العرب لا يقرؤون   
الأحد 1425/8/18 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)

* بقلم/ مريم بنت زيدون

- الأبناء يهدمون ما بناه الأجداد
- الأسباب المعلنة
- الحلول المقترحة

"العرب لا يقرؤون".. مقولة شهيرة قالها أحد أعداء العرب يوما لكنها تصدق اليوم أكثر من أي وقت مضى حيث يدخلون الألفية الثالثة في الأذيال من الناحية المعرفية بعد أن فجروا الثورة الثقافية نهاية الألفية الأولى وبداية الثانية، ويثار البحث عن الأسباب والمسببات ويتم الحديث عن مشاكل القراءة أو ما يعرف بأزمة الكتاب.

وبينما تتجه أصابع الاتهام إلى عدد الأميين الذي يقارب 75 مليونا، فإن الباحثين والمفكرين والكتاب المهتمين بهذا الشأن يستعرضون قائمة طويلة من الأسباب التي تقف حسب اجتهاداتهم وراء عزوف غير الأميين عن القراءة، ويخوضون في حلول تتناسى الكثير من معطيات الواقع، فكيف هدم الأبناء ما بناه الأجداد؟ وما هي الأسباب المعلنة لهذا الوضع؟ وهل الحلول المقترحة قابلة للتنفيذ؟


تقارير التنمية الصادرة عن الأمم المتحدة تذكر أن ما طبع من كتب إسبانية خلال عام واحد يوازي ما طبع من كتب عربية منذ عهد الخليفة الأمين إلى يومنا الحاضر
الأبناء يهدمون ما بناه الأجداد

البحث عن أسباب أزمة الكتاب يجر المهتمين في كثير من الأحيان إلى استرجاع الماضي، ورغم أن الأمر يحمل نوعا من الحنين ويجعل الحديث أقرب ما يكون لـ"كان يا ما كان"، فإن المقارنة الواردة في طياته تبدو من الوضوح بحيث لا يغني عنها بديل.

لقد بلغت حركة التأليف والنشر والترجمة أيام العباسيين حدا جعلها تتصدر السيرة الذاتية لمجد الحضارة العربية، وسواء كانت الأسباب التي دعت العباسيين إلى تلك الثورة سياسية تتعلق بإثبات أحقيتهم في الاحتفاظ بالخلافة التي كان من المفروض أن يسلموها -لآل البيت- بعد زوال الأمويين كما يقول البعض، أو كانت لأسباب إصلاحية بحتة فإن نتيجتها كانت عظيمة وقيمتها كانت كبيرة حيث خلقت جوا من السيادة المطلقة للعلم والمعرفة حول الأمة إلى درجة لم يسبق لها مثيل من الولوع بمطالعة الكتب واقتنائها.

وقد استمر ذلك لعدة قرون كانت كافية لنشر هذه الظاهرة التي انتقلت شرارتها أيام الأندلس مشكلة بذرة كل ما يرفل فيه الغرب اليوم من علم ومعرفة.

لقد أنشأ الخليفة هارون الرشيد "مكتبة بيت الحكمة" التي حوت آلاف الكتب والتي جمعت بكل الطرق المتوفرة آنذاك، وجاء المأمون ليدخل الترجمة ويرسل الوفود لجمع تراث الإنسانية ونقله إلي بغداد وترجمته، وغصت المكتبات بمئات الآلاف من المجلدات، وعكف عشرات الموظفين على تنظيمها وفهرستها ليسهل على المطالع الحصول على مراده بشكل سهل ويسير.

ولم تلبث هذه الظاهرة أن أصبحت موضة للأغنياء والمترفين فلم يبق بيت إلا تحولت جدرانه إلى رفوف تحمل أصناف الكتب من أدب وفلسفة وعلوم وطب.

أما العربي العادي فقد سعى وراء العلم لما كان العلماء يلقونه من مكانة وتقدير في بلاط الخلفاء ومجالس الأمراء والأغنياء، فبذل كل ما يملك للحصول على كتاب ينسخه بيده فوق كل ما هو مسطح سواء كان جلد جمل أو رق غزال أو ورق بردي وضرب أكباد الإبل، واستنار بضوء النار وحفر تحت الأرض ليحمي كتبه من بلل المطر.

وبينما كانت الحال هذه في بلاد العرب كان الغرب يتردى في ظلمات الجهل والأمية، ولعل أكبر مثال على ذلك هو ما أوردته المستشرقة الألمانية الشهيرة الدكتورة سكريد هونكه حيث تقول "إن متوسط ما كانت تحتويه مكتبة خاصة لعربي من القرن العاشر هي أكثر مما تحويه كل مكتبات الغرب مجتمعة".

لكن المنتشي بهذه الحقائق التاريخية لا يلبث أن يعود إلى الحاضر ويصطدم بالأرقام التي تبين أن الأمر قد انعكس، حيث تثير تقارير التنمية الصادرة عن الأمم المتحدة الرعب فيما يتعلق بالثقافة العربية التي تراجعت بطريقة مفزعة، والتي تذكر أن ما طبع من كتب إسبانية خلال عام واحد يوازي ما طبع من كتب عربية منذ عهد الخليفة الأمين إلى يومنا الحاضر، وأن ما تستخدمه دار نشر فرنسية واحدة من الورق يفوق ما تستخدمه مطابع العرب مجتمعة.


أصبحت معارض الكتب العربية سوقا موسمية للربح بدل أن تكون تظاهرة تستهدف التثقيف والتنوير قبل الربح
الأسباب المعلنة

يشير المهتمون إلى أن أي كتاب يصل إلى أيدي القراء العرب يكون قد خاض سلسلة من المراحل الصعبة، فمن التأليف إلى النشر إلى التوزيع مرورا بالرقابة يتخبط الكتاب العربي في مشاكل جمة تخنق دور النشر والتوزيع وتحول طباعة كل عنوان جديد إلى عملية زهيدة لا ترد رأس المال المنفق عليها:

ففي أكثر الدول العربية لا يسمح الوضع الاقتصادي لأصحاب الأقلام أن يعتمدوا التأليف والكتابة كمصدر وحيد للعيش، وهذه المشكلة تحول دون جعل الكتابة والتأليف حرفة مستقلة، ولذا فإن أكثر الكتاب يمارسون الكتابة كعمل ثانوي، ولا يمتلكون رؤية واضحة من القراء، ولا يحصلون على التقييم اللازم والحقيقي لمنتجاتهم، كما أنه لا توجد برامج وقوانين لتشجيع وحماية الكتاب المبدعين مما يفقدهم الشعور بالأمن والطمأنينة في العمل.

وفي أكثر الدول العربية لا تبني الحكومات مؤسسات للنشر إلا من أجل طباعة صحافة البلاط، أما القطاع الخاص فيعزف عن تمويل مؤسسات النشر لأنها عمل غير مضمون بسبب المشاكل الاقتصادية والسياسية والاستبدال المستمر للمسؤولين وعدم تقديم الدعم الكافي من قبل المؤسسات الحكومية والقضائية، حيث لا توفر تلك المؤسسات الشجاعة الكافية لدى الناشرين لتمويل النشر بلا خوف من الإفلاس والمطاردة والتبعات الأخرى.

ويبقى المتوفر من المطابع هو تلك العتيقة التي عفا عليها الزمن ولا يمكنها أن تواكب التطور الحاصل في مجال الموضوعات التي يحتاجها الفرد اليوم.

وفي كل الدول العربية يقف مقص الرقابة بالمرصاد مع ما يسفر عنه من ضغوط وتهديدات وسلب للحريات مما يؤدي بالكتاب إلى عدم الإفصاح عن أفكارهم، ومن ثم شل عملية الإبداع.

وتتشابك هذه المعوقات مع غياب شركات توزيع عربية كبيرة تقوم بمهام التوزيع لتوصيل الكتب إلى القارئ بأيسر الطرق.

وتبرز الحالة المسيطرة على معارض الكتب العربية المقامة سنويا كل هذه النواقص والثغرات، حيث أصبحت هذه المعارض سوقا موسمية بدل أن تكون تظاهرة تستهدف التثقيف والتنوير قبل الربح.

ويشير المراقبون في هذا الصدد إلى خطورة حالة التدهور الثقافي الذي يعيشه القارئ العربي، وتتجلى هذه الظاهرة في انتشار الثقافة السطحية، وعزوف القراء عن الثقافة الجادة حيث تلاقي كتب الطبخ والتنجيم وتفسير الأحلام وتحضير الأرواح رواجا كبيرا في أروقة هذه المعارض بينما ترقد كتب الأدب والفلسفة والتاريخ بسلام.

ويخاف هؤلاء من ازدياد هذا التدهور إلى أبعد من ذلك، حيث بدأت عناوين جديدة في الانتشار تجذب هذا القارئ مثل "تعلم الفرنسية في أسبوع"، أو "نم عضلاتك في ثلاثة أيام"، أو "خطوة واحدة وتفوزين بقلبه"، وهي كتب في أغلبها تتلاعب بالقارئ من خلال عناوينها الخرافية لتحصيل الربح دون إنكار من الرقابة ولا دور النشر ولا الموزعين.

وما أن يصل الكتاب إلى المرحلة التي يجب أن يتسلمه فيها القارئ العربي حتى تبدأ مشاكل أخرى تتمثل في ارتفاع الأسعار وعزوف غير الأميين عن القراءة، وإذا كان الباحثون يرجعون ارتفاع الأسعار لكل الأسباب المذكورة فإن آراءهم تتفاوت حول أسباب عزوف القارئين عن القراءة، ويشيرون في هذا الصدد إلى أن الكتب بدأت بالانحسار في وجه سيل المعلومات الإلكترونية المتدفق من أجهزة الحاسوب، وأن الأقراص المدمجة حلت محل المكتبات، كما يحملون الإعلام المرئي مسؤولية كبيرة في تضييع وقت الفرد العربي المتعطش لهذه الأداة التي تمنح العين المتعة عن طريق التركيز على الصورة أكثر من المعلومة وتريح العقل من الاستنتاج والتدبر والحكم الصحيح على الأمور، وتضعف هذه الآراء أمام الحقائق الممثلة في:

- قلة عدد من يملكون أجهزة إلكترونية، وقلة من بإمكانه منهم إيصالها بالشبكة الإلكترونية نظرا للفقر والتخلف.

- كون الدول الغربية التي تنتشر فيها هذه الأجهزة وتملك من المصادر المالية ما يمكن مواطنيها من الإبحار دون قيود واقتناء التلفزيونات دون شروط قد ازدادت فيها حركة النشر رواجا وازداد الكتاب أهمية، بل إن البعض يذهب إلى أن المد الإلكتروني زاد من انتشار الكتب.

ولعل أكثر الأسباب المذكورة في هذا المجال معقولية هو أن تخلف المناهج التعليمية في الوطن العربي قد خلق جيلا يعزف عن القراءة ويمقتها، فتلك المناهج تنمي في الناشئة احتقار الكتاب منذ اليوم الأول من المدرسة حيث أن تلك المجموعة من الأوراق التي تحمل بين طياتها الملل والمسؤولية والمراقبة والتعنيف والتي نرميها في النفايات في أسعد أيام حياتنا وهو يوم انتهاء الامتحانات.

وفي هذا الاتجاه تلعب رداءة الكتاب المدرسي العربي دورها في ترسيخ هذه الأحاسيس، فالقراءة في الغرب على سبيل المثال متعة بالصورة والصوت والنكتة والرسوم الجميلة والكلمات المبسطة، والرسالة المتبقية مع التلميذ هي أن العلم بسيط وممتع، أما عندنا فالقراءة بالعصا، والقراءة بدون صورة ولا صوت ولا ورق جيد ولا كتابة جيدة.

وهذا التخلف يطال الجامعات متخذا أبعادا أشد خطورة، فأساليب التدريس أقرب إلى التلقين منها إلى استثارة التفكير والابتكار، ويمكن القول إن الجامعات العربية في معظمها ما هي إلا مدارس ثانوية عالية.

ويعاني كل خريجي الجامعات من شكوك حول جدوى العلم والقراءة، فأكثر هؤلاء لم توفر لهم كل تلك السنوات من المطالعة والحفظ فرصة الحصول على لقمة العيش.


عندما يتمكن العالم العربي من تخليص نفسه من قيود التخلف والانطلاق نحو التقدم والنمو فإن ذلك يعني أن التغيير والتطور سيشمل جميع أوجه المجتمع بما فيها الكتاب
الحلول المقترحة
يخوض الكل ويجول باحثا عن حل لأزمة الكتاب العربي، فيرى البعض أن الحل يتمثل في تشجيع العلم عموما والكتاب خصوصا، وذلك بتبني المبدعين وتشجيع أعمالهم حتى تتفجر الطاقات وتكتب ثقافة جديدة تتنوع مواضيعها وتتعدد حسب احتياجات هذا المجتمع الذي لا ترويه التجارب الماضية ولا علوم الأمم الأخرى المترجمة.

يرى البعض أن دعم دور النشر بإعفائها من الضرائب وترخيص سعر الورق وتشجيع المستثمرين الأجانب للدخول بخبراتهم في هذا المجال سيكون له الأثر الجيد في حل هذه المشكلة.

ويذهب آخرون إلى أن محو الأمية والتشجيع المدروس لأفراد المجتمع على القراءة ومتابعة الأمر من طرف الأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام سيؤتي نتائج حسنة،
كما يدلي دعاة تحسين المناهج التعليمية بدلوهم مؤكدين أنه بدون البداية بأساس صحيح لظاهرة القراءة وبناء علاقة جيدة بين الطفل والكتاب منذ الصغر فسيكون العلاج مكلفا ومقصرا إن لم يكن مستحيلا.

وخلال كل تلك الحلول المقترحة تتردد كلمة "يجب" وتغيب كلمة "كيف". ولعل السبب يرجع إلى أن أزمة الكتاب في العالم العربي قد تكون من حيث النوعية هي نفس أزمة التخلف، لذا فإن هذه الدول عندما تتمكن من تخليص نفسها من قيود التخلف وتنطلق في طريق التقدم والنمو فإن ذلك يعني أن التغيير والتطور سيشمل جميع أوجه المجتمع، وبالتأكيد فإن الكتاب هو أحد تلك الأوجه ولكنه يمتاز عنها بأنه أكثر أهمية وأعمق تأثيرا.
ــــــــــــــــــ
* كاتبة موريتانية

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة