في ظلال أزمة الرماد البركاني   
الاثنين 1431/5/13 هـ - الموافق 26/4/2010 م (آخر تحديث) الساعة 17:06 (مكة المكرمة)، 14:06 (غرينتش)
وحيد مفضل




صُناع الأزمة
عولمة المعاناة
وماذا بعد؟

"هش للغاية"، هذا أقل ما يمكن أن يوصف به عالمنا البائس الحالي، الذي ما انفك يخرج من أزمة حتى يدخل أزمة أخرى جديدة أشد إيلاما، وهذا رغم كل معالم المدنية الحديثة وكل أدوات التقدم العلمي المتاحة، والتي يفترض معها أن يبقى الجنس البشري أكثر أمنا وأقل معاناة من ذي قبل. لكن يبدو أن العكس هو الحادث، ويبدو أن العالم أصبح على موعد دائم مع الكوارث والجوائح الوبائية والأزمات المتتابعة، ولا عزاء هنا للعلم ولكل الثورات العلمية الحادثة.

لكن المثير والعجيب هذه المرة، أن تنبثق الأزمة من مجرد ثورة محدودة لبركان ضئيل يقع في أقصى أطراف الكرة الأرضية، ولم ينتج عنه سوى بعض الأدخنة والرماد البركاني، ولا أكثر. وهذا كله، إن كان له من دلالة، فيدل بالفعل على هشاشة أركان النظام العالمي الحالي وعلى ضعفه الكبير أمام أصغر المواد والكائنات حجما، سواء كانت فيروسات وبائية أو غبارا بركانيا.

بالنسبة لسحابة الغبار البركاني وبقية الغيوم والأزمات المظلمة المماثلة فأمرها مهما طال معروف ومؤكد أنه سيكون إلى زوال، لكن ما سيبقى عالقا في الأذهان هو عدد من الأسئلة الحائرة وملاحظات كثيرة تتعلق بصناع الأزمة الحقيقيين، ومدى استقلالية قرار الجهات المعنية بإدارة الأزمة، ودور العولمة في تفاقم حدة الأزمات الحادثة أو التخفيف من تأثيراتها، وقيمة العلم والمنهج العلمي طالما كانت المعلومات والتوصيات العلمية الصادرة موجهة أو مغلوطة. ونحسب أن هذا مما تنبغي مناقشته وإلقاء الضوء عليه هنا، لعل هذا يسعفنا في فهم مجرى الأمور أو الخلاص من الأزمات المماثلة القادمة.

صُناع الأزمة
"
في الماضي كانت "الأزمة" صناعة محلية، وعادة ما تنبع من قرار خاطئ أو متسرع, لكن مع ظهور التكتلات الدولية وتأسيس المنظمات الأممية المختلفة بدأت صناعة الأزمات تخرج من نطاق الفرد إلى نطاق المؤسسة
"
في الماضي كانت "الأزمة" صناعة محلية، وعادة ما تنبع من قرار خاطئ أو متسرع لقائد متهور أو معتد خارجي آثم، كما كانت آثارها نادرا ما تمتد خارج حدود القطر أو المنطقة الحادثة فيها، وهذا واضح للغاية من أكثر من مثال تاريخي سابق، ومن أبرزها حادثة حرق روما على يد نيرون، وحرق مكتبة الإسكندرية وغيرها.

لكن مع ظهور التكتلات الدولية وتأسيس المنظمات الأممية المختلفة منذ منتصف القرن الماضي، اختلف الوضع وبدأت صناعة الأزمات تخرج من نطاق الفرد إلى نطاق المؤسسة، والأمثلة على هذا كثيرة، وآخرها أزمة إنفلونزا الخنازير، التي استنفرت فيها منظمة الصحة العالمية الجميع محذرة من احتمال تحول الفيروس إلى وباء عالمي جانح، وذلك قبل أن يثبت خطأ هذه التقديرات، ومغالاة المنظمة في الأمر، وهو ما أسهم في تصاعد الاتهامات الموجهة للمنظمة بوجود شبهة للتربح وخضوعها لضغوط شركات صناعة الأدوية، وتغليب مصالح هذه الشركات على مصالح العالم.

نفس الأمر تكرر في أزمة الغبار البركاني الأخيرة، إذ كان البطل الأوحد وراء وقف جميع الرحلات الجوية المتجهة من وإلى شمال أوروبا بدافع الحفاظ على الأمن والسلامة، هو الحكومات الأوروبية المعنية، بإيعاز وتوصية ملحة من المنظمة الدولية للطيران المدني التابعة أيضا للأمم المتحدة، وكلاهما لم ينج بالطبع -وخاصة الأخيرة- من اللوم والتقريع على أسلوب تعاطيهما مع الموقف وجدوى القرارات المتخذة، لما انبنى عليها من خسائر فادحة على أكثر من مستوى.

وفي نفس السياق، لا يمكن كذلك تجاهل خطأ بعض تقديرات اللجنة الدولية للتغير المناخي التابعة للأمم المتحدة بشأن ذوبان بعض المناطق الجليدية، ودور ذلك في تزايد الهلع والفزع العالمي إزاء مخاطر التغير المناخي، وارتفاع مستوى سطح البحر والغرق المنتظر لقطاعات عريضة وطويلة من المناطق الساحلية عبر العالم.

نحن إذن أمام عدة حالات لعبت فيها المنظمات الأممية دورا كبيرا في خلق أزمات عالمية، لا في حلها، وهذا بدوره يثير أكثر من سؤال وعلامة استفهام عما إذا كان خطأ القرار الصادر عنها نابعا من وجود ضغوط عليها من بعض القوى الخارجية المتحيزة، سواء كانت من دول عظمى أو من لوبي المصالح والشركات الأجنبية الكبرى، أم كان الخطأ نابعا من عدم دقة المعطيات العلمية وتقديرات العلماء المختصين.

والحقيقة أن كلا الاحتمالين غير مقبول وكلاهما مر، لأن ترجيح الاحتمال الأول يعني عدم استقلالية القرار في هذه المنظمات، فإذا كان هذا مفهوما ودارجا بالنسبة لبعض المنظمات الدولية المسيسة مثل مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة، فهو ليس مفهوما ولا مقبولا على الإطلاق بالنسبة للمنظمات الدولية العلمية مثل منظمة الصحة العالمية أو منظمة الطيران المدني أو لجنة التغير المناخي، التي يفترض أن المعيار الأول فيها لإدارة الأمور وإصدار القرارات هو نتائج الأبحاث العلمية وآراء العلماء وليس توجهات الساسة أو لوبي المصالح والشركات الكبرى.

أما إذا كان الاحتمال الثاني هو الأرجح، فستكون هذه مشكلة كبيرة للغاية، لأن العلم ونتائج الأبحاث العلمية -بحسب ما يعرفا به منذ القدم- هما أداة للاستنارة والتوجيه، وليسا أداة للخلط أو التضليل. مفهوم أن تكون هناك بعض الأبحاث والنتائج التي تفتقد لبعض المعايير العلمية والتي تفضي بالتبعية إلى نتائج غير دقيقة أو متحيزة أحيانا، لكننا نتحدث هنا عن منظمات وكوادر علمية دولية يقوم عملها على منظومة احترافية كاملة، ومعايير علمية لا يمكن تخطيها أو التغاضي عنها، وهذا ما يفترض عدم وجود الخطأ، وإصدار القرارات على أعلى مستوى من الدقة والحرفية.

عولمة المعاناة
"
أصبحت أرجاء العالم موصولة ببعضها والمصالح والعلاقات متشابكة ومتداخلة بطريقة يستحيل فصلها، لذا بات الضرر في أغلب الأحوال محيقا بالجميع أو بمناطق ممتدة وكبيرة
"
من الملاحظات المهمة أيضا التي يمكن الخروج بها من أزمة بركان إيسلندا وبقية الأزمات السابقة، توحّد أسباب المعاناة الإنسانية وعولمة المعاناة في زمن الأزمات الحديثة. ففي الماضي حينما كان العالم عبارة عن جزر منعزلة، كانت المعاناة وأوجه الضرر مقصورة فقط على البلد أو الإقليم الواقع به الضرر أو على فئة محدودة من البشر، أما في عصر العولمة فقد تغير هذا، وأصبحت أرجاء العالم موصولة ببعضها والمصالح والعلاقات متشابكة ومتداخلة بطريقة يستحيل فصلها، لذا بات الضرر في أغلب الأحوال محيقا بالجميع أو بمناطق ممتدة وكبيرة على أقل تقدير، وهذا بغض النظر عن مكمنه أو الطرف المتسبب فيه.

وقد بدا هذا واضحا للغاية في الأزمة المالية الأخيرة، التي طالت كل دول العالم بما في ذلك دول الخليج الغنية ودول أفريقيا الفقيرة، وهذا رغم أنها صناعة غربية أميركية محضة. كما بدا واضحا أيضا في أزمة إنفلونزا الخنازير التي طال رُهابها جميع أصقاع العالم، والتي أدت إلى استنفار الجميع، وتكديس غالبية الدول لملايين الأطنان من الأمصال واللقاحات الوقائية، قبل أن يتبين فيما بعد ضعف الفيروس ومحدودية قدراته.

التوحد وعولمة المعاناة ينبعان أيضا من توحد الضرر وتوحد أسباب الخسارة، وقد رأينا في أزمة الرماد البركاني الأخيرة كيف تأثر العمال ومصدرو الزهور والفواكه والخضروات الطازجة في كل من كينيا والمغرب والصين ودول جنوب شرق آسيا من وقف الرحلات الجوية إلى أوروبا، وما ترتب على ذلك من خسارة فادحة لمئات الآلاف من هؤلاء العمال وآلاف الشركات العاملين فيها، كما رأينا تضرر شركات الطيران والنقل الجوي العربية خاصة في مصر ودول الخليج من جراء ما حدث، وهذا رغم ابتعادها عن موقع البركان وعن مسرح الأزمة.

ومن مظاهر هذا التوحد أيضا دعوة بعض شركات الطيران حاجزي تذاكر السفر إلى التخلي عن مقاعدهم وحجوزاتهم طوعا حتى يمكن إفساح المجال ونقل المسافرين العالقين في المطارات لوجهاتهم وبلادهم، ومقابلة هذه الدعوة بالإيجاب من قبل عدد كبير من المتطوعين والمسافرين المستقبليين على اختلاف جنسياتهم وديانتهم، وهذا بحسب البيانات الصادرة عن شركة الخطوط البريطانية "بريتش إيروايز" وشركة "فيرجين أتلانتك" الأميركية.

يجب ألا ننسى أيضا دور الوسائل التكنولوجية الحديثة من إنترنت وبث تليفزيوني مباشر وأقمار صناعية في سرعة نقل الخبر وفي وضع الفرد والمجتمع في قلب الحدث لحظة وقوعه، ودور ذلك في تطبيق مبادئ العولمة وإشاعة مفاهيمها، وإشاعة كذلك الرُّهاب والهلع بسرعة كبيرة وهذا بسبب تواتر التقارير والاجتهادات الشخصية والتوقعات، وما أكثرها في وقت الأزمة، عن الخسائر المتوقعة واحتمال تفاقم الأمور عبر تلك الوسائل.

وماذا بعد؟
"
من أهم الدروس المستفادة التي يجب الخروج منها من أزمة بركان إيسلندا، هو ضرورة وجود خطط طوارئ نافذة وآليات سريعة وفاعلة للتعامل مع الأزمات غير التقليدية الحادثة
"
لن تكون أزمة الرماد البركاني ولا غيرها هي آخر أزمات العالم، ولن يكون هناك منحى في الأرض بمنأى تام عن الكوارث والبلايا في كل وقت، لذا فأفضل سبل التعامل مع مثل هذا الموقف هو أخذ وضع الاستعداد والتعلم من دروس الماضي، مع تشديد دور العلم ودعم الأبحاث العلمية ومهمة العلماء بما يعينهم على تحسين مردود أبحاثهم وإيجاد إجابة للأسئلة والمشكلات العويصة القائمة.

من أهم الدروس المستفادة التي يجب الخروج منها من أزمة بركان إيسلندا، هو ضرورة وجود خطط طوارئ نافذة وآليات سريعة وفاعلة للتعامل مع الأزمات غير التقليدية الحادثة. فالعالم بات خلال هذه الأزمة في مواجهة موقف فريد لا عهد له به ولم يحدث من قبل إلا اختياريا بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول الشهيرة، إذ أجبر في هذه المرة على إغلاق المجال الجوي ووقف رحلات الطيران في نصف الكرة الأرضية، الأكثر حركة والأكثر حيوية، كما أجبر على التعامل دون سابق تجهيز أو استعداد مع بقية التداعيات والخسائر التالية التي عرفت اصطلاحا بتأثير الدومينو.

ويخطئ من يظن أن هذا الموقف حالة استثنائية أو غير قابل للتكرار ثانية، بل على العكس فالكرة الأرضية وحواف البحار والمحيطات محاطة -كما هو معروف- بجبال نار من البراكين الخامدة، وبأحزمة صخرية ملتهبة يمكن أن ينفجر أحدها أو مجموعة منها بقوة في أي وقت، مسببة كوارث عديدة وشللا مماثلا في حركة الطيران والنقل الجوي. ماذا سيكون الموقف وكيف سيتعين علينا التصرف حينها؟.

علينا كذلك الإجابة على تساؤل آخر هام، وهو ماذا لو استمر ثوران بركان إيسلندا وانبعاثاته المؤذية أو غيره من البراكين المستقبلية لشهر كامل أو لفترة أطول من خمسة أيام كما حدث، وكيف سيتعين علينا حينها تدبير احتياجاتنا الغذائية والطبية والصناعية الحيوية والعاجلة، في ظل اعتماد قطاع كبير من دول العالم على الشحن الجوي وعلى الاستيراد والتصدير المتبادل عبر هذه الوسيلة.

ولعل من الدروس المستفادة أيضا أن العلم -رغم جهود العلماء ورغم ما تحقق من تقدم تقني وطفرات علمية كبيرة، وخاصة خلال العقدين الأخيرين- ما زال عاجزا عن الإجابة عن أسئلة كثيرة، وما زالت أمامه تحديات كثيرة يجب عليه اجتيازها من أجل صالح البشرية، ومن ذلك ضرورة زيادة عوامل الأمان الجوي وتحسين وسائل الطيران والتقنيات المتاحة لمساعدة الطيارين على التحليق وسط الغبار ووسط الظروف الجوية الأخرى السيئة.

ومنه أيضا ضرورة زيادة قدرة المطارات الحالية والمستقبلية على استيعاب مزيد من المسافرين والرحلات الجوية في الأحوال الاستثنائية وفي وقت الأزمات، مع الحفاظ في نفس الوقت على معدلات الأمن والأمان المطلوبة.

"
بالإضافة لأزمة الرماد البركاني, على العلم والعلماء إيجاد حلول حاسمة لبقية المشاكل العالمية المتفاقمة مثل نقص الأمن الغذائي وشح المياه وانتشار الأمراض وتفشي المجاعات والتغير المناخي وغيرها
"

على العلم والعلماء أيضا إيجاد حلول حاسمة لبقية المشاكل العالمية المتفاقمة مثل نقص الأمن الغذائي وشح المياه وانتشار الأمراض وتفشي المجاعات والتغير المناخي وغيرها. هناك تقدم تقني واضح وثورات علمية متعاقبة نعم، لكن هناك أيضا مشاكل ملحة وأزمات متكررة وأزلية لم يمكن للعلم إلى حد الآن التعامل معها، ولم يمكنه الحد منها.

لا جدال في أن هذه هي مهمة العلم والعلماء. ولا جدال في أن دورنا هو دعم هذه المهمة، مع التبصر في نفس الوقت في مجريات الأمور وبقاء عيوننا مفتوحة على أسلوب عمل الجميع، بما يعفينا من تكرار استغلال الجهات والمنظمات المعنية بإدارة الأزمات للأحداث، وبما يقلل في الوقت نفسه من احتمالات حيود نتائج الأبحاث العلمية عن النهج القويم، أو خروج توصيات العلماء عن الصواب.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة