السلطة الفلسطينية والحد من أزمة المساعدات الدولية   
الخميس 1428/2/4 هـ - الموافق 22/2/2007 م (آخر تحديث) الساعة 13:21 (مكة المكرمة)، 10:21 (غرينتش)
نبيل السهلي


الاحتلال كمقدمة للإخضاع الاقتصادي
مفاتيح الاقتصاد الفلسطيني تحت السيطرة الإسرائيلية
الاقتصاد الفلسطيني وفخ المساعدات الدولية
حلول ناجعة للحد من أزمة المساعدات الاقتصادية

الأحداث التي شهدتها الأراضي الفلسطينية على مدار عام تقريبا أثرت في قدرة السلطة الفلسطينية على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية، وتراجعت بدورها الفرص للحد من أزمة المساعدات الدولية للفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، حيث يعاني سكان المنطقتين من انتشار ظاهرة الفقر المدقع وتراجع الخيارات أمام الأسرة والفرد الفلسطيني على حد سواء.

لماذا بات الاقتصاد الفلسطيني يعتمد إلى حد كبير على المساعدات الدولية، وما هي السبل للحد من الأزمات الاقتصادية الفلسطينية وخاصة تلك المتعلقة بالمساعدات، وما هي إمكانيات البدائل العربية للخروج من تلك الأزمات التي تؤرق الاقتصاد الفلسطيني؟

الاحتلال كمقدمة للإخضاع الاقتصادي
"
منذ احتلال الضفة والقطاع طبقت السلطات الإسرائيلية سياسات اقتصادية محددة لإخضاع الفلسطينيين اقتصادياً، الأمر الذي أدى إلى سيطرة إسرائيلية شبه كاملة على عناصر الإنتاج في الاقتصاد الفلسطيني
"
لقد احتل الجيش الإسرائيلي الضفة الغربية وقطاع غزة في الخامس من يونيو/حزيران عام 1967، ومنذ ذلك الحين طبقت السلطات الإسرائيلية سياسات اقتصادية محددة لإخضاع الفلسطينيين اقتصادياً، الأمر الذي أدى إلى سيطرة إسرائيلية شبه كاملة على عناصر الإنتاج في الاقتصاد الفلسطيني.

ففي جانب الأرض كعنصر أساسي استطاعت السلطات الإسرائيلية السيطرة على أهم الأراضي الزراعية لصالح الأنشطة الاستيطانية التي لم تتوقف خلال الفترة (1967-2007)، كما قامت تلك السلطات بمصادرة النسبة الكبرى من إجمالي الموارد المائية الفلسطينية المتاحة والمقدرة بنحو 750 مليون متر مكعب سنوياً.

وقد أدى ذلك إلى تهميش قطاع الزراعة الفلسطيني ودفع آلاف العمال العرب في الضفة والقطاع إلى العمل في الاقتصاد الإسرائيلي ووفق شروطه المجحفة، على الرغم من رفع شعار مقاطعة العمل العبري في بداية الاحتلال، وقد عزز هذا التوجه استصدار السلطات الإسرائيلية قانوناً في عام 1968 يسمح للعمال الفلسطينيين بالعمل في قطاعات الاقتصاد الإسرائيلي المختلفة.

وفي الاتجاه نفسه استصدرت السلطات الإسرائيلية أوامر بإلحاق البيوتات المالية الفلسطينية بالبنوك الإسرائيلية وتمت عملية تفكيك مبرمجة للاقتصاد الفلسطيني وربطه في عجلة الاقتصاد الإسرائيلي ولصالحه.

وتراجع أداء الاقتصاد الفلسطيني في كافة قطاعاته وخاصة الزراعي الذي كان يساهم قبل الاحتلال بأكثر من 50% سواء في الناتج المحلي الإجمالي الفلسطيني وكذلك في استيعاب قوة العمل.

مفاتيح الاقتصاد الفلسطيني تحت السيطرة الإسرائيلية
وبعد توقيع اتفاقات أوسلو في سبتمبر/أيلول من عام 1993 بقيت أهم مفاتيح الاقتصاد الفلسطيني تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة، فبات السوق الفلسطيني ثاني سوق للاقتصاد الإسرائيلي بعد السوق الأميركي، وإسرائيل تتحكم بنحو 96% من إجمالي التجارة الخارجية الفلسطينية بشقيها الصادرات والواردات، والعجز في الميزان التجاري الفلسطيني هو عنوان لعلاقة قسرية مع الاقتصاد الإسرائيلي.

وفي نفس الوقت وعلى الرغم من الإغلاقات الإسرائيلية المتكررة بوجه قوة العمل الفلسطينية، بيد أن ثمة 45 ألف عامل يعملون في الاقتصاد الإسرائيلي حالياً مقابل 120 ألف عامل قبل الانتفاضة، الأمر الذي يؤكد تحكم إسرائيل بقسم يصل إلى نحو 20% من الدخل القومي الفلسطيني، وبذلك فإن المجتمع الفلسطيني عرضة لابتزازات سياسية دائمة.

"
أدت السياسات الإسرائيلية إلى تراجع أداء كافة القطاعات الاقتصادية الفلسطينية من جهة، وظهور أزمات اقتصادية واكبت وتواكب تطور الاقتصاد الفلسطيني، وتشتد وطأتها مع ارتفاع وتيرة الحصار والعمليات العسكرية الإسرائيلية
"
خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار أن السلطات الإسرائيلية تسيطر على نحو خمسين مليون دولار شهريا من الضرائب المفروضة على العمال العرب من الضفة والقطاع الذين يعملون في الاقتصاد الإسرائيلي.

لقد أدت السياسات الإسرائيلية المشار إليها إلى تراجع أداء كافة القطاعات الاقتصادية الفلسطينية من جهة، وظهور أزمات اقتصادية واكبت وتواكب تطور الاقتصاد الفلسطيني، وتشتد وطأتها مع ارتفاع وتيرة الحصار الإسرائيلي والعمليات العسكرية الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني والبنى التحتية للاقتصاد الفلسطيني.

وتشير معطيات التقرير الاقتصادي العربي الموحد لعام 2005 وتقارير البنك الدولي إلى تفاقم أزمة البطالة لتصل معدلاتها إلى نحو 60%، وكذلك انتشار الفقر المدقع بين ثلثي الأسر الفلسطينية في الضفة والقطاع.

ويزداد الوضع الاقتصادي سوءاً إذا أخذنا بعين الاعتبار أن معدل الإعالة مرتفع جداً نتيجة ارتفاع نسبة الأطفال وضعف مشاركة المرأة في النشاط الاقتصادي، حيث يعيل كل عامل فلسطيني إضافة لنفسه ثمانية أفراد من خارج قوة العمل.

الاقتصاد الفلسطيني وفخ المساعدات الدولية
وكنتيجة أساسية لتفكيك الاقتصاد الفلسطيني وتهميش قطاعاته بفعل السياسات الإسرائيلية، بات الاقتصاد الفلسطيني -بعد إنشاء السلطة الوطنية الفلسطينية ومؤسساتها في صيف عام 1994- يعتمد بشكل كبير على المساعدات والمعونات الدولية.

وبالتالي الوقوع في فخ المساعدات الأميركية والأوروبية المشروطة في غالب الأحيان، وفي هذا السياق يذكر أن حجم المساعدات الدولية يصل إلى ثمانمائة مليون دولار سنوياً، وتشير معطيات التقرير الاقتصادي العربي لعام 2005 أن نحو 7% من إجمالي المساعدات الدولية منذ عام 1994 وحتى عام 2000 ساهمت به الدول العربية وخاصة المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات، وازدادت مساهمة الدول العربية لتصل إلى 63.5%  خلال سنوات الانتفاضة (2000-2005).

واللافت أن المساعدات الأميركية التي لا تتعد ى 10% من إجمالي المساعدات الدولية كانت مشروطة في تمويل مشاريع أميركية تحت مسميات تنشيط الديمقراطية ومشاركة المرأة.

"
المساعدات الأوروبية والأميركية لا يتحسسها المواطن الفلسطيني بشكل مباشر، نظراً لأنها لا تدخل قنوات تنموية حقيقية في الاستثمار في إطار الاقتصاد الفلسطيني، هذا فضلاً عن حجم المساعدات الضئيل مقارنة بنسبة المساهمة للدول العربية
"
أما المساعدات الأوروبية فكانت قنواتها محددة حصراً للاستثمار في مشاريع تحددها الدول الأوروبية، وقد كان قسم منها وهمي من قبل الدول المانحة، وتذهب الدول الأوروبية إلى أبعد من ذلك حيث تقوم بتحديد الموظف الأهم في المشاريع المتفق عليها من مواطنيها وبأعلى الأجور.

وبذلك فإن المساعدات الأوروبية والأميركية لا يتحسسها المواطن الفلسطيني بشكل مباشر، نظراً لأنها لا تدخل قنوات تنموية حقيقية في الاستثمار في إطار الاقتصاد الفلسطيني، هذا فضلاً عن حجم المساعدات الضئيل مقارنة بنسبة المساهمة للدول العربية.

لكن قنوات التمويل الدولي بقيت على الدوام عرضة للضغوط الأميركية على الدول الممولة لانتزاع مزيد من المواقف لصالح الطرف الإسرائيلي الذي يمتنع عن دفع عائدات الضرائب على قوة العمل الفلسطينية في الاقتصاد الإسرائيلي وعلى البضائع المستوردة للفلسطينيين عبر المعابر التي تتحكم بها إسرائيل .

حلول ناجعة للحد من أزمة المساعدات الاقتصادية
في ضوء ما تقدم ما هي إمكانات الحد من الضغوط الدولية على السلطة الوطنية الفلسطينية التي تسارعت خطاها عبر بوابة التمويل الدولي؟ قد يكون من الأجدى اعتماد الخطوات التالية:

أولاً: دفع الدول العربية للمستحقات التي تعهدت بها في القمم العربية الأخيرة لدعم الشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع من خلال صندوق الأقصى وصندوق القدس.

ثانياً: يجب أن يكثف الإعلام العربي من خطابه حول أهمية البدائل العربية الشعبية لمساعدات الفلسطينيين عوضاً عن المساعدات الدولية الأميركية والأوروبية المشروطة.

ثالثاً: ضرورة التأكيد عبر دبلوماسية هادئة بأن المساعدات العربية محقة وإنما هي مساعدات للشعب الفلسطيني في المقام الأول للحد من الأزمة ومحاولات تجويعه وإخضاعه من قبل الجيش الإسرائيلي.

رابعاً: نشر الوعي بين الشعوب العربية بأن المساعدات الأميركية للسلطة الوطنية الفلسطينية على وجه الخصوص لم تذهب إلى مشاريع تنموية يتحسس بها المواطن الفلسطيني، بل ذهبت إلى مشاريع تخدم التوجهات الأميركية لمى يسمى نشر الديمقراطية.

كما أن الضرورة تؤكد على إظهار أن حجم المساعدات الأميركية للمناطق الفلسطينية لم يتعد 747 مليون دولار منذ إنشاء السلطة الوطنية الفلسطينية، وهو يساوي نحو 25% من إجمالي المساعدات الأميركية لإسرائيل في سنة واحدة فقط، حيث تصل قيمة المساعدات السنوية الأميركية الحكومية لإسرائيل نحو ثلاثة مليارات دولار أميركي منها مليار وثمانمائة مليون على شكل مساعدات عسكرية ومليار دولار على شكل مساعدات اقتصادية.

"
لا يمكن الحد من مخاطر المساعدات الدولية المشروطة دون إحلال المساعدات العربية المباشرة للسلطة الوطنية الفلسطينية بعيداً عن الإملاءات الأميركية ما أمكن ذلك
"
خامساً: ضرورة تحسين أداء القائمين على المال العام الفلسطيني والقيام بعملية إصلاح حقيقية في إدارة المال الذي هو للشعب في المقام الاول.

سادساً: العمل على تهيئة الظروف لعودة رؤوس الأموال الفلسطينية المهاجرة والمقدرة بنحو (60) مليار دولار لتوطينها في البلد الأم وفتح استثمارات وطنية فلسطينية من شأنها الحد من أزمات الاقتصاد الفلسطيني وخاصة البطالة المتفاقمة.

والأهم يجب إعطاء بعد عربي للأزمة التي يعاني منها الاقتصاد الفلسطيني الأسير، ولا يمكن أن نرى اقتصادا فلسطينيا ينطلق انطلاقة حقيقية بعيداً عن مخاطر التمويل الدولي، دون أن يكون هناك مؤشرات ذات دلالة تؤكد في المستقبل القريب على رفع نسبة التجارة البينية بين الاقتصاد الفلسطيني والاقتصادات العربية عبر رفع الرسوم عن البضائع الفلسطينية وترويجها في الأسواق العربية.

وكذلك لا يمكن الحد من مخاطر المساعدات الدولية المشروطة دون إحلال المساعدات العربية المباشرة للسلطة الوطنية الفلسطينية بعيداً عن الإملاءات الأميركية ما أمكن ذلك، عندئذ يمكن القول إننا سنشهد اقتصادا فلسطينيا سيخطو نحو تنمية مستقلة بعيداً عن الابتزاز الإسرائيلي والأميركي.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة