شيعة المنطقة والأقليات في ظل الربيع العربي   
الثلاثاء 1432/11/29 هـ - الموافق 25/10/2011 م (آخر تحديث) الساعة 17:03 (مكة المكرمة)، 14:03 (غرينتش)
ياسر الزعاترة

 
أعادت أحداث قرية "العوامية" التي وقعت قبل أسابيع المسألة الشيعية في المملكة العربية السعودية إلى واجهة الأحداث من جديد، وهي جزء من معضلة الأقليات في المنطقة، وفي مقدمتها الأقلية الشيعية، مع العلم أن المسألة لم تخرج من سوق التداول السياسي منذ احتلال العراق ولغاية الآن، وربما قبل ذلك أيضا.
 
الخطاب الرسمي السعودي كان واضحا في تحميل إيران المسؤولية (لا حاجة لذكرها بالاسم، لأن الجميع يعرف ما تعنيه عبارة "دولة أجنبية" في سياق من هذا النوع). وفيما ذهب عدد من رموز الشيعة في المملكة إلى تهدئة الأوضاع تبعا لما قيل إنه استخدام للسلاح (أو العنف) من قبل بعض الشبان الشيعة أدى إلى إصابة عدد من رجال الأمن، فقد هبَّ كثيرون من الطرف الآخر لنجدة الدولة والتنديد بدعاة الفتنة والمطالبة بالأخذ على أيديهم، مع ذهاب بعضهم أبعد من ذلك بالتحذير من خطر الشيعة عموما على استقرار دول الخليج وعموم المنطقة.
 
"
هل وجود مظالم لأهل السنّة في إيران يستدعي الرد عليها بظلم الشيعة في الخليج؟ العقل يقول لا، لكن الغرائز والخطاب المذهبي في بعض تجلياته تقول نعم
"
هكذا تحولت الأحداث في القرية المذكورة رغم محدوديتها إلى مناسبة لاستعادة الجدل في الساحة السعودية بين الشيعة الذين يقولون إنهم يعانون من التمييز، وبين الغالبية السنّية التي تتهمهم بإثارة الفتنة والتبعية لإيران، مما يفرض أسئلة لا بد من  طرحها بخصوص هذه المعضلة التي تطل برأسها بين حين وآخر على نحو مثير، فيما يتقد جمرها تحت الرماد طوال الوقت.
 
لعل السؤال الذي يطرح نفسه ابتداءً في هذا السياق هو: هل ثمة تمييز بالفعل ضد الأقلية الشيعية في السعودية، وتبعا لذلك في دول الخليج؟ الجواب سيختلف بالطبع بين طرف وآخر، إذ يصر بعض السنّة -ومعهم الخطاب الرسمي- على رفض وجود شيء كهذا، مع أن التمييز واقع من دون شك، بصرف النظر عن حجمه، بخاصة في البحرين ذات الغالبية الشيعية (غالبية بسيطة وليست مطلقة كما يذهب البعض)، وبدرجة أقل في السعودية تبعا لكونهم أقلية.
 
ما إن يطرح أمر كهذا حتى ينبري بعض إخواننا في المملكة وعدد من دول الخليج إلى التذكير بمظالم أهل السنّة في إيران (هو اعتراف ضمني بالتمييز ضد الشيعة)، وهي مظالم لا ينكرها عاقل، بل إن التمييز في إيران يتجاوز من وجهة نظر كثيرين أهل السنّة إلى العرب (غالبيتهم شيعة)، وبعد ذلك العرقيات الأخرى، وهي كثيرة في إيران، وبالطبع لحساب الفرس الذين يشكلون حوالي نصف السكان.
 
لكن السؤال الذي يطرح نفسه من جديد هو: هل وجود مظالم لأهل السنّة في إيران يستدعي الرد عليها بظلم الشيعة في الخليج؟ العقل يقول لا، لكن الغرائز والخطاب المذهبي في بعض تجلياته تقول نعم، لا سيما حين يُتهم الشيعة بأنهم يوالون إيران وليس الدول التي يعيشون فيها ويحملون جنسيتها.
 
هكذا نجد أنفسنا أمام سؤال الولاء الصعب، وحيث لم تكتشف الأبحاث الحديثة فحوصات مخبرية تقيس نسبة الولاء في الدم، وفي العالم الحديث تختلط الأقليات بشتى تصنيفاتها المذهبية والدينية والعرقية على نحو معقد، فيما نعلم أن الدولة القومية بطبعتها الحديثة ليست ضاربة الجذور في التاريخ، أعني لجهة الحدود "المقدسة" والسيادة والعلم والنشيد الوطني، فيما كانت الولاءات تتم قبل ذلك على أسس أخرى في السابق (دينية ومذهبية وعرقية)، وهي ولاءات لم تختف من الأجندة الشعبية لغاية الآن.
 
في الزمن الحالي ثمة انتماء لوطن يمنح الحقوق والعدالة والمساواة، لكن ذلك كله لا يحول بين البعض وبين بيع الولاء لجهات أخرى بصرف النظر عن الدوافع (من بينها دينية ومذهبية ومصلحية وأيديولوجية وعرقية)، لكن الحكم على الولاء لا يتم إلا من خلال السلوك اليومي (تخضع وسائل الاتصالات بمجملها للرقابة)، فيما يمكن قياس الولاء من خلال العطاء للوطن على مختلف الأصعدة.
 
والحال أن وجود التمييز يضع حاجزا بين الإنسان وبين الولاء الحقيقي النابع من القلب، لأنه بطبعه ينفر ممن يظلمونه ويحب من ينصفونه، كما يفضل العيش في المكان الذي يوفر له الحياة الكريمة، مما يفرض على من يطالبون الناس بالولاء أن يمنحوهم حقوقهم قبل ذلك. والحقوق هنا تعني الحقوق المدنية للشركاء في الوطن، ومن ضمنها الحقوق الدينية أيضا بصرف النظر عن الموقف من المعتقد الديني للفئة المعنية، وما إذا كان صائبا أم لا، لأننا نتحدث عن إدارة الدنيا، أما الآخرة فلها شأن آخر، لأن كل طرف يرى أنه عنوان الحق والصواب.
 
"
البعض يستخدم فزاعة الأقليات من أجل التهرب من استحقاقات الإصلاح السياسي الذي يمنح الولاية للشعب بعيدا عن استئثار فئة بعينها بالسلطة والثروة
"
ثمة بعد مهم في الجدل الذي نحن بصدده، يتعلق باستخدام البعض لفزاعة الأقليات من أجل التهرب من استحقاقات الإصلاح السياسي الذي يمنح الولاية للشعب بعيدا عن استئثار فئة بعينها بالسلطة والثروة، ولعل ذلك البعد هو الذي يفسر كثرة طرح القضية منذ اندلاع الربيع العربي، وهو ذاته ما يفسر الحساسية التي أخذت تتبدى حيال تركيا (السنية) بسبب تركيزها على مسألة الإصلاح وحقوق الإنسان.
 
هذا البعد يتيح للمراقب القول إن تحركات الشيعة في السعودية والخليج، ومن ضمن ذلك البحرين، معطوفة على الرعونة الإيرانية في التعامل مع بعض ملفات المنطقة (بخاصة في سوريا وقبلها في البحرين) سيكون لها (بل كان بالفعل) أثرها السلبي البالغ على مسيرة الإصلاح في هذه البقعة من العالم العربي، ولو توفر عقل ومنطق لكانت مطالب الإصلاح الخالية من أية نكهة مذهبية هي المحطة الأساسية باتجاه دولة المواطنة التي تمنح البشر حقوقهم المدنية (ومن ضمنها الدينية) بعيدا عن الانتماءات المذهبية والطائفية، مع التأكيد على حق الأغلبية في الاستناد إلى عقيدتها وهويتها في قضايا التشريع المختلفة (حتى لا يعتقد البعض أننا ندعو للعلمانية) من دون جعل ذلك سببا لاستهداف الأقلية أو الأقليات.
 
ونعلم أن لا أحد يعترض على أن يكون الحزب الديمقراطي المسيحي هو الحاكم في ألمانيا، أو أن تنص عدد من الدساتير الأوروبية (اليونان، إسبانيا، بريطانيا، السويد، الدانمارك على سبيل المثال) على أن ينتمي الرئيس أو الملك إلى مذهب الغالبية.
 
ولعلنا نضيف القول إن من الأفضل للشيعة في هذه المرحلة أن يتركوا الحراك الشعبي يأخذ مداه في المطالبة بالإصلاح، ولا نشك في أن تغير منظومة الحكم ستكون في صالحهم مثلما هي في صالح الغالبية، لأن هامشية الشراكة الشعبية في السلطة والثروة ليست رهنا بهم، بل تشمل الغالبية أيضا.
 
في البحرين ثمة حالة واضحة الخصوصية، ذلك أن الاعتراف بمظالم الشيعة لا يستتبع تأييدا لخطاب القوى المعبرة عنها، والذي لا يأخذ الظروف المحلية والعربية والإقليمية في الاعتبار، وفي ظني أن ثمة رعونة إيرانية أيضا في التعامل مع هذا الملف عنوانها الميل لاستخدامه في مناكفة دول الخليج رغم إدراك إيران لاستحالة تمرير مطالب الشيعة كاملة، بما تنطوي عليه من تغيير لمنظومة الحكم برمتها، وإن بطريقة غير مباشرة. لكن ذلك لا يعفي نظام الحكم من التقدم بصيغ إصلاحية تنفس الاحتقان بدل التركيز على الحل الأمني.
 
من الضروري الإشارة هنا إلى موقف الأقليات من الثورات العربية، بخاصة في الحالة السورية التي يستخدم فيها النظام هذه الفزاعة من أجل دفع الأقليات للانحياز إليه في حربه مع الثورة الشعبية، ونتذكر هنا موقف البطريرك الماروني (اللبناني) بشارة الراعي وموقف الجنرال ميشال عون، وهذه المواقف لن تؤدي إلى إفشال الثورة، ولا الثورات، بقدر ما ستزيد الحساسيات الطائفية والمذهبية، والأفضل لجميع الأقليات أن تنحاز ضد الدكتاتورية لا إليها.
 
"
من دون تفاهم سعودي وعربي مع إيران، ستبقى معضلة المذهبية قائمة، كما أن تفاهم الطرفين على أسس للتعايش وحسن الجوار، ومعهما تركيا كثقل آخر في الإقليم سيكون كفيلا بحل الإشكالات القائمة
"
أما البعد الذي لا يقل أهمية فيتمثل في استخدام السياسة للأديان والمذاهب لتحقيق أهداف خاصة تتعلق بالأنظمة ونخبها الحاكمة، مما يعني أنه من دون تفاهم سعودي (وعربي شامل بالضرورة تتصدره مصر) مع إيران، فستبقى هذه المعضلة قائمة، لكن تفاهم الطرفين على أسس للتعايش وحسن الجوار، ومعهما تركيا كثقل آخر في الإقليم سيكون كفيلا بحل الإشكالات القائمة، أو معظمها في أقل تقدير، وسيربح الجميع، سواء كانوا من الأكثرية أم الأقلية، لكن ذلك لن يتم من دون حالة تعددية في الدول المعنية تحرر القرار السياسي من سطوة الفساد في الداخل ومن التبعية للخارج في آن. 
 
وفي اعتقادي إن نجاح الثورة في سوريا سيساهم في لجم الغرور الإيراني، فيما سيساهم مسلسل الثورات الشعبية في دفع عجلة الإصلاح في سائر الدول العربية الأخرى (الملكية وشبه الملكية) ومن ضمنها دول الخليج، وسيفتح المجال واسعا لتفاهم سياسي يلجم الأبعاد المذهبية والطائفية ويركز على تعزيز وضع الإنسان وكذلك تعزيز القواسم المشتركة بين شعوب المنطقة (ينبغي أن يكون ذلك محطة في اتجاه شكل من أشكال الوحدة العربية) بعيدا عن قوى الخارج التي لا تريد لهذه المنطقة سوى أن تبقى مصدرا للمواد الخام الرخيصة وسوقا للاستهلاك، مع الحفاظ على مصالح الكيان الصهيوني، الأمر الذي لن يحدث إلا من خلال سياسة فرق تسد، وهي سياسة تقف حروب الطوائف والمذاهب في صلبها من دون شك.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة