مستقبل العلاقة بين الدولة المصرية والحركة الإسلامية   
الأحد 1425/8/18 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:10 (مكة المكرمة)، 17:10 (غرينتش)

بقلم/ كمال حبيب

تنظر الدولة المصرية إلى الحركة الإسلامية كفاعل سياسي واجتماعي من منظور مركب، فهي ترى الحركة الإسلامية كيانا واحدا لكنه يشمل داخله أطيافا متعددة وربما متعارضة، ذلك أن الطبيعة الخاصة للحركة الإسلامية تجعل منها تكوينا مختلفا عن الأحزاب السياسية أو غيرها من التكوينات السياسية والاجتماعية الأخرى كجماعات الضغط أو النقابات.

فانتساب هذه الحركة إلى الإسلام يجعل بينها وبين بعضها آصرة خاصة ناتجة من طبيعة الفكرة التي تنتمي إليها. ورغم أن الباحثين دأبوا على تعريف الحركة الإسلامية بأنها تلك الجماعات أو التيارات التي تطرح مشروعا سياسيا للتغيير بصرف النظر عن مداه أو طريقته، ونقصد بمداه أي نطاق التغييرات التي يسعى المشروع السياسي لإحداثها: هل هي شاملة أم جزئية؟ أما الطريقة فهي الوسيلة التي ينتهجها أصحاب هذا المشروع لتحقيقه: هل هي وسائل سلمية أم عنيفة؟

لكن الحركة الإسلامية تتسع لتشمل أيضا التيارات التي لا تحمل مشروعا للتغيير السياسي مثل التيار السلفي أو التيارات الدعوية والاجتماعية، ذلك لأنها تحمل مشروعا اجتماعيا ودعويا يسعى لطرح رؤى بديلة للواقع القائم في بعض فضاءات الواقع الاجتماعي مثل قضايا المرأة والأسرة وقضايا الاعتقاد والتوحيد، فهي بمفاهيم العلوم الاجتماعية تعبير عن حركة اجتماعية في سياقات جزئية وبعيدة عن السياسة.

وتشهد ساحة الحركة الإسلامية المصرية هذه الأيام بعض التطورات التي تجعلنا نتساءل عن مستقبل العلاقة بين الدولة المصرية والحركة الإسلامية. هذه التطورات تتمثل في مشهدين يبدوان متناقضين.


يتسع مفهوم الحركة الإسلامية ليشمل التيارات التي لا تحمل مشروعا للتغيير السياسي مثل التيار السلفي أو التيارات الدعوية والاجتماعية، ذلك أنها تحمل مشروعا اجتماعيا ودعويا يسعى لطرح رؤى بديلة
أولهما- القبض على أكثر من 50 كادرا إخوانيا في عدد من المحافظات المصرية وتوجيه اتهامات لهم جديدة وغير مسبوقة، منها السعي لتكوين تنظيم سري أو لتغيير نظام الحكم بالقوة لإقامة الخلافة الإسلامية وإرسال بعض العناصر إلى مناطق الثغور الإسلامية الملتهبة مثل الشيشان والعراق وفلسطين بقصد تدريبهم على فنون القتال وحرب العصابات بهدف التصدي للسلطة القائمة وتغيير نظام الحكم بالقوة. وهذا سياق جديد تنتهجه الحكومة المصرية مع جماعة الإخوان المسلمين، فمثل هذه الاتهامات كانت الحكومة توجهها للجماعات التي تتخذ من القوة أداة للتغيير مثل تنظيم الجهاد.

ثانيهما- التقدم للمرة الثالثة من جانب مجموعة جيل الوسط التي انشقت عن جماعة الإخوان بأوراق اعتماد الحزب من جديد عن طريق لجنة الأحزاب تحت اسم حزب الوسط الجديد.

ويبدو أن السياق السياسي الداخلي والدولي الذي ارتفعت خلاله دعوات الإصلاح السياسي في مصر على نطاق واسع وبشكل لم يسبق له مثيل، جعل مجموعة الوسط تتفاءل بإمكانية قبول حزبها هذه المرة بعدما رفضته الحكومة مرتين إحداهما عام 1996 والثانية عام 1998. ورغم أن وكيل مؤسسي حزب الوسط الجديد أبو العلا ماضي نفى حصوله على وعد من الحكومة بقبول حزبه هذه المرة فإنه لم ينف قراءته لإشارات من جانب بعض دوائر السلطة والكتاب القريبين منها، وهو ما دفعه للتقدم هذه المرة بأوراق الحزب.

فكيف يمكننا أن نفهم هذا التناقض بين إمكان قبول الحكومة لحزب الوسط -وهو حزب إسلامي- وبين ضربها لجماعة الإخوان وتصعيد اتهاماتها لها بشكل غير مسبوق؟

لكي نفهم مستقبل العلاقة بين الدولة في مصر وبين الحركة الإسلامية لابد لنا أن نفهم ماذا جرى من قبل، فكما هو معلوم فإن الحركة الإسلامية تمثل التحدي المركزي للدولة المصرية التي نطلق عليها في العلوم الاجتماعية دولة ما بعد الاستعمار, لكن إستراتيجيات الدولة تبدلت تجاه هذه الحركة وفق السياق الداخلي والدولي والإقليمي.

ففي الفترة الناصرية اعتمدت الدولة إستراتيجية الاستئصال للحركة الإسلامية ممثلة في استخدام أقسى أشكال القمع بمعناه الشامل. وكان الغرض اجتثاث جذور الحركة ممثلة في ذلك الوقت في جماعة الإخوان، لكنه وبعد هزيمة 1967 اضطرت الدولة أن ترفع يدها عن الحركة في سياق سياسي ومجتمعي عام هو تخفيف قبضة الدولة عن المجتمع المصري الذي كانت روحه قد بلغت الحلقوم وهو صامد صابر من أجل شعار "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة".

ومع وفاة عبد الناصر ومجيء السادات انقلبت إستراتيجية الدولة تجاه الحركة الإسلامية فسعت إلى توظيفها سياسيا لمحاصرة الاتجاهات اليسارية التي كانت تمثل تحديا للدولة في هذا الوقت. كما أن الحركة الإسلامية استفادت أيضا من الظرف الداخلي والسياق الدولي الذي شهد حالة صعود للإحياء الإسلامي بشكل غير مسبوق ممثلا في انتصار الثورة الإيرانية والجهاد الأفغاني.

وسعت القوى الدولية والإقليمية هي الأخرى إلى توظيف الحركة الإسلامية لتحقيق أغراضها خاصة في محاصرة الاتحاد السوفياتي والإجهاز عليه عبر توريطه في أفغانستان. ولا شك أن التحول الداخلي والسياق الدولي منحا الحركة الإسلامية مساحات سياسية للنمو والتمدد والتنوع بشكل غير مسبوق.


بينما استخدمت الدولة إستراتيجية "الاستئصال العنيف" ضد الحركات التي تستخدم القوة مثل الجهاد والجماعة الإسلامية، عادت إلى إستراتيجية "التطويق والحصار والعقاب المنظم" لجماعة الإخوان المسلمين
وكان أن ظهرت تيارات جديدة لم تكن معروفة من قبل مثل التيارات السلفية والجهادية، لكن أحداث العام 1981 التي وضعت التيار الجهادي في قلب الأحداث جعلت منه القوة التي تمثل التحدي الجديد للدولة، وهو ما جعل الدولة تستخدم إستراتيجية جديدة يمكن أن نطلق عليها "إستراتيجية تعميق التناقض داخل الحركة الإسلامية" عبر السماح للقوى الإسلامية التي تستخدم الوسائل السلمية وتبتعد عن العنف في التواجد والتعبير عن نفسها بشكل حر لمحاصرة الاتجاهات التي تستخدم العنف.

ورحبت الاتجاهات السلمية وعلى رأسها الإخوان المسلمون بهذه الإستراتيجية وانطلقوا للتعبير عن أنفسهم في النقابات المهنية والبرلمانات بل واختراق بعض الأحزاب السياسية القائمة، وغضوا الطرف بل وساهموا في محاولة حصار الحركات العنيفة. بيد أن إستراتيجية الدولة تحولت لتأخذ مسارا جديدا ضد حركة الإخوان بعد الفوز الكاسح لجبهة الإنقاذ في الجزائر مطلع التسعينيات.

وبينما استخدمت الدولة إستراتيجية" الاستئصال العنيف" ضد الحركات التي تستخدم القوة مثل الجهاد والجماعة الإسلامية، فإنها عادت إلى إستراتيجية "التطويق والحصار والعقاب المنظم" لجماعة الإخوان المسلمين ووصفها دائما بأنها جماعة غير مشروعة. وخاضت الجماعة مع الدولة معركة الحفاظ على وجودها وتماسكها وإثبات أنها القوة السياسية الأهم التي لا يمكن تغافلها.

ودائما كان البعد الدولي حاضرا في علاقة الدولة بالحركة الإسلامية. وكما هو معلوم فإنه بعد أحداث سبتمبر/أيلول 2001 ومجيء التيار الأصولي–الإمبراطوري إلى سدة الحكم في الولايات المتحدة، فرضت أجندة كونية على النظم الداخلية فيما يتصل بالحركة الإسلامية خاصة في مصر والسعودية، ذلك أن التحليل الأميركي انتهى إلى أن أحداث سبتمبر/أيلول جزء من أزمة النظم مع حركاتها وأن هذه النظم تتحمل مسؤولية ما أصاب أميركا، ومن ثم فإن طرح صيغة إصلاح سياسي لهذه النظم سيحاصر العنف ويحقق الأمن.

وفي هذه الأثناء سعت الدولة في مصر إلى تأكيد أنها قادرة على محاصرة عنف هذه الحركات بيدها لا بيد خارجية، وكان أن فاجأت أجهزة الأمن المصرية العالم بمبادرة الجماعة الإسلامية لوقف العنف وإنهاء العمليات العسكرية بشكل كامل، بل والتراجع عن الأفكار التي أسست للعنف، وهو ما يعني أن هناك بزوغا لفكر جديد ترعاه الدولة وتشجعه وتتبناه، وهو فكر لا يمثل تهديدا للغرب أو النظم الداخلية.

هنا المسألة الفكرية أصبحت هي قلب الاهتمام من جانب الدولة في تعاملها مع الحركة الإسلامية، بمعنى أن التحول الفكري داخل الحركة الإسلامية أصبح موضع اهتمام النظم السياسية أكثر من الاهتمام بالوسائل التي تستخدمها الحركة والتي كانت مناط الاهتمام في السابق.

وهذا يفسر في تقديرنا اعتبار التيار السلفي يمثل موضوعا للمواجهة والتعقب. بالطبع هناك أسباب كونية متصلة بالتنبيه الأميركي على خطر الفكر السلفي باعتبار أن تنظيم القاعدة ينتمي إلى هذا الفكر، لكن التقديرات الأميركية والداخلية هي أن الفكر السلفي يمثل في ذاته خطرا ومن ثم لابد من حصاره، وهو ما يفسر القبض على رموز هذا التيار في العديد من المناطق, كما يفسر استمرار إبقاء من لم يغير أفكاره من التيارات الجهادية معتقلا.

كما يفسر أيضا التناقض الذي أثرناه في بداية هذا المقال، وهو أن الدولة تعاقب الإخوان على الخط الفكري الذي تضمنته مبادرة المرشد الجديد التي تعيد التأكيد على الثوابت الإخوانية المتمثلة في الدولة الإسلامية وإقامة شرع الله، وفي نفس الوقت التأكيد على أن الإصلاح السياسي الشامل هو المقدمة الحقيقية لأي إصلاح، وهو ما يعني أن الدولة لا تحتكر وحدها عمليات الإصلاح. كما يشير التركيز في المبادرة على بعد الإصلاح أيضا، أن سياسات الدولة وليست أفكار الإسلاميين هي التي يجب أن يبدأ منها الإصلاح.

واعتبر بعض المراقبين أن اللهجة العنيفة التي تضمنتها مبادرة المرشد ضد مبادرات الإصلاح من الخارج يمكن أن تفسر على أنها قد تتضمن -بمفهوم المخالفة كما يقول أهل الأصول- تنبيه الأميركان إلى ثقل الإخوان وأنهم الرقم الصعب في المعادلة السياسية المصرية. ويبدو أن النظام السياسي المصري هو الآخر قد فهم ذلك، لذا فهو يعاقب الإخوان عقابا مؤجلا على ما اقترفوه.


ربما يكون المشهد المصري قريبا من المشهد التركي حيث يسمح لحزب الوسط الجديد (إسلامي) بالوجود كأداة -من وجهة نظر الدولة- لحصار الفصيل الأكبر الذي يمثل التحدي الرئيسي لها وهو الإخوان
كما قد يعاقبهم بقبول حزب الوسط الجديد، وذلك كمحاولة من جانب النظام لإحداث صدع فكري وتنظيمي داخل جماعة الإخوان عبر إعطاء الشرعية لرؤى فكرية جديدة تبدو أكثر انفتاحا ولا تمثل تهديدا لشرعية النظام أو تقود إلى التصادم مع الغرب، وهو ما يخفف الضغط الدولي على النظام السياسي المصري الذي يفتح الباب للأفكار الإسلامية الجديدة بينما يحاصر الأفكار المتشددة التي تمثل تهديدا وخطرا. وللمفارقة فإن هذه الأفكار هي أفكار جماعة الإخوان.

بيد أن الاتهامات الجديدة التي تتهم القيادات المقبوض عليها بأنهم يشكلون تنظيما سريا وأنهم يهدفون إلى قلب نظام الحكم وأنهم يتدربون لذلك، ربما تكون فاتحة لاستخدام العصي الأمنية الغليظة للنظام ضد الإخوان، لعلها تكون عاملا لتسهيل مهمة شق الجماعة وإضعافها ودفع قطاع من أعضائها للانتقال إلى الحزب الجديد المرشح لقبول النظام السياسي له هذه المرة.

ربما يكون المشهد المصري قريبا من المشهد التركي في هذا السياق حيث يسمح لحزب الوسط الجديد بالوجود كأداة -من وجهة نظر الدولة- لحصار الفصيل الأكبر الذي يمثل التحدي الرئيسي لها وهو الإخوان، ونوعا من الإغراء للتيارات الجديدة من شباب الإخوان بالانضمام إلى الحزب الجديد.

كما قد يمثل الحزب الجديد وعاء لاستيعاب فائض الطاقات الشبابية داخل الحركة الإسلامية بدلا من تحولها ناحية جماعة الإخوان العتيقة التي ينظر إليها بعض الشباب من الأجيال الجديدة على أنها كما تمثل تحديا للنظام فهي تمثل تحديا للحركة الإسلامية، لأنها تحول دون إحداث تطورات داخلها تأخذ بيدها إلى آفاق جديدة من الفكر والحركة.
ــــــــــــــــــ
باحث مصري في شؤون الحركات الإسلامية

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة