بداية العد العكسي للنظام السوري   
الأربعاء 1434/1/7 هـ - الموافق 21/11/2012 م (آخر تحديث) الساعة 14:05 (مكة المكرمة)، 11:05 (غرينتش)
عمر كوش

العد العكسي
تحول مفصلي
تركيبة الائتلاف وأهدافه
الدعم الدولي

لا يجادل عاقل في أن النظام السوري يمكنه الاستمرار في حكم السوريين، أي أن يحكم سوريا على طريقته إلى الأبد، فنهاية هذا النظام محتومة، وبدأت عندما كسرت جموع السوريون حاجز الخوف، وخرجوا في تظاهرات سلمية تطالب بإسقاطه، وما زالوا مصرين على بولغ غايتهم، ونيل مرادهم في الحرية والكرامة، بالرغم من الكلفة الإنسانية الباهظة التي يدفعونها يومياً، منذ أكثر من عشرين شهراً، فضلاً عما يلاقونه من ملاحقة، وتهجير، وتشريد، وتخريب، وتدمير، وحرق لأملاكهم، وأماكن عيشهم وسكناهم.

العد العكسي
ويبدو أن العدّ العكسي لنهاية النظام قد بدأ بالفعل، وأيامه باتت معدودة، خاصة بعد التطورات التي حدثت في الداخل السوري، والتحولات التي عرفتها المعارضة السورية، التي تكللت في نجاح "المبادرة الوطنية السورية" في تشكيل "الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية"، بوصفه مظلة سياسية واسعة، حاضنة لقوى الثورة والمعارضة السورية، ومنوط بها مهام عديدة، لعل أهمها توحيد المجموعات والتشكيلات العسكرية في الداخل، وتقوية المجالس المحلية في مختلف المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، وتمكين الناس في الداخل السوري، من خلال تأمين ممكنات مقاومتهم واستمرار حراكهم الثوري. 

العدّ العكسي لنهاية النظام قد بدأ بالفعل، وأيامه باتت معدودة، خاصة بعد التطورات التي حدثت في الداخل السوري وتشكيل الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية

ويدفع التفكير باقتراب نهاية النظام إلى الخشية من الفراغ الذي قد يحدثه سقوط مفاجئ. وما يدعم توقع السقوط المنتظر هو فقدان النظام السيطرة على مساحات كبيرة من سوريا، وذلك بعد التقدم الواضح للجيش السوري الحر والتشكيلات العسكرية الأخرى، بالرغم من فارق القوة العسكرية واللوجستية ما بين قوات النظام وسائر المجموعات العسكرية المدافعة عن الثورة، الأمر الذي يفسره، ليس فقط حالة الإنهاك التي بات يعاني منها الجيش السوري، بعد إقحامه في معارك الشوارع والأحياء والبلدات السورية، وحدوث انشقاقات متتالية ومتسارعة في تركيبته، بل هناك أمور عديدة، تتعلق بأن المجندين داخل الجيش النظامي مكرهون في معظمهم على القيام بما يطلب منهم، تحت تهديد الإعدام الميداني والتصفية والاعتقال، وقسم منهم مغرر به، ويستخدم ضحية أو وقوداً لخدمة بقاء رموز النظام في السلطة.

بالمقابل، فإن غالبية الثوار يدافعون عن أحيائهم وبلداتهم وأماكن عيشهم وسكناهم في وجه اجتياحات وحدات الجيش وقوى الأمن وقطعان الشبيحة، وبالتالي، فإنهم مسلحون ليس بالعزيمة والإصرار والاستعداد للتضحية فقط، بل يحظون بالاحتضان من طرف الناس، الذين يجمعهم الإيمان بضرورة الخلاص مهما كانت التضحيات والخسائر. 

وهناك تقارير تشير بوضوح إلى تدهور الوضع الاقتصادي، وشحّ الموارد المالية، التي يسخرها النظام من أجل تمويل شبيحته وقواه الأمنية والعسكرية، وهبوط قيمة الليرة السورية السريع، في الآونة الأخيرة، أمام العملات الأجنبية، بما يؤشر على اقتراب النظام من حالة الإفلاس والانهيار المالي والاقتصادي، التي يحدّ منها بشكل أو بآخر، تدفق الدعم المالي والاقتصادي الإيراني، والإسناد الروسي، ودعم بعض أفراد مافيات النظام وأعوانه، الذين عاشوا طويلاً على نهب مقدرات البلد واستثمار حالة الفساد والإفساد، إلى جانب دعم بعض الأطراف من دول الجوار وسواها.

تحول مفصلي
ويعتبر نجاح "المبادرة الوطنية السورية" في تشكيل "الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية"، عاملاً هاماً، سيلعب دوراً كبيراً في التعجيل بإسقاط النظام، وهو أمر يعيه النظام السوري تماماً ويخشى تبعاته، الأمر الذي يفسر اعتبار بعض الناطقين باسم تشكيل الائتلاف بمثابة إعلان حرب.

والمفارقة في الأمر، والمثير للسخرية المرّة، في نفس الوقت، هو أن كل ما تقوم به طائرات ودبابات وقوات أمن وشبيحة هذا النظام، منذ أكثر من عشرين شهرا، ضد الثائرين والمدنيين في مختلف المدن والمناطق السورية لا يعتبر في معياريته المخاتلة والزائفة حرباً على الشعب السوري.

ويأتي تخوف النظام السوري من تيقنه بأن الائتلاف، ليس تشكيلاً سياسياً فقط، بل لأنه مظلة سياسية واسعة، حاضنة لقوى الثورة والمعارضة السورية، ومنوط بها مهام عديدة، لعل أهمها توحيد المجموعات والتشكيلات العسكرية في الداخل، وتقوية المجالس المحلية في مختلف المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، وتمكين الناس في الداخل السوري، من خلال تأمين ممكنات مقاومتهم واستمرار حراكهم الثوري.

ويمثل الائتلاف الوطني الجديد تحالفاً حقيقياً، من حيث ضمه غالبية قوى ومكونات الثورة، وجاء كي يعبر عن تحول مفصلي في مسار الأزمة السورية، الأمر يفتح الباب واسعاً أمام متغيرات وتطورات جوهرية في المشهد السوري على مختلف المستويات، السياسية والدبلوماسية والقانونية، ويحدث تغيراً في ميزان القوى الميداني على الأرض.

الذي يجعل الائتلاف الوطني حدثاً مفصلياً، هو قدرته على قيادة الحراك الثوري، وفق منهج واضح وخطط ممأسسة، واتخاذ خطوات تسهم في التعجيل بسقوط النظام

وما يجعل الائتلاف الوطني حدثاً مفصلياً، هو قدرته على قيادة الحراك الثوري، وفق منهج واضح وخطط ممأسسة، واتخاذ خطوات تسهم في التعجيل بسقوط النظام، خاصة وأن إجماعاً داخلياً تحقق حوله، وحول المبادرة الوطنية، بوصفها حاجة داخلية، فرضتها ظروف الثورة، بمعنى أن ولادة الائتلاف جاءت استجابة لحاجة الثورة السورية، ولإنهاء مطالب وذرائع القوى الخارجية، التي اشترطت ضرورة وحدة قوى المعارضة السورية، مقابل دعم الثورة، أي إنها لم تأت على يد ساسة الولايات المتحدة أو فرنسا أو تركيا أو قطر وسواها، بل إن توافق قوى الثورة السورية هو الذي صنعها، مع عدم التقليل من أهمية الجهود التي بذلها مسؤولون قطريون وبعض سفراء دول أصدقاء الشعب السوري، وساهمت بشكل حثيث في تقريب وجهات النظر.

وتفرض ظروف الوضع السوري على الائتلاف الوطني، أن تكون الأولوية هي تلبية احتياجات الحراك الثوري، بوصفه مصدر الشرعية الحقيقية لأي تشكيل سياسي، ولعل خروج السوريين في تظاهرات "جمعة دعم الائتلاف الوطني"، تعني اعتراف وتأييد الحاضنة الاجتماعية للثورة السورية، الأمر الذي يلقي على الائتلاف مهمة التواصل الممأسس والمدروس مع الفصائل والقوى والشخصيات المعارضة في الداخل بشكل فعّال، والاستماع لآرائهم وإشراكهم الفعلي في قرارات وتوجهات هيئات الائتلاف. إضافة إلى إشراك مختلف قوى الائتلاف في الرؤية والتوجهات الإستراتيجية والخطوات التكتيكية، التي تهدف إلى تمكين الثورة من بلوغ مرادها، فضلاً عن التنسيق والتوجيه والتعبئة لمختلف جهود وطاقات قوى الثورة.

وما يدعم نشأة الائتلاف، بناء على حاجة داخلية، هو أنه وفور الإعلان عن التشكيل الجديد للمعارضة السورية، بدأت تصدر بيانات التأييد والدعم داخل سوريا، من مختلف التنسيقيات والمجالس المحلية، المدنية والثورية، في المحافظات والبلدات السوية، ومن الجيش الحر وتشكيلات عسكرية عديدة، الأمر الذي يعني بداية عملية إعادة ترتيب موازين القوى لمختلف القوى الفاعلة في الثورة السورية.

تركيبة الائتلاف وأهدافه
نجح "ائتلاف قوى الثورة والمعارضة السورية" في ضم طيف واسع من خارطة المعارضة السياسية وقوى الثورة السورية، فهو يضم ممثلين عن "المجلس الوطني السوري"، وعن "المجلس الوطني الكردي"، والمجالس المحلية لجميع المحافظات السورية، والعديد من الشخصيات الوطنية المستقلة، وشخصيات منشقة عن النظام.

كما يضم ممثلين عن الهيئة العامة للثورة السورية، ولجان التنسيق المحلية، والمجلس الثوري لعشائر سوريا، ورابطة العلماء السوريين، ورابطة الكتاب السوريين الأحرار، والمنتدى السوري للأعمال، وتيار مواطنة، وهيئة أمناء الثورة، وحركة معاً، وحزب الاتحاد الاشتراكي، العضوين في "هيئة التنسيق للتغيير الوطني في سوريا"، والكتلة الوطنية الديمقراطية السورية، وممثلين عن تنظيمي الحركة التركمانية.

ويمكن أن نقرأ خارطة القوى والشخصيات المشاركة في الائتلاف، من حيث شمولها غالبية القوى الفاعلة في الثورة السورية. وهو أمر لم يتحقق -من قبل- في أي تشكيل سياسي للثورة السورية، والأهم هو أن قادة الائتلاف هم من نتاج الثورة في الداخل السوري، وساهموا في حراكها على الأرض، وتعرضوا للسجن والملاحقة، واضطروا إلى مغادرة بلدهم.

كما أن التشكيل الجديد، لا يُلغي ولا يُهمّش أياً من القوى الثورية والمعارضة، بل يوفّق بينها جميعاً في بنية تنظيمية، تنهض على التحالف، بما يضمن العمل المشترك البنّاء، خاصة وأن الثورة السورية بأمس الحاجة لوجود قيادة قوية، قائمة على المشاركة والندية، لا على التفرد والاستئثار، وتعمل على الاستجابة لحاجات الثورة، وعلى تطمين جميع أبناء سوريا، بمختلف انتماءاتهم وحساسياتهم إلى مستقبلهم، الأمر الذي يكسب هذه البنية التنظيمية التأييد الشعبي، بما يعني امتلاكها الشرعية اللازمة للحصول على الاعتراف بها كممثلٍ له.

وأكدت وثائق الائتلاف على الحفاظ على السيادة الوطنية، واستقلالية القرار الوطني السوري، والحفاظ على وحدة التراب الوطني السوري، ووحدة الشعب السوري، وعلى رفض الحوار أو التفاوض مع النظام السوري، وأن لا يبدأ الحل السياسي في سوريا، إلا بتنحية بشار الأسد، ورحيل كافة رموز السلطة القامعة، وضمان محاسبة المسؤولين منهم عن دماء السوريين، مع التأكيد على أن المرحلة الانتقالية، هدفها تأمين قيام سوريا المدنية التعددية الديمقراطية. فضلاً عن أن الائتلاف سيسعى إلى إنشاء صندوق دعم الشعب السوري، ودعم الجيش الحر، وإدارة المناطق المحررة، وتأمين الاعتراف الدولي. 

تؤكد وثائق الائتلاف على الحفاظ على السيادة الوطنية، واستقلالية القرار الوطني السوري، والحفاظ على وحدة التراب الوطني,  ووحدة الشعب السوري، وعلى رفض الحوار أو التفاوض مع النظام

والمتوقع أن ينبثق عن الائتلاف مجلس عسكري أعلى، يضم ممثلي المجالس العسكرية والكتائب المسلحة، ولجنة قضائية، وفي نهاية المطاف يشرف على تشكيل حكومة مؤقتة من التكنوقراط. وذلك على خلفية الانطلاق من اعتبار وحدة العمل العسكري شرطاً أساسياً لبلوغ أهداف الثورة السورية، بدءاً من إسقاط النظام، وحماية الشعب، وتأمين المرحلة الانتقالية، ومنع إشاعة الفوضى بعد السقوط، والتعامل مع الفلتان الأمني، وصولاً إلى تشكيل جيشٍ وطني حقيقي، لذلك من المهم التواصل مع القادة العسكريين على الأرض بغرض تحقيق هذا الهدف في إطار تشكيل إطار مجلس عسكري أعلى يعمل تحت سقف وطني.

ويبدو أن وعي غالبية الثوار متقدم في هذا السياق، حيث أخذت تتشكل مجالس محلية في المناطق المحررة، وعدد من الكتائب والمجموعات بدأت تدرك أهمية تجميع القوى، على خلفية إدراكها بأن الوحدة والتنظيم هما الطريق الأقرب لإسقاط النظام. وقد ظهرت بالفعل تكتلات وتشكيلات رئيسية تضم داخلها عدداً من الكتائب الفرعية، وهو أمر يسهم في توحيد العمل العسكري.

الدعم الدولي
لم يتأخر الاعتراف الدولي بالائتلاف، حيث دشّن مجلس التعاون الخليجي الاعتراف بالائتلاف، بوصفه "ممثلاً شرعياً للشعب السوري"، فيما بقيت جامعة الدول العربية دون هذا السقف. وجاء الاعتراف الفرنسي، ثم التركي، بالائتلاف كـ"ممثل شرعي وحيد للشعب السوري"، ليعطي دفعة قوية للائتلاف، وسيتبعها اعترافات دولية وعربية أخرى، بالرغم من التردد والتلعثم الأميركي حيال الاعتراف بالائتلاف ودعمه. كما أن الحديث عن مناطق حظر الطيران قد عاد إلى التداول إلى جانب إمكانية الإمداد بالأسلحة النوعية للجيش الحر.

ولا شك في أن الدعم الدولي للائتلاف سيسهم في تقصير عمر النظام، ولعل الأجدى بقوى النظام ورموزه الرحيل قبل فوات الأوان.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة