مؤتمر السلام.. أي أمل يرتجى؟   
الثلاثاء 1428/10/4 هـ - الموافق 16/10/2007 م (آخر تحديث) الساعة 16:13 (مكة المكرمة)، 13:13 (غرينتش)


أكرم البني

ليس من قبيل المبالغة الحديث عن إحساس عام وشائع بين الناس بأن مؤتمر السلام الذي دعا إليه الرئيس الأميركي جورج بوش ويزمع عقده في الخريف القادم لن يكون ذا قيمة، ولن يكون له أي تأثير أو مردود إيجابي في معالجة مشكلة الشرق الأوسط وفي القلب منها الصراع العربي الإسرائيلي.

الأمر الذي يفسر حالة اللامبالاة والعزوف عن الاهتمام بهذا المؤتمر، ما دام الكثيرون يعتبرونه أشبه بحدث صوري لا يستحق التوقف عنده، وأنه لن يقدم جديداً في تعديل ما هو قائم وتمكين الطرف العربي من مواجهة التحديات والمشاكل التي تعترضه.

والحقيقة إذا أردنا الانطلاق من حسابات توازن القوى القائم في اللحظة الراهنة وما يمكن أن يعطيه للعرب، فلا أمل يرتجى من مؤتمر كهذا مهما بذلت الجهود لإنجاحه.

"
المرجح أن يبقى غرض مؤتمر السلام تكتيكيا لا يتعدى إكساب القوى المعنية به شرعية وتميزاً في إدارة صراعاتها، دون استبعاد إمكانية استخدام المؤتمر يافطة للسلام كي تمرر تحتها اندفاعات هجومية وحروبا جديدة
"
فنقطة الانطلاق التي يمكن أن تفضي إلى نتائج ذات معنى هي ترجيح توازن المصالح وحسابات الحقوق والحاجات المتبادلة بعيدة المدى على توازن القوى، الأمر الذي يتطلب أول ما يتطلب توصل الغرب إلى قناعة راسخة والسعي لتحقيقها عملياً تقول إن استقرار المنطقة يستدعي البدء بحل الصراع العربي الصهيوني وجوهره المعضلة الفلسطينية مدخلا وحيدا لمعالجة جميع الملفات الأخرى وتسهيل إغلاقها.

هذه النتيجة ليست اكتشافاًً جديداً، فقد توصل إليها كثير من الباحثين في معاهد الدراسات الغربية، وخلص بعضهم إلى أن بقاء الوضع الفلسطيني جرحاً مفتوحاً يدفع الصراعات في المنطقة خارج سياقها الطبيعي ويعطيها معاني وتوجهات خاصة، معززاً نمو التطرف والإرهاب ومعرقلاً إلى أبعد حد، مشاريع التنمية الديمقراطية والإصلاح السياسي، بحيث ليس ثمة جدوى من التصدي لهذه المشكلات وتسويتها دون الرجوع إلى هذا الجذر والبدء بمعالجته.

إن فكرة مؤتمر للسلام لتسوية الصراع العربي الصهيوني ليست جديدة، إذ سبق أن طرح ما يشبهها في محطات مختلفة ولم تفض إلى النتيجة المرجوة، كان أهمها مؤتمر مدريد عام 1991 الذي جاء تتويجاً لما أفضت إليه المتغيرات العالمية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، واتكأ على نجاحات الإدارة الأميركية في عهد الرئيس جورج بوش الأب في خلق إجماع دولي حول مسألة تحرير الكويت.

لكن الدعوة إلى مؤتمر آخر اليوم تأتي في أوضاع مختلفة تماماً، مع توتر الأزمات التي تمر بها المنطقة واشتداد حدتها، وفي ظل إرباكات وصعوبات متنوعة تعاني منها مختلف الأطراف، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية، ما يعني تلقائياً أن الأمل ضعيف ومحدود حول إمكانية أن يلعب هذا المؤتمر دوراً كبيراً في نقل المنطقة إلى مستوى جديد، يكسر المألوف ويضع خطة جدية لتجاوز حالة الاستعصاء الراهنة، خاصة في معالجة المعضلة الفلسطينية.

والمرجح تالياً أن يبقى غرضه تكتيكيا لا يتعدى إكساب القوى المعنية به شرعية وتميزاً في إدارة صراعاتها، بما في ذلك تشجيع عملية فرز المواقف والقوى وتأجيج الخلافات السائدة دون استبعاد إمكانية استخدام المؤتمر يافطة للسلام كي تمرر تحتها اندفاعات هجومية وحروب جديدة.

فالدعوة إليه تتم مع تكاثر المؤشرات عن حرب قادمة صارت قاب قوسين أو أدنى، وتالياً على إيقاع الحشود العسكرية الأميركية في الخليج وتواتر التصعيد على الجبهة السورية ،كان أخرها الحديث عن غارة للطيران الإسرائيلي ضد موقع عسكري في عمق الأراضي السورية.

فضلاً عن أن توقيت انعقاده يترافق مع إلحاح الحاجة لمعالجة أزمات العراق وفلسطين ولبنان معالجة حاسمة بعد أن وصلت هذه الأزمات إلى الذروة أو إلى نهايات حرجة لا يمكن بأي حال تجاوزها دون فعل جديد.

"
يصح القول إن معظم الأطراف التي أعلنت تأييدها للمؤتمر تحاول أن تبحث عبره، ليس عن حل لحالة الاستعصاء التي تعانيها الصراعات الدائرة في المنطقة بل عن مخرج يخفف مأزقها الذاتي أو يسجل نقاطاً ضد خصومها
"
ولا يغير من هذه الحقيقة دعوة سوريا إلى المؤتمر التي يبدو أنها لم تصدر عن اقتناع أميركي بضرورة إشراك دمشق في أي عملية سلمية في الوقت الحاضر، وإنما ربما لتأمين الغطاء السياسي لحضور الدول العربية المعتدلة التي ترغب واشنطن وتل أبيب بشدة في حضورها رغم أنه لا أميركا ولا الدولة الصهيونية أظهرتا مثلاً اهتماماً بالمبادرة العربية للسلام التي أعادت قمة الرياض تفعيلها في مارس/ آذار الماضي بعدما كانت تبنتها قمة بيروت عام  2002.

ربما يصح القول إن معظم الأطراف التي أعلنت تأييدها للمؤتمر تحاول أن تبحث عبره، ليس عن حل لحالة الاستعصاء التي تعانيها الصراعات الدائرة في المنطقة بل عن مخرج يخفف مأزقها الذاتي أو يسجل نقاطاً ضد خصومها.

فتسعى إدارة البيت الأبيض إلى تعديل صورتها أمام الناخب الأميركي حين تظهر راعية للسلام وليس داعية لاستمرار التوترات والحروب، ربما على أمل استعادة بعض شعبيتها المفقودة، والإفادة من المؤتمر للالتفاف على ما تعانيها سياساتها من صعوبات في غير موقع، زادها صعوبة دخول بعض الأطراف الدولية كروسيا على الخط بصورة ليست مرضية ولم تكن متوقعة في هذا الوقت خاصة.

فهل تنجح إدارة البيت الأبيض في توظيف المؤتمر لتحسين سمعتها ولملمة صفوفها وقواها تحسباً للقادم وتطوراته بما في ذلك تسخيره لتمرير قرار مضمر بالحرب ضد إيران أو سوريا؟! أم أن الأمر هو مجرد رسالة صريحة تشعر الجميع وتنبههم بأن واشنطن لا تزال تملك زمام المبادرة بما في ذلك تسخير هذا التحشيد لردع تصعيد إيراني غير مسبوق وسياسة تدخليه باتت تسبب مصاعب كثيرة في غير مكان في المنطقة؟!. أم أن ما تسعى إليه إدارة البيت الأبيض ليس أكثر من مناورة قديمة لربح الوقت ولحشد القوى على أمل تبديل المعطيات والوقائع القائمة.

ثمة أقل من عام هو الزمن المتبقي للرئيس جورج بوش في الحكم، الزمن الذي يرجح أن يشهد مزيداً من احتدام الصراعات في المنطقة ومبادرات وأساليب أميركية نشطة، فسياسة واشنطن لن تعرف تراجعاً إلى الوراء أو انكفاء كما يحلو للبعض تغليب رغباته، ومسارها الرئيس ليس الاستسلام لمعاناتها ولصعوبات كبيرة تعترضها بل الاستمرار في النهج نفسه، في تحريك عناصر التغيير في المنطقة وإن تبدلت الأشكال والأساليب، على أمل خلق توازنات جديدة تعيد انتظام المجتمعات في إطار سياسي مختلف، مطمئنة إلى أن التفوق الأميركي، عسكرياً واقتصادياً وتكنولوجياً، سوف يقول كلمته في نهاية المطاف لتقرير كل شيء!



"
مصلحة إسرائيل في المشاركة بمؤتمر السلام هي تحقيق مزيد من الربح المعنوي والسياسي وإظهار نفسها طرفا راغبا في السلام وداعما له، والأرجح ألا ترتقي رغبتها إلى تحقيق نتائج ملموسة على صعيد تسوية الصراع مع الفلسطينيين
"
أما مصلحة إسرائيل في المشاركة بهذا المؤتمر فهي تحقيق مزيد من الربح المعنوي والسياسي وإظهار نفسها طرفا راغبا في السلام وداعما له، وهي التي بدت رابحة سياسياً ومعنوياً بعد تأزم الحال الفلسطينية واستيلاء حركة حماس على غزة، والأرجح ألا ترتقي رغبتها، كما هي العادة، إلى تحقيق نتائج ملموسة على صعيد تسوية الصراع مع الفلسطينيين، ولا يغير من هذه الحقيقة ما تثيره بعض التحليلات الإسرائيلية عن وجود توجه جدي نحو تحقيق انفصال أكبر وأوسع مع الفلسطينيين بما في ذلك تسليم مزيد من الأراضي للسلطة الفلسطينية وبناء ممر آمن بين غزة والضفة الغربية، والتوصل إلى حلول مرضية لمشكلة اللاجئين.

في المقابل ينعش مثل هذا المؤتمر السلطة الفلسطينية ويعزز وزنها ويأتي بمنزلة رد عملي على ما يؤخذ عليها أنها تسير في طريق مسدودة لتحصيل الحقوق، وهي التي قد تجد في المؤتمر مادة ضاغطة على إسرائيل لتقديم التنازلات في صالح سياسة الاعتدال الفلسطيني.

خاصة إذا ما استشعر المؤتمرون بكثير من الحساسية وقدروا ما قد يخلفه التأخر عن دعم سياسة الرئيس محمود عباس من احتمال عودة الرهان على حركة حماس ودورها، في حين لا حاجة لشرح موقف حركة حماس التي تشن حملة حادة وواسعة ضد المؤتمر وكان تصريح عدد من قادتها واضحاً في هذا الاتجاه.

فإلى جانب تخوفها من نتائج غير منصفة للحقوق الفلسطينية يمكن أن يسفر المؤتمر عنها، فإنها تعي جيداً أن تحقيق أي نجاح ملموس في المؤتمر يخفف معاناة الفلسطينيين يعني تعزيز شرعية الرئيس الفلسطيني وسحب البساط من تحت أقدامها نهائياً وهي التي خسرت كثيراً بعد مغامرة الاستيلاء على غزة.

وتقف سوريا في الصف نفسه ولأسباب متشابهة ومختلفة في آن، فنجاح المؤتمر أو تمكنه من أن يخطو خطوات عملية على طريق حل المعضلة الفلسطينية سوف يترك الوضع السوري وحيداً ومركوناً في الزاوية، ما يعني نزع أهم ورقة من يده، وهي الورقة الفلسطينية التي جاهد تاريخيا للاحتفاظ بها، ما يزيد من عزلته ويضعف إلى حد كبير موقعه التفاوضي.

وأيضاً تقف إيران في الخندق نفسه ولأسباب عديدة، منها معرفتها بأن نجاح المؤتمر سوف يفضي موضوعياً إلى تأكيد إهمال دورها وقدراتها في المنطقة، وأيضاً سقوط ذريعة معاداتها للصهيوينة التي تحاول بها استمالة المجتمعات العربية، وكلنا يتذكر ما أثارته تصريحات الرئيس أحمدي نجاد عن تدمير إسرائيل من تعاطف شعبي عام.

في الوقت الذي تحاول فيه الدول العربية الراغبة في حضور المؤتمر استثمار هذه الفرصة للتلاقي مع الرغبة الغربية في دعم الاستقرار وتسوية الصراع مع إسرائيل، ولإنقاذ مبادرة السلام العربية بعد أن وصلت إلى طرق مسدودة.

ينتظر الجميع مؤتمر السلام القادم، لكن دون الانصراف عن التوقعات النابعة من اليأس والإحباط. فالأرجح ألا ينجح المؤتمر العتيد في وضع حل شامل عملي وملموس للمعضلة الفلسطينية كما يرسم له وإن تمكن من معالجة جزئية لبعض المشكلات، ما قد يعزز الانقسام العربي والإقليمي وربما الدولي إذا استمر الموقف الروسي المتحفظ على طريقة الدعوة له وشكل عقده.

والأهم أنه سوف يزيد حدة الشروخ والتوتر وآليات الصراع بين السياسة الأميركية وما تمثله الأطراف التي تدور في فلكها أو تتقاطع معها إلى هذه الدرجة أو تلك، وبين المشروع المعارض لتقدمها في المنطقة وغيرها في العالم، وتتقدمه المواقف الإيرانية والسورية ويلقى دعماً صريحاً حيناً وخفياً أحياناً من أطراف عالمية باتت تقف على مسافة بينة من أساليب إدارة البيت الأبيض وأهدافها.

"
الجميع ينتظر مؤتمر السلام القادم، لكن دون الانصراف عن التوقعات النابعة من اليأس والإحباط. فالأرجح ألا ينجح المؤتمر العتيد في وضع حل شامل عملي وملموس للمعضلة الفلسطينية
"

دون أن نغفل حقيقة أن روسيا ومع استمرار تحفظها لن تتفرد في معارضتها وتدفع موقفها إلى حد الغياب عن المؤتمر بل يرجح أن تضعف تمثيلها هناك، وأن تستثمر الأزمة الأميركية في الشرق الأوسط لانتزاع بعض المواقع على حسابها.

فليس من قدرة لها في ظل توازنات القوى القائمة أن تذهب كثيراً إلى الأمام، إلى مناخات الحرب الباردة رغم وضوح بعض المؤشرات على هذا الصعيد، بدأت منذ قمة الدول الثماني وحدة موقفها من المشروع الأميركي للدرع الصاروخي في أوربا!

ليس المقصود هنا تبديد الأمل، لكن من الخطأ عدم رؤية الخلل المتمثل في الدعوة لمؤتمر سلام في ظل حدة الصراعات القائمة وتخندقها.

ومن الخطأ تالياً أن نغفل احتمال أن يتحول مثل هذا المؤتمر على النقيض من عنوان السلام الذي يعقد تحت لوائه، إلى غطاء لتحرير المزيد من العنف والتدمير.

وربما لتمرير قراراً بالحرب، أو أن يؤكد على الأقل الإحساس العام الشائع بأن مؤتمرا كهذا مثله مثل غيره من مؤتمرات السلام، لن يكون ذا قيمة، ولن يحمل أي مردود إيجابي أو جدي في معالجة الأزمات المتفاقمة التي تعصف في منطقتنا.
ــــــــــــ
كاتب سوري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة