حركة فتح ودمشق.. هل يعود الود المفقود؟   
الخميس 5/12/1431 هـ - الموافق 11/11/2010 م (آخر تحديث) الساعة 22:47 (مكة المكرمة)، 19:47 (غرينتش)
علي بدوان


محطات فارقة في العلاقات الفتحاوية السورية
حروب الاقتتال والانتفاضة التي أنقذت الوضع الفلسطيني
الانتفاضة الثانية ورحيل عرفات

عند الحديث عن العلاقات الرسمية الفلسطينية السورية علينا أن "نستعيد الوقائع السلبية لنضعها خلف ظهرنا" لا أن نبقى مأسورين نعود إليها عند وقوع التباينات المشروعه. فليس بالضرورة استعادة الوقائع نبشاً سلبياً في ملفات الماضي القريب أو البعيد، وليس بالضرورة أن يكون هذا الاستحضار عاملاً سلبياً بقدر ما يكون شكلاً من أشكال التقييم والموقف النقدي البناء.

هذا الحديث يأتي في ظل تواتر الحديث عن وجود سخونة جديدة في العلاقات السورية الفتحاوية بعيد قمة سرت العربية، وهو ما لوحظ من خلال التأجيل الذي تم للموعد السابق المفترض لجلسة الحوار الثانية بين حركتي فتح وحماس، والتي كان مقرراً عقدها بدمشق في العشرين من أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وقد ترافق ترحيل الموعد المذكور إلى موعده الثاني مع توالد نقاشات مركزية داخل حركة فتح تناولت العلاقات الفتحاوية مع سوريا.

فما هي حقيقة مسار تلك العلاقات التي شهدت تقلبات متتالية بين مد وجزر، وهل من آفاق مفتوحة لعودة الود المفقود بين الطرفين؟

محطات فارقة في العلاقات الفتحاوية السورية
من البديهيات القول بأن حركة فتح ليست "كسور عشرية" بل قوة رئيسية انطلقت تاريخياً في بداياتها قيادياً وسياسياً من قطاع غزة ودول الخليج، وعملياً بالقوة المسلحة من الأرض السورية نحو أغوار الأردن وجنوب لبنان وفلسطين على أكتاف اللاجئين من أبناء المخيمات الفلسطينية المحيطة بدمشق، قبل أن تدشن المرحلة الثانية من مسيرتها بعد عدوان حزيران/يونيو 1967، فكانت المحطة الدمشقية النقلة النوعية الأولى التي مهدت لولادة الثورة الفلسطينية المعاصرة تحت قيادة حركة فتح، التي استطاعت خلال فترة وجيزة من عمرها أن تتبوأ الموقع القيادي المقرر في إطار منظمة التحرير الفلسطينية بعد دخول الفصائل الفدائية إلى عضوية المنظمة وتنحي الراحل أحمد الشقيري.

ومع ذلك، فقد شهدت السنوات التالية من انطلاقة حركة فتح وقواتها الفدائية المسلحة (قوات العاصفة) مجموعة من الإشكاليات التي مست مسار العلاقات المشتركة مع سوريا، وكانت أولى تلك الإشكاليات ما جرى من حادث مؤسف في أحد المقرات القيادية لحركة فتح في حي الشعلان بدمشق في أبريل/نيسان عام 1966، وهو الحادث الذي سقط فيه اثنان من الضباط الفلسطينيين، أحدهما محسوب على حزب البعث، والثاني على قيادة حركة فتح، هما: النقيب يوسف عرابي، والملازم أول محمد حشمة.

"
الهزة الثالثة في علاقة فتح ودمشق جاءت بعد الخروج الفلسطيني المسلح من بيروت نهاية صيف العام 1982، عندما غادر عرفات بيروت باتجاه تونس عبر اليونان، متجاهلاً المحطة الدمشقية، وانفجرت بشكل واضح بعد الانشقاق الذي ضرب الحركة في مايو/أيار 1983
"
وقد استتبع الحادث وقوع أول هزة في العلاقات الفتحاوية السورية، حيث أقدمت السلطات السورية في حينها على اعتقال عدد من قيادات حركة فتح لعدة أشهر على خلفية الحادث المذكور، وكان من بين المعتقلين الشهيد ياسر عرفات، والشهيد أبو علي إياد، والشهيد خليل الوزير وآخرون، إلا أنه تم حل الموضوع نتيجة تدخلات قام بها الشهيد صلاح خلف وفاروق القدومي، فعادت الأمور إلى مسارها التصالحي، بل وشهدت العلاقات الفتحاوية/السورية في السنوات التالية عسلاً صافياً، خصوصاً مع توالد اصطفافين في الساحة الفلسطينية بعد المرحلة الأردنية من العمل الفلسطيني: الاصطفاف الأول المدعوم من سوريا والذي ضم كلاً من (حركة فتح + منظمة الصاعقة + الجبهة الديمقراطية) والاصطفاف الثاني الذي حمل عنوان (جبهة الرفض الفلسطينية) وضم كلاً من (الجبهة الشعبية + الجبهة الشعبية/القيادة العامة + جبهة التحرير العربية + جبهة النضال الشعبي الفلسطيني).

أما الهزة الثانية في العلاقات الفتحاوية السورية، فقد نشأت بعد قرابة عام واحد من اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية، وتحديداً في يونيو/حزيران 1976 بعيد دخول القوات السورية إلى لبنان، حيث نشأت بعض التباينات التي يصعب تناولها أو اختصارها في مقال محدود، وقد أدت تلك التباينات إلى صدامات مسلحة مؤسفة بين أطراف الصف الوطني الواحد، وتحديداً بين حركة فتح ومعها بعض القوى الفلسطينية من جهة والقوات السورية من جهة ثانية وذلك في جبل لبنان ومداخل مدينة صيدا.

وترافق معها حدوث انقلابات واشتباكات دموية في مناطق مختلفة من لبنان بين مختلف الفصائل والأحزاب، وترتب عليها إنهاء وجود منظمة الصاعقة في بيروت وصيدا والجنوب، وانقسام جيش التحرير الفلسطيني واعتقال قائده اللواء مصباح البديري (المقرب من سوريا) من قبل جهات فلسطينية محسوبة على حركة فتح إلى أن تم الإفراج السريع عنه بعد أسبوع واحد من احتجازه في بيروت، وقد تم تطويق تلك الأحداث المؤسفة بعد فترة وعادت الأمور إلى مسارها التصالحي العام، لكنها تركت ندوبا واضحة في مسار العلاقات الفتحاوية وعلاقات بعض الفصائل الفلسطينية مع سوريا.

أما الهزة الثالثة، فقد جاءت بعد الخروج الفلسطيني المسلح من بيروت نهاية صيف العام 1982، عندما غادر الراحل ياسر عرفات بيروت باتجاه تونس عبر اليونان، متجاهلاً المحطة الدمشقية، وانفجرت بشكل واضح بعد الانشقاق الذي ضرب حركة فتح في مايو/أيار 1983 والذي سحب نفسه على منظمة التحرير الفلسطينية، فشهد مطلع الثمانينيات كوارث الحروب الأهلية الفلسطينية في بيروت وسهل البقاع وبعلبك وطرابلس.

وأثناء ذلك قامت دمشق بإبعاد ياسر عرفات وخليل الوزير من دمشق بقرار مباشر، لتصبح حركة فتح الرسمية خارج إطار العمل الفلسطيني الرسمي في سوريا ، بعد أن اتخذت السلطات السورية في حينها مجموعة من الإجراءات المانعة على خلفية التباين السياسي الذي وقع مع ياسر عرفات وحدوث الانشقاق الأكبر في تاريخ الثورة الفلسطينية ومنظمة التحرير، ومنذ ذاك الحين كان الفلسطينيون بكل تياراتهم وقواهم، وحتى سوريا هما الخاسر الأكبر من تردي العلاقات الرسمية الفلسطينية السورية.

ففي الخلاف الفلسطيني السوري اختلت المعادلة المشتركة ونشطت بالمقابل (في حينها) المعادلة الإقليمية المناكفة من بغداد وغيرها… ، وفقدت منظمة التحرير بعداً جغرافياً سياسياً، وحملت أعباءً جديدة في مواجهة حالة الانقسام التي ضربت الساحة الفلسطينية، ومن حينها فإن المرارة والخسارة كانت الزبد الصافي لتردي العلاقات بين الطرفين الفلسطيني الرسمي والسوري.

حروب الاقتتال والانتفاضة 
في هذا السياق فإن انتكاسات مرحلة الانشقاق والتردي في العلاقات السورية مع الإطار الرسمي الفلسطيني، بدأت تتراجع مع نهاية الثمانينيات حيث انطلقت الانتفاضة الفلسطينية الأولى ففرضت وقائع جديدة دفعت باتجاه إعادة تصحيح مسار العلاقات الرسمية الفلسطينية مع سوريا.

ودفعت مجموع القوى الفلسطينية المصطفة على الجانبين لإعادة النظر بالمرحلة التي سبقت والقفز عن جروحها وآلامها، وهو ما كان بالفعل، حتى انتهت كذلك مرحلة ما عرف بـ(حروب المخيمات) الضروس التي شنتها حركة أمل اللبنانية على مجمل الحالة السياسية والعسكرية الفلسطينية في لبنان بكافة فصائلها بين أعوام (1985 ـ 1987).

"
أسهمت الانتفاضة الأولى في بلسمة جراح الافتراق والانقسام الفلسطيني الفلسطيني من جانب، كما أسهمت في جسر الهوة الفتحاوية الرسمية مع سوريا من جانب أخر، وفتحت الطريق أمام إمكانية إعادة بناء وإصلاح مسار العلاقات الفلسطينية تحت قيادة حركة فتح وسوريا
"
وفي سياق ذلك كانت الانتفاضة الأولى عامل إعادة توحيد وتجميع وتأطير للوضع الفلسطيني بعد سنوات طويلة من الانقسام الداخلي المدمر، كما كانت عامل تقريب وإعادة بناء للجسور بين قيادة حركة فتح وسوريا، حيث شهدت تلك الفترات تقاربا واضحا بين الطرفين، وتم ترتيب الزيارة الأولى للراحل ياسر عرفات إلى دمشق أواخر أبريل/نيسان 1988 برفقة الشهيد صلاح مصباح خلف (أبو إياد) بعد أربع سنوات ونصف من إبعاده عن دمشق، بينما عاد إليها خليل الوزير (أبو جهاد) شهيداً ليدفن في مثوى شهداء فلسطين في مخيم اليرموك جنوب العاصمة دمشق.

وعليه فإن انطلاق الانتفاضة الفلسطينية الأولى، أوجد قوة الدفع التي ولدتها وقائع الحياة السياسية والعملية، والتي استطاعت أن تفرض نفسها في ظل تحولات لم يكن لأحد أن يتجاهلها أو أن يغمض عينيه عنها كما كان الحال في فترات سابقة.

فأسهمت الانتفاضة الأولى في بلسمة جراح الافتراق والانقسام الفلسطيني الفلسطيني من جانب، كما أسهمت في جسر الهوة الفتحاوية الرسمية مع سوريا من جانب أخر، وفتحت الطريق أمام إمكانية إعادة بناء وإصلاح مسار العلاقات الفلسطينية تحت قيادة حركة فتح وسوريا الشقيق التاريخي/السيامي التوأم لفلسطين، فضلاً عن إصلاح الحال الفلسطينية الداخلية والعلاقات بين مختلف أطراف منظمة التحرير والقوى مجتمعة التي عركتها قساوة التجارب المريرة التي خاضتها.

ولكن مقادير الأمور، ولسوء طالع الشعب الفلسطيني، دفعت نحو ولادة مأساة حرب الخليج الثانية، وانهيار الحالة العربية الرسمية، فانعكست تفعيلاتها فوراً (كما هو متوقع) على الحالة الفلسطينية وعلى انتفاضة الداخل الفلسطيني، حيث استدارت الأمور باتجاه آخر، وباتت منطقة الخليج مثار الجذب والانتباه الدولي، ليعلن وزير الخارجية الأميركي في إدارة الرئيس الأسبق (بوش الأب) جيمس بيكر، بأن "النظام الدولي الجديد قد قام مع حرب (تحرير الكويت) وتفكك الاتحاد السوفياتي وكتلة حلف فارصوفيا"، وليعلن أيضاً بأن "على جميع العرب الانصياع لدفع ثمن تلك التحولات".

وعليه، فقد جاء مؤتمر مدريد، وبتركيبته التي تمت، وبرسائل الدعوة الأميركية لجميع الأطراف، ليعيد مسلسل الانقسام إلى الساحة الفلسطينية بين اتجاه رافض لمنطق وبرنامج المفاوضات بشكل كامل، وبين اتجاه يرى في المفاوضات شكلاً من أشكال العمل الذي بات يميز المرحلة وطريقاً لحصد ثمار إنجازات الانتفاضة، وليعيد معه كذلك الهوة بين الموقفين الرسميين الفلسطيني/السوري بعد توقيع اتفاق أوسلو الذي تحفظت عليه سوريا، ورأت فيه اتفاقاً منفرداً يضعف الحالة العربية التفاوضية بشكل عام.

الانتفاضة الثانية ورحيل عرفات
وعلى ضوء التعقيدات التي ترافقت مع العملية التفاوضية على مسارها الفلسطيني الإسرائيلي، ووصولها إلى نقطة الاستعصاء بعد انهيار مفاوضات كامب ديفد الثانية صيف العام 2000، اندلعت الانتفاضة الفلسطينية الثانية، التي صمد في مسارها الشعب الفلسطيني ككل ومجموع فصائله المقاتلة وعلى رأسهم الشهيد ياسر عرفات.

وبدت معالم التقدير السوري لصمود الرئيس عرفات عند الثوابت الفلسطينية واضحة، وبخاصة في ظل حالة الحصار التي تعرض لها في مقره القيادي في المقاطعة وسط رام الله، الأمر الذي دفع باتجاه حدوث تقارب فتحاوي مع دمشق، وصولاً لزيارة وفد فلسطيني دمشق في الفترة ذاتها، وقد حمل معه ورقة عمل مكتوبة تضمنت اقتراحات ملموسة لترتيب العلاقات المشتركة.

فقد جاءت الخطوات الإيجابية التي شقت طريقها في مسار العلاقات الفلسطينية الرسمية مع سوريا بفعل صمود الطرفين أمام عمليات "لي الرقبة" الأميركية والإسرائيلية التي شهدها مسار التسوية المختلة، وقطارها المتوقف على أبواب المقاطعة في رام الله، وفوق مرتفعات الجولان السوري المحتل، وصولاً إلى رحيل الرئيس ياسر عرفات بعد ثلاث سنوات ونيف، متتالية من الحصار المطبق على مقره المؤقت في منطقة المقاطعة في رام الله.

"
أثبتت الوقائع أن (الصحة والعافية) في العلاقات الفلسطينية الرسمية مع سوريا هي (صحة وعافية) لفلسطين ولسوريا، كما أن حل معضلات البيت الفلسطيني مسألة لا غنى عنها لإعادة بناء مفاعيل القوة الفلسطينية
"
ولعل في النعي الرقيق والمعبر الذي أصدرته العاصمة السورية يوم استشهاد الرئيس عرفات، ومشاركة الرئيس بشار الأسد في مراسم التشييع في القاهرة، ما أضفى المزيد من إمكانية السير بخطوات أكثر ملموسية على صعيد إعادة بناء العقد التاريخي المشترك بين سوريا والقيادة الرسمية الفلسطينية، بعد سنوات من القطيعة والجفاء على خلفية تراكمات سابقة لم يعد من مبرر لاستمرار فعلها أو تأثيرها، خصوصاً وأنها تراكمات طواها الزمن والتطورات المتلاحقة.

لقد شهدت المرحلة التالية من رحيل ياسر عرفات، تطورات معينة، لها علاقة بالضغط الأميركي الكبير الذي سلط على مجموع الحالة الفلسطينية، حين سعت واشنطن لإعادة تشغيل المسار التفاوضي، انطلاقاً من رفضها للموقف الذي صمد عليه الرئيس الراحل عرفات في كامب ديفد الثانية، وانطلاقاً كذلك من رفضها لنتائج الانتخابات التشريعية الفلسطينية الثانية، وهو ما عرض البيت الفلسطيني لهزات عنيفة جديدة، عكست نفسها في العلاقة مع باقي الأطراف العربية كسوريا، وصولاً للحالة الراهنة.

ومع ذلك، فإن المصلحة الوطنية العليا للشعب الفلسطيني تفرض إعادة ترتيب العلاقات الكفاحية التاريخية بين الإطار الرسمي الفلسطيني الذي تقوده حركة فتح وسوريا. فقد أثبتت الوقائع أن (الصحة والعافية) في العلاقات الفلسطينية الرسمية مع سوريا هي (صحة وعافية) لفلسطين ولسوريا، كما أن حل معضلات البيت الفلسطيني مسألة لا غنى عنها لإعادة بناء مفاعيل القوة الفلسطينية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة