مُؤشرات في أزمة النمو والاستقرار في العراق   
الثلاثاء 1426/6/19 هـ - الموافق 26/7/2005 م (آخر تحديث) الساعة 12:37 (مكة المكرمة)، 9:37 (غرينتش)





















أكرم الفتيان

-المحاصصة تطرد الكفاءة
-المصروفات معلومة والواردات مجهولة
-مؤتمرات الدول المانحة
-انخفاض في الناتج الوطني
 
بعد أن دمرت الحرب الأميركية - البريطانية على العراق ما لا يقل عن 70% من بنيته التحتية، فشلت قوات الاحتلال في إدارته حيث اتضح فيما بعد، أن الإدارة الأميركية لم تكن لديها خطة معينة لإدارة العراق بعد الاحتلال عدا المعلومات الاستشارية القاصرة والخاطئة لشخصيات سياسية من العراقيين في الخارج، والذين تعاونوا معها، مما أوقع البيت الأبيض في مزيد من المشاكل داخل البلاد.

ولم تتوقف الإدارة الخاطئة والقاصرة للعراق بعد أن أنشأ السفير بريمر، الحاكم المدني الأميركي، مجلس الحكم الانتقالي ووزارته معتمداً المحاصصة الطائفية والعرقية كقاعدة سياسية غريبة وبعيدة عن المجتمعات العراقية ونسيجها المشترك. 

واستمر العمل بهذه القاعدة حينما شُكّلت الوزارة الانتقالية المؤقتة برئاسة الدكتور إياد علاوي أيضا، ولم يتوقف اعتماد المحاصصة الطائفية والعرقية لحد الآن بل اعتمدت كملهم روحي للقرارات والقوانين والأوامر لإدارة انتخابات 30 كانون الثاني الماضي التي أدت إلى استقطاب طائفي واضح على وفق رغبة الإدارة الأميركية من جهة ورغبة أطراف إقليمية من جهة أخرى. 

هذا فضلاً عن رغبة الأحزاب السياسية الوافدة من الخارج التي هيمنت على الوزارات السابقة والوزارة الحالية برئاسة الدكتور إبراهيم الجعفري.

المحاصصة تطرد الكفاءة
"
وعلى الرغم من عدم وضوح آلية العلاقة التي تربط السلطات الأميركية مع وزارة الجعفري فإن السائد هو تحكم الأميركيين سياسيا واقتصاديا
"
يقول المرحوم المرجع الديني فضيلة الشيخ محمد علي شمس الدين نائب رئيس المجلس الشيعي اللبناني الأعلى في محاضرة له، إن الطائفية تلغي الديمقراطية والمواطنة والكفاءة. 

ولعل التشكيلات الوزارية في العراق منذ الاحتلال قد أعطت مؤشراً واقعيا واضحاً لذلك التشخيص النظري، حيث لم تكن الكفاءة معياراً للاختيار نتيجة غلبة المعيار الحزبي والسياسي الذي تفرضه المحاصصة الطائفية والعرقية، مما حرم العراق من الخدمات النوعية التي يمكن أن يقدمها المختصون والأكفاء.

وفي نظرة سريعة يتضح أن المستوزرين والسادة الذين تسلموا مناصب رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء والمهام والمسؤوليات القيادية الأخرى، لم يسبق لهم أن مارسوا أية وظيفة قيادية أو أية وظيفة حكومية. 

وأن نسبة لا تقل عن 80% منهم جاؤوا من خارج العراق بعد غياب قسري دام لأكثريتهم مدة تزيد على ربع قرن، لذا من الطبيعي أن تكون تلك الوزارات غير قريبة من واقع العراق ومشاكله وقضاياه الاقتصادية والاجتماعية، وهذا يضعف الأداء ويجعله منخفضاً وملامساً لأقل الدرجات.

أما الاحتلال فقد هيمن على أهم موارد البلاد، وعلى الرغم من عدم وضوح آلية العلاقة التي تربط السلطات الأميركية مع وزارة الدكتور الجعفري وتنظم العلاقة بينهما، فإن السائد هو تحكم الطرف الأميركي في المفاصل المهمة سياسية كانت أو اقتصادية.

ويضيف هذا الأمر إشكالات كبيرة في أداء الوزارات التي فقدت استقرارها وكوادرها أصلا نتيجة المحاصصة التي لم تتوقف عند اختيار الوزراء بل تعدت ذلك ووصلت إلى المدراء العامين ومدراء الأقسام.

ويتصرف الوزير على أساس مصلحة حزبه أولا وأخيرا، حسب ما تتداوله الصحافة المحلية في بغداد التي نشرت أن المدراء العامين في عدد من الوزارات يستبدلون بآخرين كلما جاء وزير جديد على وفق ما يرضي حزبه تاركاً الأنظمة والقوانين واللوائح الإدارية والمالية جانباً.

المصروفات معلومة والواردات مجهولة
"
وأكدت التقارير أن التنمية الاقتصادية وإعادة الإعمار في العراق لم تتحركا قيد أنملة، حيث إن خراب الحرب لا يزال على حاله ولم تحدث أي استثمارات جديدة محلية أو أجنبية
"
خلص تقرير مهم لقسم الاقتصاد والمال في جامعة بغداد، نشر أوائل شهر مايو/أيار من العام الحالي، إلى أن الشفافية منعدمة تماما بخصوص كيفية التصرف ببلايين الدولارات من العوائد النفطية التي تحققت منذ سقوط النظام السابق وحتى الذكرى الثانية للاحتلال حيث لا يُعرف من هو المسؤول عن إنفاقها.

كما لم تصدر وزارة المالية العراقية أية وثيقة توضح كيفية التصرف بهذه الإيرادات، والوثيقة الوحيدة التي قدمتها الوزارة المذكورة هي المبالغ المنفقة في عام 2004.

وأكّد التقرير أن التنمية الاقتصادية وإعادة الإعمار لم تتحركا قيد أنملة، حيث إن خراب الحرب لا يزال على حاله ولم تحدث أي استثمارات جديدة محلية أو أجنبية، وأن الإجراءات المتخذة، مثل إلغاء الرسوم الجمركية أدت إلى تدمير الكثير من الصناعات والنشاطات الاقتصادية والزراعية وهذا عدا القطاع العام الذي أصيب بالشلل نتيجة غياب التخصيصات والدعم الحكومي لإصلاح المعامل في المنشآت الصناعية التي دمرّها القصف الأميركي.

 وكشف تقرير قسم الاقتصاد في جامعة بغداد أن الفقر مازال يشمل 9 ملايين عراقي لا يتسلمون غير مواد البطاقة التموينية من الدولة، وهي في تناقص واضح، والبطاقة التموينية ليست انجازاً للعهد الجديد أنما امتداد لمرحلة عمرها 13 عاماً فضلاً عن مسألة ارتفاع الأسعار عموماً. 

وذكر تقرير لوزارة التخطيط والإنماء العراقية، في وزارة الدكتور إياد علاوي، أن نسبة البطالة في العراق لاتقل عن 60%.

لقد أدت قاعدة المحاصصة الطائفية والعرقية إلى انتشار الفساد الإداري والمالي الذي استشرى خلال العامين الماضيين، إذ أكدّت منظمة الشفافية الدولية أن العراق أصبح البلد الأول في العالم في الفساد الإداري والمالي. 

ولقد حدا هذا الأمر برئيس الوزراء الدكتور الجعفري أن يضع هدف محاربة الفساد في أولويات برنامج وزارته، إلا أن الكثير من الاختصاصيين يستبعدون إمكانية إنجاز هذه المهمة طالما بقيت المحاصصة الطائفية والعرقية قاعدة حاكمة في قيادة السلطات المتعددة عموماً.

مؤتمرات الدول المانحة
"
لم تتسلم الوزارات العراقية أية مبالغ من الدول المانحة التي شاركت في المؤتمرات والاجتماعات الخاصة بهذه المسألة، عدا جزء مما خصصته الولايات المتحدة لأغراض أمن قواتها
"
ما وصل إليه واقع الأشياء في العراق الجديد بفقدانه المؤسسات الإدارية التي تتمتع بالكفاءة والنزاهة، والتي تضع المصالح الوطنية قبل مصالح الأحزاب الوافدة ومصالح الإدارة الأميركية في البلاد، أدّى إلى تصدير المشاكل الداخلية إلى الخارج إن صح التعبير.

فلم يعد بالمستطاع إخفاء المعلومات التي نشرتها الصحافة الأميركية عن الغموض الذي أحاط عملية هدر 8.8 مليارات دولار من أموال مخصصة لإعمار العراق، وذلك خلال الفترة من نيسان/ابريل 2003 إلى حزيران/يونيو 2004.

وهكذا بالنسبة لمبلغ 1.4 مليار دولار نقلتها القوات الأميركية إلى مدينة أربيل حيث اختفت مثل اختفاء مبلغ 800 مليون دولار تسلمه قادة عسكريون في الجيش الأميركي.

وليس باستطاعة السلطات العراقية وإدارة الاحتلال أن تمنع المعلومات المهمة التي تتناولها الصحافة العراقية عن الفساد الإداري والمالي الذي طال حتى عمليات تشكيل أفواج لمغاوير الشرطة والحرس الوطني حيث يجند المتطوع لقاء مبلغ يدفعه إلى الضابط المكلف بتشكيل الفوج يصل أحيانا إلى 400 دولار، فيما يكون راتب الشرطي بعد تجنيده 350 دولاراً عدا حقوق مالية أخرى شهرياً.

وعندما كشفت الصحافة هذا الأمر اتخذت وزارة الداخلية قرارا بإلغاء تشكيل تلك الأفواج الجديدة. 

هذه الأوضاع جميعها انعكست في الخارج وتحولت إلى حالة هزّت ثقة الدول المانحة التي تعهدت بتخصيص أكثر من 30 مليار دولار لإعمار العراق حيث لم تتسلم الوزارات العراقية أية مبالغ من الدول التي شاركت في المؤتمرات والاجتماعات الخاصة بهذه الدول، عدا جزء مما خصصته الولايات المتحدة لأغراض أمن قواتها.

لذا كانت نتائج مؤتمر بروكسل للدول المانحة المنعقد في شهر يونيو/حزيران الماضي متحسبة جدا ومخيبة لآمال الوزارة العراقية واتفق المؤتمر على عدم إصدار أي قرار بتسليم المبالغ التي سبق أن قررها، وأجل الأمر إلى مؤتمر الدول المانحة القادم الذي سيعقد في العاصمة الأردنية عمّان.

انخفاض في الناتج الوطني
ويبدو أن هذه العوامل ونتائجها ونتائج الاحتلال أدت إلى أن ينخفض الناتج الوطني العراقي إلى أقل من 10% عما كان عليه في عام 1980 حسب دراسة للدكتور همام الشماع الاختصاصي والأكاديمي في جامعة بغداد، الذي أكد أن الاقتصاد العراقي الحالي بحاجة إلى أكثر من 200 مليار دولار للوصول إلى ما كان عليه قبل سنة 1980، مشيراً إلى ما أسماه بالفرص الضائعة للاقتصاد.

وقدر الشماع أن حجم الموارد المهدورة لا يقل عن 1250 مليار دولار، بعد مرور سنتين على الاحتلال فقط، أي بمعدل 53 مليار دولار أميركي شهرياً.
ــــــــــــــــــ
كاتب عراقي 

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة