الانتقال الديمقراطي العربي.. معانٍ ومفاهيم   
الأحد 2/4/1427 هـ - الموافق 30/4/2006 م (آخر تحديث) الساعة 15:28 (مكة المكرمة)، 12:28 (غرينتش)


أكرم البني

انطلاقا من استقراء تطور الحوارات الدائرة في الأوساط السياسية والثقافية حول الإصلاح والتغيير والنقاشات التي شهدها الكثير من المنتديات والحلقات الدراسية التي تواتر عقدها في الآونة الأخيرة وفي أكثر من عاصمة عربية، تستغرب وربما تفاجأ حين تكتشف أن إجماع النخب العربية على استخدام كلمة الإصلاح يخفي خلافات كبيرة في فهم ما يعنيه هذا المصطلح ودواعي استخدامه.

وإذا استثنينا دخول بعض أطراف الإسلام السياسي على الخط ممن صار يتداول عبارة الإصلاح على أنها تصحيح ما فسد والعودة إلى ضوابط الدين الصحيح وقواعده، فاللافت أن هناك لغطا كبيرا حول مفاهيم الانتقال إلى الديمقراطية.

"
مع استمرار ممانعة معظم الأنظمة العربية في تقديم أي تنازلات، والاكتفاء بإجراءات شكلية لتحسين صورتها وسمعتها، فإن عملية التغيير الديمقراطي لن تنجح إلا تحت الضغط وبالإكراه
"
واللافت أيضا أن ثمة استخداماً عشوائياً وغير مدقق لمفهوم الإصلاح يصل أحياناً إلى حد غياب رؤية واضحة حول ماهيته ومقوماته، فيتملكك شعور بأن الميل في خطاب غالبية القوى السياسة والفعاليات الثقافية لتبني فكرة الإصلاح ليس سوى شكل من أشكال الانجرار إلى المناخ الراهن.

فهو مطية لأغراض التعبئة السياسية والشعبية أكثر مما هو نتيجة قراءة دقيقة لحاجات المجتمع وطابع أزماته ومشكلاته وتالياً استنباط الحلول اللازمة في إطار مشروع واضح المعالم من زاوية الأهداف والقوى والوسائل.

هذا ما انعكس في تغييب المسافات والفواصل في المعنى والمبنى بين مصطلحات عديدة في مسار الانتقال الديمقراطي يجري تداولها بخفة واستسهال للإشارة من حيث الجوهر إلى الرغبة في تجاوز الحال القائمة نحو الأفضل والأحسن.

تسمع من ينادي بالتغيير وآخر بإصلاح شامل وثالثا بإصلاح جزئي ومحدود ورابعا بالتحديث والتطوير، مما استدعى الحاجة للوقوف نقدياً مع هذه المصطلحات وتحديد محتواها والسياق الذي يفترض أن تستخدم فيه.

فالتغيير هو دعوة إلى تعديل جذري في البنى والهياكل القائمة في المجتمع، وهو غالباً ما يعني انتقالا شاملا وليس جزئيا في مختلف مناحي الحياة، من وضع إلى وضع آخر مختلف تماماً يشبه من حيث الظاهر الثورات ويتميز بدرجة واسعة من المشاركة السياسية والشعبية وفق عمليتي هدم وبناء مترابطتين، بإزالة البنى والآليات القديمة وبناء بنى وآليات جديدة على أنقاضها.

بينما للإصلاح سياق مختلف يعني إجراء تعديل ينصب على البنى القائمة ذاتها بتبديلها أو تبديل بعض مكوناتها لضمان تطورها وقدرتها على الاستجابة لأوضاع وحاجات مستجدة، وقد يرمي إلى إعادة إنتاجها بصورة جديدة في شروط متغيرة بما في ذلك إزالة المثالب المعيقة لصالح مقومات التفاعل الإيجابي والتقدم.

وللإصلاح أنماط متعددة، فقد يكون شاملا وهنا يقترب إلى حد كبير من مفهوم التغيير، وربما يقتصر على حقل واحد أو أكثر من حقول النشاط الاجتماعي فيصح عندها القول بإصلاح اقتصادي وآخر إداري وثالث سياسي ورابع ديني أو قضائي أو ثقافي وهكذا.

وبالتالي يلتزم الإصلاح بمستوى معين من التغيير بأهداف تحدد محتواه بصورة مسبقة، فلا يمكن الحديث عن إصلاح بالعام أو عن مشاريع إصلاحية مجردة، ثم تبعا للهدف المتوخى إنجازه تندرج القوى المعنية فيه كرافعة وحاملة له.

أما التطوير أو التحديث فيمكن اعتباره شعاراً اعتراضياً من خلاله حاولت بعض السلطات العربية الالتفاف على المهام الحقيقية للإصلاح أو تفريغها من محتواها.

وهو تالياً شعار ينطلق أيضاً من الحفاظ على أسس الواقع الراهن لكن في سبيل تحسين أداء البنى والآليات القائمة وتأهيلها لبعض التكيف مع ما حدث من تطورات داخلية أو خارجية.

"
إصلاح الميدان السياسي ورفع أدوات القهر والقمع هو البداية الصحيحة التي توفر فرص نجاح عملية التغيير أو الإصلاح بأبعاده المختلفة
"
وعادة ما يلامس هذا الشعار بعض وجوه الإصلاح في حال ما إذا فرضت الأزمة المتفاقمة في المجتمع إيقاعها لتدفعه نحو حد مختلف يصل إلى إزاحة بعض المكونات العتيقة وإضافة مكونات جديدة، أو يبقى شكلياً ويقتصر على إزالة المترهل وإعادة تأهيل بعض القديم وضخ دماء جديدة وفتح المجال أمام تعديلات وظيفية أو إدارية وتجديد أشكال العلاقات والتنظيم بين الفعاليات السياسية والاجتماعية.

وغالباً ما تتم هذه التعديلات بقرارات سلطوية فوقية وبغياب الحد الأدنى من المشاركة السياسية والشعبية.

وطبعاً يختلف محتوى أي مفهوم من المفاهيم السابقة ويتمايز عن غيره، لا بطبيعة القوى المدعوة والمؤهلة لقيادته أو المشاركة فيه فقط وإنما أيضاً تبعاً للسياق التاريخي الذي يستخدم فيه.

وما دام التغيير الشامل يقوم على نسف القوى العتيقة وقواعد تجددها بصفتها المسؤول الرئيس عما وصلت إليه المجتمعات من ركود وتخلف، فهو يسقط الرهان على دور غالبية السلطة الحاكمة والأطراف التي يفيدها استمرار القديم.

بينما تتم حركة الإصلاح ثم مشاريع التطوير والتحديث في أغلب الأحيان تحت سقف سلطة سائدة تبدي تفهماً ورغبة في الانفتاح، وينجز بقيادتها أو بالتعاون معها أو مع بعضها متجنباً إحداث تبدل كبير أو نوعي في علاقة هذه السلطة مع الدولة والمجتمع، وأيضاً في طابع التفاعل بين حقول السياسة والاقتصاد والاجتماع والإدارة والثقافة...إلخ.

وبالتالي يمكن القول إنه في سياق تحديد ماهية القوى الاجتماعية المرشحة للمشاركة في عملية التغيير أو الإصلاح، وهل يجري بصورة فوقية وغامضة أم بشكل علني ومكشوف، نستطيع فهم طابع هذه العملية وتحديد مدى عمقها وآفاقها، وأيضاً طابع الوسائل الكفيلة بإنجازها والشكل الأنجع الذي يرجح أن تتخذه، أهو بالعنف أم عبر حراك مجتمعي سلمي ضاغط، أهو تراكمي وتدريجي أم عبر قفزات وقرارات نوعية تفتح الطريق أمام تطور سريع للقوى الجديدة وتبلورها.

فمثلاً يجد الكثيرون أنه مع استمرار ممانعة معظم الأنظمة العربية في تقديم أي تنازلات، والاكتفاء بإجراءات شكلية لتحسين صورتها وسمعتها، فإن عملية التغيير الديمقراطي لن تنجح إلا تحت الضغط وبالإكراه وبإجبار أهل الحكم على اتخاذ خطوات جدية لتغيير علاقتهم مع الدولة والمجتمع.

وتالياً لا يمكن الرهان على تغيير أو تجديد حقيقيين للبنى القائمة ومعالجة تشوهاتها الخطيرة ومشاكلها الكثيرة دون خطة واضحة وسياسات صريحة ترسم برنامجاً متكاملاً يعتمد في وجهه العملي أساساً على ضغط المجتمع وقواه الحية صاحبة المصلحة الحقيقية في تنفيذه، مما يعني ضرورة تركيز الجهد أولاً وثانياً على مهمة عتق الناس وتحرير إرادتهم.

ثمة إخفاق سياسي عربي عام وفشل ذريع لأغلب المجتمعات العربية في إنجاز الحدود البدائية من التنمية السياسية، وربما لم يعد ثمة بد من الاعتراف باستحالة مواجهة هذا الانسداد دون إنجاز إصلاح سياسي حقيقي يدشن -دون تقويض أو تدمير- عملية الانتقال من أشكال حكم مأزومة إلى الحكم الديمقراطي.

 إن إصلاح الميدان السياسي ورفع أدوات القهر والقمع هو البداية الصحيحة التي توفر فرص نجاح عملية التغيير أو الإصلاح بأبعاده المختلفة، خصوصاً أن غالبية المجتمعات العربية تحتاج في الظروف الصعبة والحرجة التي تمر بها إلى نموذج في العلاقة بين السلطة والمجتمع قادر على بلورة حد من الإرادة الجمعية وتمثيل المصالح المتعددة والمتباينة لكل الطبقات والفئات.

"
الإصلاح الشامل المتعدد الوجوه والحقول الذي يقترب كثيراً من مفهوم التغيير الديمقراطي هو ما يفترض أن يكون محط اهتمام الساعين لإنقاذ البلاد مما هي فيه، وهو الضرورة الملحة التي تمليها حاجات المجتمع ومسارات تطوره الطبيعية
"
هذا الأمر يفصح عن نيات الأنظمة العربية وما تقصده من دعواتها الإصلاحية التي ثبت خلال السنوات السابقة وتحديداً منذ إعلان قمة تونس عام 2004 أنها لا تتعدى السعي لحل مشكلاتها الخاصة والتكيف مع الضغوط التي تتعرض لها، أو التقدم في أحسن الحالات نحو صياغة مهمات تجميلية أشبه بجرعات محسوبة إدارية أو اقتصادية لا تمس جوهر السيادة السياسية، يراد منها حفز أداء مؤسسات الدولة المترهلة وتجديد قواها وتحسين مستوى المشاركة وتخفيف حدة الاحتقان الاجتماعي ولو إلى حين.

صحيح أن محتوى الإصلاح ووتيرته وآفاقه تتعلق بشدة بخصوصية الحاجة إليه في كل مجتمع على حدة، وتنوع أنماط الحكم في العالم العربي وتمايز مصادر شرعيتها، لكن الصحيح أيضاً أن من يدقق في التجربة العيانية لمسارات الإصلاح في مجتمعاتنا العربية وأسباب أزماتها لا يحتاج إلى جهد كبير ليكتشف ما هو مشترك بينها.

وإنه من العبث الرهان على علاج ناجع إذا لم يتضمن إجراءات سياسية تطلق دور البشر وتحررهم من الإقصاء والوصاية، وتفضي إلى بناء حياة جديدة تقوم على قواعد من التعددية والمشاركة.

وهنا يصح تصنيف النظم السياسية القائمة في البلدان العربية إلى نمطين يتوزعان بين النظم الجمهورية والنظم الملكية أو الأميرية، لكن الجامع بينها مع احترام وحفظ المسافات والتباينات هو ضعف قوامها الديمقراطي بصورة عامة.

وتتفاوت درجة الضعف بين نظم تعادي أبسط مظاهر الحياة الديمقراطية بغياب أدنى حقوق الإنسان وحرياته وهي الأغلب عدداً، وبين أخرى يتمتع إنسانها ببعض حقوقه وحرياته.

وإذ تختلف هذه النظم من حيث شدة أزمتها ودرجة حاجتها للإصلاح وإلحاحه وطابع مهامه وحقيقة القوى المؤهلة للمبادرة فيه، فإنها تتفق من حيث جوهر الأمر على هدف واحد هو إعادة إنتاج مصادر شرعيتها على النحو الذي تلغى فيه المصادر الشمولية والتوتاليتارية، لتحل محلها الشرعية الديمقراطية الدستورية المستمدة من الرجوع إلى الناس ومن التوافق الوطني العام.

ولعل عنوان هذا التحول هو إسباغ المعاني الجمهورية على النظم الجمهورية بتحريرها من أساليبها الأوتوقراطية ومن قوامها العصبي والفئوي وأيضاً تحويل النظم الملكية والأميرية إلى ما يشبه الملكيات الدستورية وخلق مقومات لتنشيط تفاعلها مع الدينامكية الاجتماعية والسياسية واستحقاقاتها.

وفي الخصوصية السورية أيضا لا يحتاج المرء إلى عناء كبير ليكتشف أنه من العبث الرهان على علاج ناجع لأزمتها إذا لم يتضمن إجراءات سياسية تطلق دور البشر وتحررهم من القهر والوصاية.

وهذا يعني أن الإصلاح الشامل المتعدد الوجوه والحقول الذي يقترب كثيراً من مفهوم التغيير الديمقراطي هو ما يفترض أن يكون محط اهتمام الساعين لإنقاذ البلاد مما هي فيه، وهو الضرورة الملحة التي تمليها حاجات المجتمع ومسارات تطوره الطبيعية.

فلا قيمة لمواجهة الفساد مثلاً وتردي الأوضاع الاقتصادية وشلل أو ترهل الإدارة أو مواجهة الضغوط والتحديات الخارجية إذا نظرنا إليها كظواهر وأمراض متفرقة، أو إذا لم نقرأها كنتائج ومخلفات متنوعة لداء رئيس تكثفه سيطرة مستديمة أدت إلى تكبيل الإنسان وقضت على روح المبادرة والإبداع لديه وخنقت فاعلية المجتمع وحيويته ودوره في الرقابة والمحاسبة.

"
أيقظت المتغيرات العالمية وتنوع التحديات الماثلة أمامنا قطاعات واسعة من الرأي العام العربي وفرضت على الأنظمة والمجتمعات على حد سواء ضرورة التغير والإصلاح والانتقال الديمقراطي
"
هذا ما يعني أن الحديث عن إصلاح إداري أو اقتصادي أو ثقافي لا يمكن أن يأتي أكله في ظل استمرار البنية التكوينية السياسية القائمة على إقصاء المجتمع وتغييب دوره، وتمركز السلطة والثروة بيد نخبة حاكمة تستند إلى كتلة ضخمة من البيروقراطية المدنية والعسكرية تلحمها أشكال من العلاقات المتخلفة العصبية والمحسوبية.

إن الحقيقة التي تستعصي على أي تجاهل هي أن الإصلاح المطلوب والمجدي هو إنجاز انفتاح واسع وجريء على الشعب وقواه الحية مما يعني إزاحة حالة التسلط والاحتكار عن مختلف الأنشطة الإنسانية سياسياً واقتصادياً واجتماعيا.

وأمام هذا المفهوم للإصلاح يغدو شعار التحديث والتطوير أشبه "بلعبة أطفال" تلهي الناس بإجراءات شكلية وفوقية متفرقة أو ببعض التعديلات الجزئية هنا وهناك، ربما تخفف مؤقتا من شدة المعاناة وتخفف الشعور بالألم لكنها لا تعالج جديا أمراض المجتمع وأزماته المختلفة، بل غالبا ما تفاقمها.

لقد أيقظت المتغيرات العالمية وتنوع التحديات الماثلة أمامنا قطاعات واسعة من الرأي العام العربي وفرضت على الأنظمة والمجتمعات على حد سواء ضرورة التغير والإصلاح والانتقال الديمقراطي.

واليوم فإن التدهور المريع للأوضاع العربية وتعثر عملية النمو وتأزمها وتراجع شروط الحياة المادية والمعنوية بشكل خطير تقرع ناقوس الخطر، فهل من سامع، وهل من مستجيب؟
__________________
كاتب سوري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة