ العلاقة بين إسرائيل والحركة القومية الجنوبية لم تعلم به الحكومة من قبل علمًا ظلت تروج له بيننا إلى حد الإملال. وعليه فتوجس الحكومة من الزيارة من "لزوم ما لا يلزم" علاوة على أنه وصاية نكراء بحق دولة تمارس سيادتها وإن بصورة ذميمة.
 
وكأن الحكومة تقبل بالعلاقة بين إسرائيل وجنوب السودان دون زيارة رئيس أيّ من البلدين للبلد الآخر. ولربما كان جديد الزيارة الوحيد في قول عادل الباز، رئيس تحرير جريدة الأحداث، هو الاعتراف علنا من القوميين الجنوبيين بخدمات إسرائيلية لهم طويلة في حربهم ضد حكومة الخرطوم. وهي خدمات تركوا للشماليين في الحركة بالذات إنكارها. وكان آخر المنكرين لها ياسر عرمان، أمين قطاع الشمال بالحركة الشعبية، الذي نفى ما تواتر عن زيارته هو نفسه لإسرائيل قبل أسابيع. وجدد تأكيد أن لا أحد من الحركة الشعبية زار إسرائيل في السابق واقتصرت زيارة قادتها على مصر. وكذَّب الماء الغطاس.

كشفت الزيارة من الجهة الأخرى، عوار المعارضة لدولة الإنقاذ. فقد أذهل تطاول تلك المعارضة لنحو ربع قرن من الزمان أهلها عن قضية الحرية التي هي مسألتهم أو ينبغي لها أن تكون. فقد اتفق لهم، وقد أنهكتهم حكومة الإنقاذ إنهاكا، أن قضية فلسطين قضية "إسلاموعروبية"، في مصطلحهم المعتاد، وأن الإنقاذ هي وكيلها الحصري في السودان. فصار الكيد للإنقاذ عن طريق التبذل في القضية الفلسطينية والترخص في مستحقاتها واحدًا من أبوابهم المشرعة في معارضة حكومة البشير.
 
ففتحت حركة تحرير دارفور مكتبًا لها بالدولة العبرية وتفضل عبد الواحد نور زعيمها، بزيارته. ولم ير خليل إبراهيم، زعيم العدل والمساواة، بأسًا في التعاطي مع إسرائيل لأن اليهود كتابيون. ونشأت منظمة للصداقة السودانية الإسرائيلية زارت ناشطة فيها إسرائيل منذ أسابيع. كما احتفلت رابطة شعب الفور بإسرائيل بذكرى تأسيس سلطنة الفور التي قامت في القرن الخامس عشر. فجعلوا من المعارضة، وهي نبل محض في طِلاب الحرية وذوق لها، إغاظة طفولية. وصاروا مثل فقير شاعرنا التجاني يوسف بشير (1901-1937) هان (أو أهين) حتى "تواضع في نفسه كل معنى رفيع".  

يحول لين ركب السياسي السوداني (والعربي متى تعلق الأمر بالمخافة من إسرائيل على السودان) دون تحليل الوقائع الإسرائيلية في غير مصطلح التآمر من موقع قوة ومضاء. فبينما كنا نتحسب في تحليلنا لزيارة سلفاكير للعتو الإسرائيلي كان شأن إسرائيل من الزيارة أهون. فكل بلاغ إسرائيلي عنها اقتصر على متاعب إسرائيل من الهجرة الأفريقية إليها ورغبتها في حمل سلفاكير لرد 2000 متسلل سوداني جنوبي من أصل 8500 سودانيا بالقديم.
 
وربما كان هذا السبب المعلن للزيارة ذرًّا للرماد في العيون ولكنه، كشاغل، مما يكشف عن سوءة إسرائيل المنهجية بأفضل من إلحاحنا على سوء مقاصد الزيارة من إيذاء للعرب عن طريق السودان. فضيق إسرائيل بالأفارقة في أصل عقيدتها العنصرية كوطن خالص لليهود. وهو ضيق حقيقي حمله المتطرفون اليهود إلى الشارع، ونفذ بضغطهم عبر تشريعات تحمي الدولة من توافد "المتسللين، (وهو مصطلح الدولة العبرية) الأفارقة".
 
تمثل تعبير الشارع عن كراهة المتطرفة لهجرة الأفارقة في المظاهرات الأخيرة في جنوب تل أبيب ضد توطين الأفارقة التي قادها باروس مارزل ورعاها مايكل بن آري عضو الكنيست عن الاتحاد الوطني. وكان هتافهم: "نتنياهو رغايّ ولن تكون حقوق الإنسان على حسابنا". ونظم أنصار حقوق الإنسان حشدًا مضادًا للمتطرفين هتف: "كنتم لأمسكم لاجئين بالآفاق وصرتم ليومكم متعصبين عرقيين".
 
ولو لم يكن شأن إسرائيل عندنا أشبه بالكابوس لحلبنا مغازي شعار النصراء اليهود لحقوق الإنسان في شغلنا الدائب (أو المفروض أن يكون) لحمل العالم على الثبات على دمغه لإسرائيل بالعنصرية في قرار سبق للأمم المتحدة. ولم يخف المسؤولون الإسرائيليون عنصريتهم في حرصهم على نقاء الدولة العبرية المزعوم. فنتنياهو رئيس الوزراء، رأى في التدفق الأفريقي تهديدًا لاقتصاد إسرائيل وأمنها المجتمعي ونسيجها الديمغرافي.
 
وقال ألاي بشاي، وزير الداخلية، إنه لابد من تأمين مستقبل إسرائيل بوصفها وطنًا خالصًا لليهود. وقال آخر إنه منزعج لمصير الأغلبية اليهودية في إسرائيل ومشفق أن تصير إسرائيل ملاذًا لأي طارئ من أفريقيا. وسمى آخر إعادة هؤلاء اللاجئين-المتسللين "فعلاً صهيونيًّا" واجبًًا
 
"
انزعاج إسرائيل القوي من الوافدين الأفارقة حق لا مراء فيه. كما أنها وصفت وفود الأفارقة إليها بأنها "مشكلة وطنية", ولها إحصائيات دقيقة عن هذا التقحم الأفريقي لها
"
وانزعاج إسرائيل القوي من الوافدين الأفارقة حق لا مراء فيه. فقد كان الشاغل المقدم لديني دانون عضو الكنيست عن الليكود ورئيس لجنة الهجرة به، الذي بعثوا به لتمتين علائق جنوب السودان بإسرائيل بعد اعتراف الأخيرة بالأولى، هو ترتيب استرداد جنوب السودان لمتسلليه أو لاجئيه. وطلب سلفاكير منه أن يؤهلوهم ليعودوا وتنتفع بهم بلادهم. وليس مصادفة أن عينت الحكومة الإسرائيلية دانون نفسه مرافقًا رئاسيًّا لسلفاكير خلال زيارته، موضوع نظرنا.
 
إسرائيل نفسها وصفت وفود الأفارقة إليها بأنها "مشكلة وطنية". ولها إحصائيات دقيقة عن هذا التقحم الأفريقي لها. فالمتسللون بلغوا من 400 إلى 550 في الشهر. وشهد شهر أغسطس/آب الماضي تسلل 2000 منهم. بل تسلل ذات ثلاثاء 111 منهم. وخشي عضو بالكنيست من تسلل 50 ألفا بنهاية 2012 مما يجعل نسبة الأفارقة غير الشرعيين 10% من سكان البلد. 
 
وكان حظ تل أبيب منهم حظًّا شقيا. وهذا ما دفع رون هلداي عمدة تل أبيب، ليطلب من نتنياهو أن يعقد جلسة لمجلس الوزراء لمناقشة الوفود من أفريقيا. فسكان مدينته قد ذاقوا الأمرين منه. فبين ظهرانيهم يقيم 40 ألف متسلل و20 ألف طالب لجوء بينهم 3 آلاف طفل. ووصف مدينته التي تحمل عبء هذا الفيض البشري بأنها كحامل صخرة سيزيف الأسطورية.
 
فقد عاقبت الآلهة الإغريقية سيزيف لسرقته النار من عرينها لينتفع بها البشر. وقضت أن يحمل صخرة إلى أعلى جبل ثم يتركها تتدحرج منه فيعيد رفعها إلى قمة الجبل وهكذا دواليك. 
 
من الجهة الأخرى كانت إسرائيل قد بدأت بالفعل التشريع قبل التظاهرات لوقف الهجرة الأفريقية. فقررت بناء سور على حدودها الجنوبية مع مصر سيكون طوله 215 كيلومترًا وعلوه خمسة أمتار وهو مطعم بكاميرات ترصد دبيب النمل. والشكوى حاليا هي بطء الحكومة في تشييده.
 
وكان نتنياهو قد زار الجدار العازل عند ثغر إيلات وأمَّن على اتصال الجهود لإكماله. وبجانب السد تقوم الدولة ببناء معسكر للتحفظ على المتسللين تأخر بناؤه أيضا. ويسع المعسكر ثمانية آلاف متسلل يبقون فيه ثلاث سنوات. وكان التحفظ قبلاً 60 يوما. وتقوم ببناء الحائط وزارة الدفاع. وأدى بطء التشييد إلى تسلل 50 ألف أفريقي جديد. ووصفت منظمات حقوق الإنسان المعسكر بأنه سجن بالمعنى الدقيق للكلمة.
 
ولإبداء الجدية في أمر وقف التدفق الأفريقي ولإصمات الناقدين لبط إجراءاتهما تواثقت الحكومة على جملة اقتراحات متشددة ستحملها للكنيست منها أن يغرم أصحاب الأعمال، ممن يشغلون عمالاً غير شرعيين، 20 ألف دولار. وستغلق محالهم إن تمادوا. وسيزيد القانون المقترح فترة التحفظ على المتسللين من 60 يوما إلى ثلاث سنوات كما مر.
 
وستتحمل وزارت الدولة ومصالحها كلفة مترتبات القانون باقتطاع جزء من مواردها لهذا الغرض. فوزارة الدفاع مثلاً ستدفع للغرض 80 مليون دولارا. وسيتوج نتنياهو هذه الجهود العازلة للأفارقة بزيارة للقارة لمناقشة تسلل أهلها إلى بلده الذي وصفه بأنه عدوى للاقتصاد والمجتمع الإسرائيلي وأمنه الداخلي.
 
وصف سلفاكير زيارته لإسرائيل بأنها زيارة لـ"أرض الميعاد". وواضح أنها أرض ميعاد انتقائي إقصائي تكتنفه الأسوار من جوانبه جمعاء: أبراره في عليين وأشراره من فلسطينيين وأفارقة في أسفل سافلين.
 
"
وصف سلفاكير زيارته لإسرائيل بأنها زيارة لـ"أرض الميعاد". وواضح أنها أرض ميعاد انتقائي إقصائي تكتنفه الأسوار من جوانبه جمعاء: أبراره في عليين وأشراره من فلسطينيين وأفارقة في أسفل سافلين
"
وسواء صح القول عن سبب زيارة سلفاكير المعلن رسميا أو لم يصح فإن مفاده أنه جاء ليأخذ بعض أولئك الأشرار من شعبه من "أرض الميعاد" إلى وطنهم الأول. وهذه "عتالة" من الدرك الأسفل لرأس دولة رفع بعض شعبها علم إسرائيل في احتفالها بيوم استقلالها تكريمًا منها لدولة "الأخ الأكبر" في قول المسؤول في جنوب السودان دانيل أكوت.
 
ولم يكن رد هذا الأخ الأكبر بـ"الأعلام" بأفضل منه. فخلال تظاهرة الإسرائيليين ضد التدفق الأفريقي حملوا الأعلام الحمراء كناية عن خط أحمر في وجه التسلل. وبثوا تلك الأعلام على طول المدينة وعرضها في حملة سموها "لنحمي دورنا" من المتسللين. واتهم موظفو الأمم المتحدة الدولة العبرية بأنها هي التي مولت هذه الحملة المعادية للأفارقة. وقال خلالها إسرائيلي من أصول مراكشية فرنسية لصحفي إنه ينبغي أن نلقي بالأفارقة خارج إسرائيل ناسيًا أن بعضه أفريقي. ولا أعرف من أفحم هذا الهراء عن دولة الميعاد من أفريقي قال لأحد المتظاهرين ضد الأفارقة: "ما الفرق. أظنك جئت من روسيا أو غيرها".
 
زيارة سلفاكير لإسرائيل وعباراته السخيفة في تصديق مزاعمها المقدسة ونجاحها في مساعيها لا تصدر إلا ممن كان نضاله الطويل المقدر لأجل كرامة أهله واستحقاقهم مجرد سقم: ومدفوع إلى السقم السقيم.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة