قراءة نقدية في تجربة المجلس الوطني الفلسطيني   
الأحد 1427/5/14 هـ - الموافق 11/6/2006 م (آخر تحديث) الساعة 15:26 (مكة المكرمة)، 12:26 (غرينتش)


محسن صالح

إشكالية الأداء
إشكالية العضوية

عدالة التمثيل الشعبي

يثور جدل كبير هذه الأيام في الأوساط الفلسطينية حول تفعيل أو إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية. ويحاول هذا المقال تسليط الضوء على المجلس الوطني الفلسطيني الذي يُعد المرجعية العليا لكل هيئات ومؤسسات المنظمة، والهيئة التمثيلية التشريعية للشعب الفلسطيني بأسره داخل فلسطين وخارجها.

إشكالية الأداء
انعقد المجلس الوطني الفلسطيني في 21 دورة بمعدل دورة واحدة كل سنتين، بخلاف النظام الأساسي الذي ينص على انعقاد دورة واحدة سنوياً.

ولكن عند الاطلاع على تواريخ انعقاد الدورات نجد أن المشكلة أعمق من ذلك بكثير، إذ إن تواريخ الانعقاد أخذت تتباعد زمنياً مع مرور الوقت.

ففي السنوات العشر الأولى من عمر المجلس (1964-1973) انعقدت 11 دورة، وفي السنوات العشر الثانية (1974-1983) انعقدت خمس دورات، وفي السنوات العشر الثالثة (1984-1993) انعقدت أربع دورات، ثم لم تنعقد في السنوات الـ13 التالية (1993-2006 الآن) سوى دورة واحدة!! أي أن المجلس فَقَد فعلياً دوره التشريعي والرقابي -خصوصاً منذ اتفاقية أوسلو 1993- وجرى عزله وتهميشه عن صناعة القرار الوطني الفلسطيني.

ثم إن تلك الدورة التي عُقدت في أبريل/نيسان 1996، لم تنعقد إلا تحت الضغوط الأميركية الإسرائيلية لإلغاء بنود الميثاق الوطني المعادية لإسرائيل والصهيونية.

"
وجّه كثير من الكتاب والباحثين والسياسيين انتقادات حادة للمجلس الوطني الذي فقد منذ زمن طويل حيويته وفاعليته وتحوَّل إلى أداة بيد قيادة منظمة التحرير التي تنفذ على الأرض ما تشاء ثم تأخذ ختم المجلس على ما فعلت
"
لقد وجَّه كثير من الكتاب والباحثين والسياسيين انتقادات حادة للمجلس الذي فَقَدَ -حسب رأيهم منذ زمن طويل- حيويته وفاعليته، وتحوَّل إلى أداة بيد قيادة منظمة التحرير التي تنفذ على الأرض ما تشاء، وتعقد الاتفاقات والمفاوضات، وتدخل في الصراعات والتسويات، ثم تأتي بعد ذلك -عندما تضطرها الأمور- إلى أخذ "ختم" المجلس على ما فعلت.

ويظهر أنه لا يمكن الفصل بين استحقاقات اتفاقات أوسلو وإنشاء السلطة الفلسطينية، وبين تراجع وتدهور المنظمة ومؤسساتها و"تغوُّل" السلطة الفلسطينية عليها، بما في ذلك المجلس الوطني.

وقد كتب عرفات حجازي عضو المجلس في جريدة الدستورالأردنية يوم 6/2/2006 أنه عندما انعقدت دورة 1996 قال له ياسر عرفات بكلّ جدية "إن هذا المجلس الوطني هو آخر المجالس الفلسطينية، وإنه لن ينعقد بعد اليوم في أي مكان"!!

ومما زاد في إضعاف دور المجلس أنه تحوّل منذ زمن طويل إلى احتفالية توافقية ومهرجان تُتخذ فيه القرارات في معظم الأحيان بالتصفيق.

إشكالية العضوية
انعقد المجلس الوطني الأول في القدس عام 1964 بمشاركة 422 عضواً، رغم أن الدعوة وُجهت أساساً إلى 397 شخصاً. وفي الدورة الثالثة للمجلس في غزة يوم 4/5/1966 بلغ عدد الأعضاء 466.

وعندما تمكنت المنظمات الفدائية الفلسطينية -فتح بالذات- من السيطرة على منظمةالتحرير أعيد تنظيم المجلس ليمثل شكلاً أكثر حيوية وفاعلية وقدرة على الاجتماع، فتكون مجلس جديد من 100 عضو فقط في الدورة الرابعة التي انعقدت في القاهرة يوم 10/7/1968.

غير أن عدد أعضاء المجلس ما لبث أن أخذ في التزايد التدريجي، فبلغ 155 عضواً عام 1971، ثم 293 عضواً عام 1977، ثم بلغ 450 عضواً عام 1988.

أما عدد أعضاء المجلس الحادي والعشرين المنعقد في أبريل/نيسان 1996، فهو أحد "الألغاز والأحاجي"، إذ لم نجد له رقماً رسمياً واحداً متفقاً عليه، وإن كان هناك شبه إجماع أنه تجاوز 700 عضو.

فهناك إشارات من مصادر مسؤولي المجلس أن العدد هم 787 عضواً، وفي "رواية" أخرى أنه 738 عضواً. أما من بقي منهم على قيد الحياة (حتى مايو/أيار 2006) ولا يزال يحتفظ بعضويته فإن مجموعهم 717 عضواً.

وقد اعترف رئيس المجلس الوطني وعضو اللجنة المركزية لحركة فتح سليم الزعنون (أبو الأديب) أثناء اجتماعه مع ممثلي الفصائل في دمشق مطلع أغسطس/آب 2005، بأن هناك سجلات متباينة ومتفاوتة لأعضاء المجلس "فسجل غزة يختلف عن سجل رام الله، وكلاهما يختلف عن السجل الموجود في رئاسة المجلس الوطني بعمان"!!

"
من حق المرء أن يتساءل عن سبب تشكل مجلس وطني فلسطيني يزيد عدد أعضائه عن عدد أعضاء المجلس الوطني للصين، أو مجلس النواب الهندي، أو الكونغرس الأميركي، ويزيد عن سبعة أضعاف مجلس النواب الأردني!!
"
تعبِّر حيرة الزعنون في عدم المعرفة الدقيقة بعدد أعضاء المجلس الذي يرأسه عن حالة الترهل التي وصل إليها المجلس. ولقد أدت الزيادة المضطردة في عدد الأعضاء إلى:

أ‌- تضخم المجلس بشكل يعوق عمله ويجعل من الصعب ترتيب انعقاده بشكل دوري منتظم.

ب‌- إدخال أعضاء جدد (تحت غطاءات مختلفة: مستقلين، تنظيمات شعبية...) يتسمون بالولاء لخط قيادة منظمة التحرير -وبالأحرى قيادة فتح- بحيث يسهل تمرير القرارات والتوصيات التي تريدها.

كما لم تكن هناك معايير واضحة ودقيقة لاختيار الأعضاء، وهو ما فتح المجال واسعاً لإحداث اختلالات بنيوية في تركيبة المجلس، وجعله أقل تمثيلاً للشارع الفلسطيني.

وحسب عرفات حجازي -كما نشر في جريدة الدستور الأردنية يوم 3/8/2005) فعند انعقاد المجلس الوطني في غزة عام 1996 كانت هناك قائمتان بأسماء الأعضاء: واحدة في مكتب سليم الزعنون التي تضم أسماء الأعضاء الحقيقيين الذين لا يتجاوز عددهم 400، بينما كانت في مكاتب رئاسة السلطة الفلسطينية قائمة أخرى جرى إضافة أكثر من 450 اسماً جديداً لها، بحيث أصبح عدد أعضاء المجلس الوطني الذين جرى اعتمادهم لحضور جلسة إلغاء الميثاق أكثر من 850 عضواً دون عِلم الزعنون ودون أخذ موافقته، أو دون إحالة الأسماء الجديدة على لجان المجلس.

إن من حق المرء أن يتساءل عن السبب في تشكل مجلس وطني فلسطيني يزيد عدد أعضائه عن عدد أعضاء المجلس الوطني للصين، أو مجلس النواب الهندي، أو الكونغرس الأميركي، ويزيد عن سبعة أضعاف مجلس النواب الأردني؟!! في الوقت الذي يكون في أمس الحاجة إلى الفاعلية والمرونة والقدرة على الاجتماع وسرعة اتخاذ القرار.

عدالة التمثيل الشعبي
إلى أي حد يعكس المجلس الوطني العدالة في التمثيل الشعبي الفلسطيني؟

تكمن هذه الإشكالية في خمسة محاور:

الأول- صعوبة وربما استحالة إجراء انتخابات حرة مباشرة لكافة أبناء الشعب الفلسطيني، وخصوصاً في البلدان التي تتعامل بحساسية شديدة مع هذا الموضوع كالأردن، أو تلك البلدان التي لا ترحب أصلاً بفكرة الانتخابات الحرة على أراضيها.

الثاني- عدم مشاركة تيارات وتنظيمات فلسطينية ذات شعبية واسعة -خصوصاً حماس- في منظمة التحرير ومجلسها الوطني، واشتراطها إعادة بناء المنظمة على أسس جديدة قبل أن توافق على المشاركة.

الثالث- عدم ظهور إرادة حقيقية جادة حتى الآن لدى قيادة منظمة التحرير لإعادة تفعيلها وفق أسس تمثيل شعبي حقيقي. ووجود قوة داخل التيار السائد في المنظمة لا تزال ترغب في الاستئثار بالسلطة واحتكار عملية صناعة القرار.

الرابع- طريقة تمثيل ومشاركة أبناء فلسطين المحتلة عام 1948، وهم يمثلون نحو 11.2% من مجموع الفلسطينيين في العالم. غير أن ظروفهم الموضوعية الخاصة واحتمالات تعامل الكيان الصهيوني معهم في مثل هذه الحالة تحتاج إلى دراسة وتمحيص، وبشكل أساسي إلى استشارتهم والاستماع إلى آرائهم.

"
كان تركُّز العضوية وعملية صناعة القرار في المجلس بيد فلسطينيي الخارج. لكنه تقرّر أن يُضاف نحو 100 من الضفة والقطاع وتم رفع العدد مرتين, ولكن هؤلاء الأعضاء لم يكونوا يحتسبون في النصاب، وبالتالي ظل الداخل عملياً مستبعداً من صناعة القرار
"
الخامس- صعوبة عمل إحصائية دقيقة لأعداد الفلسطينيين في الخارج، وإن كان ممكنا توفير أرقام تقريبية.

إن صعوبة إجراء انتخابات للشعب الفلسطيني ينبغي وضعها في إطارها وحجمها الصحيح، فقد جرب انتخابات حرة في الضفة والقطاع، وهناك مؤشرات قوية على إمكانية إجراء مثل هذه الانتخابات في لبنان وسوريا وربما بعض الدول الغربية.

ثم إن الاعتراف بعدم القدرة على عدم إجراء انتخابات في الأردن لا يعني بالضرورة عدم القدرة على المعرفة التقريبية لأحجام القوى الفلسطينية من خلال عدد من المؤشرات كانتخابات الاتحادات والأندية، والانتخابات النيابية الأردنية نفسها، واستطلاعات الرأي وغيرها.

وقد كان اتفاق الفصائل الفلسطينية في القاهرة منتصف مارس/آذار 2005 محطة مفصلية باتجاه تفعيل وإعادة بناء منظمة التحرير. ولكن قيادة المنظمة لم تف بتعهداتها في اتفاق القاهرة فيما يتعلق بها، ولم تتم دعوة القيادات الفلسطينية للاجتماع حول هذا الموضوع، وانقضى أكثر من عام على الاتفاق دون اتخاذ أية خطوات ملموسة على الأرض، وهو ما يوحي بعدم جدية قيادة المنظمة في تناول الموضوع.

وخلال العام 2005 كان هناك توافق فلسطيني وشبه إجماع على أن يكون عدد أعضاء المجلس الوطني في حدود 300 عضو بحيث يكون نصفهم من الضفة والقطاع والنصف الثاني من الشتات (الخارج).

غير أن فوز حماس بأغلبية كبيرة (74 مقعداً مقابل 45 لفتح) في انتخابات المجلس التشريعي في الضفة والقطاع يوم 25/1/2006، صدم التيار الرئيسي الذي يقود منظمة التحرير ويسيطر على المجلس الوطني -تيار فتح-، ما جعل الزعنون يُقدم على تصريحات غريبة ومفاجئة ومخالفة تماماً لما سبق أن أعلنه بنفسه.

فقد ترأس الزعنون يوم 4/2/2006 اجتماعا بمشاركة أكثر من 100 شخصية من أعضاء المجلس الوطني وكوادر حركة فتح في الأردن، وشدد في تصريحات نشرتها الدستور يوم 6/2/ 2005 أنه "سيدافع عن كل عضو فيه ولن يسمح تحت أي ظرف بالمس بأعضائه لأي سبب كان، لا من حيث العدد ولا من حيث التركيبة".

وقال "سنحافظ على المجلس الوطني كما هو عليه الآن، وسوف أدافع عن الوطني حتى آخر قطرة دم في جسدي".

وصرح الزعنون في افتتاح أعمال المجلس التشريعي يوم 16 فبراير/شباط 2006 بأن أعضاء المجلس الـ132 سيضافون إلى أعضاء المجلس الوطني البالغ 783 عضواً!! في خطوة أقل ما يقال عنها إنها تفسد أجواء انطلاقة حقيقية نحو إصلاح منظمة التحرير ومؤسساتها، وهو ما يعني أن الأعضاء المنتخبين سيضيعون في بحر الأعضاء المعينين!!

وتثير تصريحات الزعنون الكثير من المخاوف حول مدى جدية فتح في إجراء عملية ترتيب حقيقية للبيت الفلسطيني على أسس سليمة وشفافة.

ومن جهة أخرى ففي معظم دورات المجلس الوطني كان تركُّز العضوية وعملية صناعة القرار بيد فلسطينيي الخارج. وفي الفترة التي تلت الاحتلال الإسرائيلي للضفة والقطاع وحتى اتفاق أوسلو (1967-1993) تقرّر أن يُضاف إلى عضوية المجلس نحو 100 من الضفة والقطاع دون التصريح بأسمائهم، وفي عام 1981 تم رفع هذا العدد إلى 180 عضواً. ولكن هؤلاء الأعضاء لم يكونوا يحتسبون في النصاب، وبالتالي ظل الداخل عملياً مستبعداً من صناعة القرار.

أما في الدورة الحادية والعشرين التي تلت اتفاق أوسلو ونشوء السلطة الفلسطينية فقد تحوّل الثقل فيها إلى الداخل، وجرت عمليات إضافة وتغيير واسعة أدت إلى تشكل مجلس جديد بلغ عدد أعضائه من الضفة والقطاع نحو 520 من أصل 787 عضواً، يمثلون 66% من أعضاء المجلس في حين لا يمثل أبناء الضفة والقطاع سوى 37.6% فقط من مجموع الشعب الفلسطيني، إذا ما احتسبت أعداد فلسطينيي الـ48، أما إذا لم تحتسب أعداد هؤلاء فإن نسبتهم ستكون بحدود 42.2%.

"
عدالة التمثيل الشعبي في المجلس الوطني تقتضي ابتداءً عقداً اجتماعياً وميثاق شرف تلتزم فيه كافة الأطراف بالتداول السلمي للسلطة والاحتكام إلى صناديق الاقتراع
"

وقد أدى ذلك إلى اختلال كبير في بنية المجلس وإضعاف دور الخارج بشكلٍ أثار المخاوف من حصر تمثيل الفلسطينيين في الضفة والقطاع فقط، ومن احتمال الوصول إلى حلول نهائية قد تستثني اللاجئين الفلسطينيين. وعلى سبيل المثال فإن عدد أعضاء المجلس الوطني من المقيمين في الأردن هو 63 عضواً أي 8% من أعضاء المجلس، بينما يمثل فلسطينيو الأردن نحو 30% من مجمل الشعب الفلسطيني.

وتقتضي عدالة التمثيل في المجلس إعادة النظر في أحجام التيارات الفلسطينية الممثلة لفلسطينيي الخارج من خلال آلية انتخابية حرة وشفافة كلما أمكن ذلك، ما قد يؤدي إلى تغيير حقيقي في موازين القوى لصالح التيار الإسلامي الفلسطيني الذي يتمتع بقوة كبيرة في الأردن توازي قوته في الداخل الفلسطيني حسبما تشير معطيات الانتخابات النيابية والاتحادات والنقابات.

كما أن مؤشرات استطلاعين للرأي أجراهما مركز الزيتونة الأول في نوفمبر/تشرين الثاني 2005 والثاني في مايو/أيار 2006 في أوساط اللاجئين الفلسطينيين بلبنان، تُظهر أن حماس وفتح يتمتعان بثقل متقارب مع تصاعد في شعبية حماس في الاستطلاع الثاني عنه في الأول.

إن عدالة التمثيل الشعبي تقتضي ابتداء عقداً اجتماعياً، وميثاق شرف تلتزم فيه كافة الأطراف -بما فيها حماس وفتح- بالتداول السلمي للسلطة، والاحتكام إلى صناديق الاقتراع، وإنهاء احتكار السلطة من أي طرف.
_________
كاتب عربي

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة