معركة الخبز والزيت   
الأربعاء 1428/9/28 هـ - الموافق 10/10/2007 م (آخر تحديث) الساعة 16:42 (مكة المكرمة)، 13:42 (غرينتش)


ياسرالغرباوي

- ما السر؟
- الذاكرة التاريخية

- المنطقة العربية مسرح المعركة

ارتفع سعر القمح إلى أعلى مستوياته مسجلا رقما قياسيا متخطيا مستواه القياسي السابق لعام 1996 وسط تزايد حاد في الطلب ومخاوف بشأن تراجع الإنتاج العالمي، مما قد يزيد من معاناة شعوب دول الجنوب الفقيرة التي تعد المستورد الأكبر للحبوب الغذائية وخاصة القمح، حيث يعتبر الخبز المصنوع من القمح مكونا رئيسا في مائدة طعام هذه الشعوب.

"
بما أن الجنوب تخدمه أحيانا الأحداث العالمية فترتفع أسعار المواد الخام التي يصدرها، مثل ما هو قائم الآن من ارتفاع أسعار النفط، يكون الرد من الدول المهيمنة على سوق المواد الغذائية هو رفع أسعار الحبوب ردا على زيادة أسعار المواد الخام
"

وتعتبر حبات القمح على صغرها سلاحا إستراتيجيا للأسباب التالية:

1- القمح سلعة إستراتيجية سوقية ما دام المسؤول عن رغيف الخبز، وهو أبسط مقومات الحياة اليومية، إذ يمثل 95% من استهلاك الفرد اليومي في العالم النامي.

2- يساهم القمح فيما يقرب من أربعة أخماس السعرات الحرارية المستمدة من الحبوب يوميا.

3- يعد القمح من أكثر المحاصيل الزراعية أهمية في خريطة النشاط التجاري العالمي، وقد تبوأ هذا المركز بعد الثورة الصناعية والديموغرافية.

4- تنامي الطلب على القمح جعله سلعة إستراتيجية لأوصاف عديدة منها ضرورة خلط أنواع من القمح ببعضها حتى يتسنى استخدامها صناعيا.

5- يعد القمح أحد أساليب التأثير الاقتصادي في القرار السياسي للعديد من دول العالم وخاصة الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي.

6- دخول القمح فى معادلة البدائل الجديدة للطاقة في الولايات المتحدة الأميركية.

وتهيمن على سوق القمح العالمي دول الشمال الغنية الولايات المتحدة -أكبر مصدر للقمح عالميا- وكندا والاتحاد الأوروبي وفرنسا وروسيا بالإضافة إلى أستراليا، إذ تشير الإحصائيات إلى أن الولايات المتحدة تهمين على نحو 47% من صادرات الغذاء، وتظفر كندا وفرنسا وأستراليا والولايات المتحدة معا بما يقرب من أربعة أخماس صادرات العالم من القمح ونحو ثلاثة أرباع صادرات العالم من الحبوب. وتتحكم هذه الدول بطبيعة الحال في حجم وسعر المعروض من القمح عالميا.

ما السر؟
هذا الارتفاع غير المعتاد في أسعار القمح له تفسيران:
التفسير الأول هو ما نشرته الدول المهيمنة على السوق من أن الظروف المناخية السيئة هي المتورطة في هذا الارتفاع، حين هطلت الأمطار الغزيرة على فرنسا وكندا وغيرهما من الدول المصدرة للقمح، مما أثر على المحصول سلبا.

ويبدو هذا التفسير منطقيا لأن القمح مثل أي سلعة أخرى يخضع لنظرية العرض والطلب، وبما أن الطلب العالمي على القمح في تزايد والمعروض قليل فمن المنطقي ارتفاع الأسعار.

أما التفسير الثاني فيقلل من تأثير العامل المناخي لأن الأمطار كثيرا ما تضرب حقول القمح في العديد من الدول المنتجة وتبقى أسعار القمح في المستوى الاعتيادي ترتفع بنسبة ضئيلة لا تسبب ارتباكا للدول المستوردة.

وأصحاب هذا التفسير يضعون ارتفاع الأسعار في إطار أوسع من قضية العرض والطلب والتأثير المناخي، ويربطونه بارتفاع أسعار النفط، معتبرين أنه كلما ارتفعت أسعار المواد الخام -وخاصة النفط والغاز- بشكل قياسي ارتفعت أسعار المواد الغذائية وخاصة الحبوب وعلى رأسها القمح بنفس المستوى تقريبا.

وبما أن الجنوب تخدمه أحيانا الأحداث العالمية فترتفع أسعار المواد الخام التي يصدرها، مثل ما هو قائم الآن من ارتفاع أسعار النفط، يكون الرد من الدول المهيمنة على سوق المواد الغذائية هو رفع أسعار الحبوب ردا على زيادة أسعار المواد الخام.

الذاكرة التاريخية
ومما يجعل هذا التفسير مقبولا من وجهة نظري أمران:
أولهما أن الدول المصدرة للمواد الغذائية الرئيسية في العالم التي ذكرت في صدر المقال هي ذاتها الدول الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية المعروفة بـ"أو أي سي دي" (OECD) الطرف التقليدي في معادلة القوة والصراع في آن واحد مع الدول المنتجة للنفط أوبك.

وإذا كانت الثانية تسعى إلى تصحيح أسعار نفطها والحفاظ علي عوائدها، مغتنمة سمة احتكار القلة للإنتاج والاحتياطي، فإن المنظمة الأولى "أو أي سي دي" تعمد إلى رفع أسعار المواد الغذائية باستمرار لإجهاض أهداف أوبك والإجهاز عليها.

فواقعيا ارتفع سعر الطن الواحد من القمح من 60 دولارا في ستينيات القرن الماضي إلى ما يقرب من 196 دولارا في التسعينيات، ومن ذلك يتضح أن الدول المصدرة للمواد الغذائية وعلى رأسها القمح تستعمله سلاحا في وجه دول الجنوب.

هذا الواقع الجديد يعبر عنه طرح وزير الزراعة الروسي غوردييف فكرة إنشاء أوبك للحبوب في يونيو/حزيران من هذا العام في اجتماع اللجنة الروسية الأوكرانية حول مسائل تنمية المجمع الزراعي الصناعي.

"
الدول المهيمنة على السوق العالمي للحبوب تحتكر السوق الغذائية عبر الضغط على دول الجنوب إذا حاولت الاكتفاء الذاتي من القمح، وعدم تطبيق سياسة السوق الحرة بتقديم الدعم السخي للمزارعين الوطنيين بما لا يسمح للمزارعين في الدول الفقيرة بالمنافسة العادلة
"
وأعجب وزير سياسة الزراعة الأوكراني يوري ميلنيك بهذه الفكرة وأعلن أنه من الضروري أن تنسق روسيا وأوكرانيا وكزاخستان مواقفها وخطواتها في سوق الحبوب، ويفكر وزير الزراعة الروسي حاليا في كيفية جذب الولايات المتحدة وأستراليا إلى هذا المشروع.

وثانيهما أن هذه الدول المهيمنة على السوق العالمي للحبوب تحتكر السوق الدولي للمواد الغذائية من خلال ذراعين:
الذراع الأولى: إستراتيجية الضغط على دول الجنوب إذا حاولت الدخول في مسار الاكتفاء الذاتي من القمح.

وخير شاهد على هذا التجربة السعودية التي لم تكتمل نتيجة لعوامل عديدة منها الضغط الأميركي، حين زار كيسنجر السعودية سنة 1975، وكان من ضمن الأجندة التي تحدث عنها مع المسؤولين هناك زراعة القمح.

تساءل يومها منزعجا لماذا تزرعون القمح؟ نحن نستطيع أن نورد لكم القمح إلى ميناء جدة بسعر أرخص بكثير من تكلفة إنتاج الكيلو الواحد في السعودية، فلماذا تزرعون القمح؟

وعقد كيسنجر مؤتمره الصحفي الشهير في مطار الرياض، وقال فيه كلاما ساخنا مفاده: "افعلوا ما شئتم في الجزيرة العربية، وستكتشفون في المستقبل أنكم لن تستطيعوا شرب النفط"، كأنما يهدد بأنه إذا لم تقبلوا بسيطرتنا على النفط والقمح فسوف تندمون.

أما الذراع الثانية فهي عدم تطبيق الدول الغنية المنتجة للقمح سياسة السوق الحرة واتفاقيات التجارة العالمية الحرة، بتقديمها الدعم السخي للمزارعين الوطنيين بما لا يسمح للمزارعين في الدول الفقيرة بأي مجال للمنافسة العادلة في السوق العالمية.

المنطقة العربية مسرح المعركة
وبهذا التشخيص السابق (علاقة أسعار النفط بأسعار القمح) تكون المنطقة العربية هي إحدى مناطق الارتطام في معركة الخبز والزيت، إذ تحتكر المنطقة العربية 20% من احتياطي النفط العالمي و35 % من احتياطي الغاز العالمي ونحو 5% من احتياطي الفحم العالمي، وفى نفس الوقت فإن 52% من الحبوب يتم استيرادها من خارج العالم العربي.

وتأتى دولة عربية مثل مصر على رأس أكبر مستوردي القمح عالميا، إذ تستورد ما بين ستة وسبعة ملايين طن سنويا، وتأتي الجزائر في المرتبة الخامسة عالميا في سلم الدول الكبرى المستوردة للقمح، إذ تزيد قيمة وارداتها منه عن مليار دولار سنويا، ويشكل القمح المستورد في اليمن قرابة 95% من إجمالي القمح المستعمل في اليمن.

ويمكن تمييز إقليمين غذائيين داخل الوطن العربي للقمح وغيره من الحبوب والأغذية:
الأول: إقليم الفائض عن المتوسط العام لغذاء الفرد العربي، ويتمثل في إحدى عشرة دولة على رأسها مصر والسعودية.

والثاني: إقليم العوز الغذائي بالنسبة للمتوسط العام للفرد العربي، ويشمل تسع دول عربية على رأسها الأردن الذي ارتفعت نسبة نقص التغذية فيه خلال الفترة ما بين 1990 و1992، 2001 و2003، حيث زاد عدد من يعانون من الجوع في الأردن من 100 ألف إلى 400 ألف وزادت نسبة انتشار نقص التغذية بين السكان من 4 إلى 7%.

ويعتبر اليمن أبرز دول إقليم العوز الغذائي العربي في خلال الفترة من 90 و92 إلى 2001 و2003 حين زاد عدد من يعانون الجوع من 4.3 إلى 7.1 ملايين نسبة.

وبالتالي فإن هناك حاجة إستراتيجية ضرورية للاكتفاء الذاتي من الحبوب في المنطقة العربية حيث تتوفر الأراضي الخصبة في منطقة وادي النيل (مصر والسودان) وغيرها، مما لو زرع لوفر المواد الغذائية للمنطقة العربية قاطبة.

"
هناك حاجة إستراتيجية ضرورية للاكتفاء الذاتي من الحبوب في المنطقة العربية حيث تتوفر الأراضي الخصبة في منطقة وادي النيل وغيرها، مما لو زرع لوفر المواد الغذائية للمنطقة العربية قاطبة
"
وتمكن الاستفادة من نجاح التجربة السورية في تحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح وتصدير الفائض، إذ زودت في الفترة الأخيرة مصر والأردن واليمن بنحو 276 ألف طن من مخزوناتها الإستراتيجية من القمح.

والاكتفاء الذاتي من المواد الغذائية وخاصة القمح يتطلب إستراتيجية عربية متماسكة وقوية سنتناول بعض سيناريوهاتها التالية:
1-سيناريو مد الجسور: يتمثل في تعاون الدول العربية التي تمتلك الوفرة في العمالة الزراعية (مصر) والدول التي تمتلك الوفرة في الأراضي الزراعية الصالحة للزراعة (السودان).

وقد انتهت المنظمة العربية الزراعية في عام 1980 إلى جملة من الاستنتاجات، منها أن الأراضي الصالحة للزراعة في الوطن العربي تبلغ ما يقرب 198 مليون هكتار، في الوقت الذي لا يُستغل منها سوى ربعها (50 مليون هكتار تقريبا).

وتقدر الموارد المائية المتاحة للأقطار العربية في عام 2000 من مصادرها المختلفة بحدود 238 مليار متر مكعب، في حين أن المستغل لا يزيد عن 151 مليار متر مكعب، بمعنى آخر فإن الفائض المائي العربي يعادل حجم الإيراد السنوي لنهر النيل.

ويرجع السبب الرئيسي في عدم استغلال الموارد السابقة إلى عدم مد جسور التعاون بين دول الوفرة ودول الحاجة.

2- سيناريو البدائل الذكية: يتمثل في رفع إنتاجية المساحة المزروعة حاليا، برفع إنتاجية الهكتار الواحد بمعدلات تقارب مستويات الدول المتقدمة، وزراعة سلالات من القمح العالية الإنتاجية ومقاومة للظروف المناخية القاسية (نموذج بحوث د/ أحمد مستجير) الخاصة بسلالات القمح المقاومة للملوحة، وتعديل خريطة التركيب المحصولي بما يتناسب مع المستجدات الديموغرافية الجديدة وزيادة الطلب على الحبوب وخاصة القمح.

3- سيناريو شد الأحزمة: وهو الخيار الأشق والصعب على بلدان العالم العربي، ويتمثل في خفض كميات الاستهلاك من الحبوب التي تبلغ خمسي النمط الغذائي العربي بنسبة 40%، وهذا يتطلب جهود توعية جبارة وبدائل غذائية تقبل بها الشعوب.

ويمكن إبداع سيناريو رابع يجمع بين كل السيناريوهات السابقة وُيسرع خطوات خروج المنطقة العربية من مساحة العوز الغذائي.

ولو تحقق الاكتفاء الذاتي الغذائي للمنطقة العربية لأصبحت نوعا ما خارج دائرة الهيمنة بدرجة من الدرجات، لأن من لا يملك قوته لا يملك حريته.
__________________
كاتب مصري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة