إعصار الأسبوع الأخير من أكتوبر ومستقبل ولاية بوش الثانية   
الأربعاء 1/10/1426 هـ - الموافق 2/11/2005 م (آخر تحديث) الساعة 14:11 (مكة المكرمة)، 11:11 (غرينتش)

علاء بيومي

- إعصار الأسبوع الأخير من أكتوبر
- اليمين الأميركي أكبر تهديد لنفسه
- النبوءة والواقع والمستقبل

واجهت إدارة الرئيس جورج دبليو بوش بصفة خاصة والحزب الجمهوري بصفة عامة في الأسبوع الأخير من أكتوبر/تشرين الأول 2005، إعصارا سياسيا من نوع خاص مليئا بالمشاكل العاصفة لدرجة دفعت البعض إلى التنبؤ بدخول إدارة الرئيس جورج بوش الثانية في أزمة قد لا تشفى منها.

ويسلط هذا المقال الضوء على طبيعة الأزمة الراهنة ويحاول البحث في أسبابها ومدلولاتها على مستقبل ولاية بوش الثانية في سنوات عمرها الثلاث المتبقية.

"
لو حاول بوش التخفيف من حدة الانتقادات بتسليط الضوء على إنجازاته على ساحة السياسة الخارجية لواجهته تحديات الوضع القائم في العراق، ولو حاول تسليط الضوء على قضايا الداخل لواجهته فضيحة لويس ليبي
"
إعصار الأسبوع
الأخير من أكتوبر
في 28 أكتوبر/ تشرين الأول 2005 اضطر لويس ليبي مدير مكتب نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني للاستقالة من منصبه بعد أن وجهت إليه اتهامات بالحنث باليمين وتضليل العدالة في قضية تسريب اسم إحدى عميلات المخابرات الأميركية. ومازالت التحقيقات في القضية مفتوحة إذ تشمل شخصيات قريبة من الرئيس مثل كارل روف أقرب مستشاري بوش السياسيين.

وقبل ذلك بيوم واحد فشل بوش في حصد تأييد كاف لتعيين محاميته ومستشارته القانونية هاريت مايرز في المحكمة الدستورية العليا بعد أن رفضها الجمهوريون أنفسهم لعدم كفاءتها ولعدم رضا الجماعات المسيحية المتدينة عن سجلها وموقفها من قضية الإجهاض.

وهذه الحادثة أثبتت مدى نفوذ اليمين المسيحي وقدرته على تغيير قرارات الرئيس، كما أظهرت أن الجماعات المكونة لليمين الأميركي تتمتع باستقلال نسبي يضمن لها حماية مصالحها الخاصة حتى لو تم ذلك ضد رغبة الرئيس وعلى حساب وحدة اليمين.

وخلال الأسبوع نفسه تخطى عدد الجنود الأميركيين الذي لقوا مصرعهم في العراق منذ بداية الحرب حاجز ألفي قتيل، في إشارة رمزية إلى تعثر سياسات الإدارة الأميركية في العراق.

يأتي هذا في فترة يخضع فيها زعيم الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ بيل فريست لتحقيقات بسبب اتهامات تتعلق بمعاملات تجارية قام بها، وشكوك حول إمكانية أن يكون قد استغل سلطته في تلك المعاملات. وفي نفس الوقت اضطر زعيم الكتلة الجمهورية بمجلس النواب توم ديلاي للتنازل عن منصبه مؤقتا بعد توجيه اتهامات إليه تتعلق بخرق قوانين تمويل الحملات الانتخابية.

هذا إضافة إلى عدد من المشاكل التي تواجهها إدارة الرئيس بوش داخليا مثل العجز عن تمرير قوانين إصلاح نظام الضمان الاجتماعي، وهي أكبر الوعود التي قطعها الرئيس بوش على نفسه في بداية ولايته الثانية، وزيادة عجز الميزانية الأميركية، وتضخم الإنفاق الحكومي على البرامج الداخلية بشكل أزعج المحافظين أنفسهم، وشعور الأميركيين بضعف أداء إدارة بوش في التعامل مع تبعات إعصار كاترينا المدمر.

كما ظهرت على السطح خلافات بين إدارة بوش وبعض أكبر مسانديها في وسائل الإعلام الأميركية والكونغرس، حيث يرى هؤلاء أن المجموعة المحيطة بالرئيس جعلته يعلي من قيمة الولاء في اختيار مساعديه على قيمة الكفاءة، كما دفعته إلى ارتكاب أخطاء متكررة في حساب رغبات القواعد الجماهيرية المساندة له.

أضف إلى ما سبق زيادة النقد الذي يتعرض له بوش من بعض القيادات الجمهورية التي تطمع في خوض انتخابات الرئاسة الأميركية القادمة من أمثال السيناتور جون ماكين والسيناتور تشك هيغل.

ويزيد من تعقد موقف الرئيس الأميركي الحالي مواجهته لأزمات على الساحتين الداخلية والخارجية معا، ما يصعب عليه مهمة العثور على علاج سريع لأزماته عبر تغيير أجندة إدارته، إذ لو حاول بوش التخفيف من حدة الانتقادات الخارجية بتسليط الضوء على إنجازاته على ساحة السياسة الخارجية لواجهته تحديات الوضع القائم في العراق، ولو حاول تسليط الضوء على قضايا الداخل لواجهته فضيحة لويس ليبي ومشاكل التأمين الصحي وعجز الميزانية وارتفاع أسعار الطاقة.

وقد تبلورت المشاكل السابقة في تراجع ملحوظ للتأييد الشعبي للرئيس حيث وصل نسبة 39% فقط وفقا لاستطلاع أجرته صحيفة واشنطن بوست عشية الاتهامات التي وجهت للويس ليبي، كما عبر 55% من المشاركين في الاستطلاع نفسه عن اعتقادهم بأن الاتهامات التي وجهت لمدير مكتب نائب الرئيس تعبر عن مشاكل أخلاقية أكبر في إدارة بوش.

"
صعود اليمين المسيحي المتدين في أوساط الحزب الجمهوري وزيادة اعتماد قيادات الحزب عليه كقاعدة انتخابية، أزعج الجماعات اليمينية العلمانية لاعتقادها بأن زيادة التقارب بين البيت الأبيض واليمين المسيحي سيؤدي تدريجيا إلى عزلة الجمهوريين
"
اليمين الأميركي
أكبر تهديد لنفسه
في منتصف عام 2004 تنبأ بعض الباحثين بأن هزيمة الحزب الجمهوري الأميركي وتراجعه ستأتي من قبل المحافظين الأميركيين أنفسهم وليس من قبل خصومهم الديمقراطيين.

أصحاب هذه النبوءة هما إدريان ولدريدج وجون مايكلثويت مراسلا مجلة ذي إكونومست البريطانية في الولايات المتحدة ومؤلفا كتاب "أمة اليمين.. قوة المحافظين في أميركا" الصادر في صيف عام 2004 والذي يعد أحد أبرز الكتب الصادرة مؤخرا عن بنية ومستقبل التيار اليميني الحاكم في الولايات المتحدة.

وقد أيد النظرية السابقة عدد متنام من المقالات المنشورة حديثا في أكبر الصحف الأميركية عن قوى الوحدة والتفرقة في أوساط اليمين الأميركي.

النبوءة السابقة تقوم على اعتقادين رئيسيين: أولهما الاعتقاد بضعف اليسار الأميركي وعجزه عن أن يمثل تهديدا حقيقيا للمحافظين وللحزب الجمهوري في الفترة الحالية.

ويكفي هنا أن نشير إلى عجز الحزب الديمقراطي عن تشكيل قيادة سياسية موحدة تشكل قاعدة لإطلاق رسالة الحزب المناهضة لسياسات الرئيس بوش، فقيادة الحزب الديمقراطي ما زالت منقسمة بين شخصيات مثل جون كيري وهاورد دين وقيادات ذات شعبية مثل هيلاري كلينتون إضافة إلى قيادات الديمقراطيين بالكونغرس مثل نانسي بالوسي وهاري ريد وهما أقل شعبية من القيادات السابقة.

كما أن غالبية قيادات الحزب الديمقراطي بالكونغرس ما زالوا مشغولين بمحاولة أن يفسروا للشعب الأميركي كيف ساندوا الحرب على العراق ثم تراجعوا عن مساندتها بعد تعقد الأوضاع هناك.

هذا إضافة إلى الهزائم التي لحقت بالحزب الديمقراطي في السنوات الأخيرة والتي أفقدته السيطرة على البيت الأبيض وعلى الكونغرس الأميركي بمجلسيه، ما حرم الديمقراطيين فرصة احتلال مراكز صنع القرار والاستحواذ على الأضواء السياسية.

الاعتقاد الثاني يرى أن انتصارات الحزب الجمهوري المتتالية منذ أوائل التسعينات من القرن الماضي جذبت معها عددا من العوامل السلبية التي قد تمثل تهديدا متناميا لمستقبل الحزب إذا لم يتم تداركها والتعامل معها بشكل سريع وحكيم.

من بين تلك العوامل نمو خيمة الحزب بشكل مضطرد نتيجة لانتصاراته المتتالية، ما جعلها تضم مزيدا من الجماعات المتعارضة والمتصارعة، إذ نجح اليمين الأميركي مؤخرا في أوساط الجامعات وبعض الأقليات، ما ضخ دماء شابة جديدة وغير تقليدية في أوساط الحزب.

في الوقت نفسه زاد الحزب من انتشاره في أوساط الأثرياء وأوساط المسيحيين المتدينين، إضافة إلى نشاط المحافظين الجدد في أوساط الحزب وهم بدورهم تيار له خصائصه غير التقليدية التي تختلف بوضوح عن خصائص اليمين الأميركي التقليدي الذي يميل بطبعه إلى الواقعية والعزلة.

وقد أدت التطورات السابقة إلى زيادة الخلافات في أوساط الحزب خاصة مع سعي كل جماعة لتعظيم مكاسبها بعد فوز إدارة بوش بولاية ثانية بما يضمن لكل منها مكانة أكبر في أوساط الحزب الجمهوري في الانتخابات التشريعية والرئاسية المقبلة.

كما أن سيطرة الحزب الجمهوري على الكونغرس بمجلسيه وعلى البيت الأبيض قللت من رغبته في المهادنة والتعاون مع قيادات الحزب الديمقراطي في الكونغرس لشعور الحزب بالاكتفاء الذاتي وعدم الحاجة إلى خصومه، وهو أمر انعكس على علاقة قادة الحزب الجمهوري مع نظرائهم الديمقراطيين ما زاد من حالة الاحتقان السياسي في واشنطن.

هذا إضافة إلى صعود مكانة اليمين المسيحي المتدين في أوساط الحزب الجمهوري وزيادة اعتماد القيادات الجمهورية -وعلى رأسها بوش- على اليمين المسيحي كقواعد جماهيرية انتخابية للحزب بشكل أزعج الجماعات اليمينية العلمانية التي رأت أن زيادة التقارب بين البيت الأبيض واليمين المسيحي سيؤدي تدريجيا إلى عزلة الجمهوريين عن التيار الأميركي العام الأقل تدينا.

أضف إلى ذلك عدم رضا القوى اليمينية التقليدية عن عدد كبير من سياسات الإدارة على المستويين الداخلي والخارجي، فالمحافظون التقليديون يرفضون مبالغة بوش في الإنفاق على البرامج الحكومية الداخلية وعدم اكتراثه بنمو عجز الميزانية الأميركية، كما يرفضون أيضا رغبة المحافظين الجدد في نشر الديمقراطية عبر العالم مستخدمين القوة العسكرية الأميركية.

العوامل السابقة دفعت إدريان ولدريدج وجون مايكلثويت وآخرين إلى التنبؤ بزيادة التحديات التي يمثلها الجمهوريون لأنفسهم، خاصة في ولاية بوش الثانية لزوال رغبة الجمهوريين في التوحد خلف الرئيس بعدما انتهت مهمته بفوزه بولاية ثانية.

ونظرا لإعلان نائب الرئيس ديك تشيني عزمه عدم خوض انتخابات الرئاسة الأميركية المقبلة، ما يعني أنه ينبغي على الجمهوريين في السنوات الثلاثة المقبلة البحث عن قيادات جديدة قادرة على الفوز في انتخابات عام 2008 على أن تكون قيادات مستقلة قادرة على الاحتفاظ بمزايا بوش وعلى نقد خطاياه، إلى درجة أن البعض تنبأ بأن الجمهوريين قد يقدمون على التضحية ببوش وإدارته في السنوات الثلاث المتبقية من عمر إدارته إذا شعروا بأنه أصبح هو وسياساته عبئا على شعبية الحزب وقدرته على الفوز في الانتخابات المقبلة.

"
الأزمات الأخيرة التي تعرضت لها إدارة بوش وبعض أكبر قيادات الجمهوريين خلال الفترة الأخيرة نابعة من أخطاء ارتكبها القادة الجمهوريون أنفسهم وليست ناتجة عن صراعات سياسية خاضوها ضد خصومهم الديمقراطيين
"
النبوءة والواقع
والمستقبل
ولو حاولنا أن نطبق النبوءات السابقة على أزمات بوش الأخيرة لوجدنا أنها تنطبق إلى حد كبير، فالأزمات الأخيرة التي تعرضت لها إدارة بوش وبعض أكبر قيادات الجمهوريين بالكونغرس خلال الفترة الأخيرة هي أزمات نابعة من أخطاء ارتكبها القادة الجمهوريون أنفسهم وليست ناتجة عن صراعات سياسية خاضوها ضد خصومهم الديمقراطيين، كما أظهرت الأزمات السابقة حجم الخلافات الموجودة داخل خيمة الجمهوريين أنفسهم.

ولكن هل يعني ذلك أنه يستحيل على بوش والحزب الجمهوري العثور على مخرج من الأزمة الحالية؟

في اعتقادي أن الإجابة لابد أن تكون بالنفي، فالرئيس ما زالت لديه ثلاث سنوات كاملة من عمر إدارته الثانية ومن ثم أمامه متسع من الوقت لتغيير مسار إدارته وتحسين علاقته بقواعده الجماهيرية والرأي العام الأميركي بشكل عام.

كما أن الرئيس ما زال يتمتع بتأييد غالبية القواعد الجماهيرية اليمينية وهو يتمتع برضا 40% من الشعب الأميركي تقريبا، وهي نسبة معقولة توضح أن غالبية الجمهوريين والمحافظين بشكل عام ما زالوا يساندونه هو وإدارته اليمينية.

وتشير بعض التقارير الصحفية الحديثة إلى أن بوش ما زال يتمتع بشعبية في أوساط قواعده الجماهيرية وقدرة كبيرة على تحريك الجماهير وجمع التبرعات السياسية.

ومن الواضح أن بوش سيكون أكثر حرصا في الفترة المقبلة على إرضاء قواعده الجماهيرية خاصة بعد درس هاريت مايرز.

أخيرا.. ما زال الحزب الديمقراطي يعاني من فترة مخاض صعبة وعسيرة، وما زال غير قادر على توحيد قيادته ورسالته بالشكل الكافي، وهو ما سيسمح بإعطاء اليمين الأميركي هامشا أكبر للمحاولة والتجربة والخطأ دون الخوف من دفع تكلفة سياسية باهظة، وإن كان ينبغي على اليمين الأميركي عدم المبالغة في استغلال هذا الهامش حتى لا يتحول إلى العدو الأول لنفسه كما تشير النبوءة.
___________
كاتب مصري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة