الصراع الأميركي مع فرنسا وألمانيا.. النموذج   
الأحد 1425/8/18 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:10 (مكة المكرمة)، 17:10 (غرينتش)

منير شفيق

بعد أن أغلقت مرحلة الحرب الباردة وبدأت مرحلة عالمية جديدة ولنقل منذ عشر سنوات حتى الآن اتسم الوضع الدولي على مستوى العلاقات في ما بين الدول الكبرى بالصراع بين اتجاهين، اتجاه إقامة نظام عالمي على أساس القطب الواحد الأميركي، واتجاه أراده متعدد القطبية حتى لو أقر بوضع خاص للدور الأميركي.


أكثر المحللين إن لم تكن الأغلبية الساحقة اعتبروا أن أميركا أصبحت الحاكم بأمره في العالم وقد فرضت نظام القطب الواحد، ورفضوا أن يروا أو يسمعوا ما يصدر عن الدول الأخرى من ممانعات متعددة الأوجه غالبيتهم للانفراد الأميركي في تقرير شؤون العالم
أكثر المحللين إن لم تكن الأغلبية الساحقة اعتبروا أن أميركا أصبحت الحاكم بأمره في العالم وقد فرضت نظام القطب الواحد، ورفضوا أن يروا أو يسمعوا ما يصدر عن الدول الأخرى من ممانعات متعددة الأوجه غالبيتها للانفراد الأميركي في تقرير شؤون العالم. وقد بقيت غشاوة ثقيلة على العيون رغم عشرات الدلائل التي تؤكد أن الوضع العالمي في حالة صراع بين الاتجاهين وأن حسمه في مصلحة القطبية الواحدة أبعد ما يكون من الواقع الفعلي، فلا فشل أميركا في إقامة نظام الشرق أوسطية أو في نجاح التسوية التي وضعت كل قواها في خدمتها ولا إخفاقها في فرض سياساتها على الجمعية العامة أو في مجلس الأمن ولا عزلتها في كل المؤتمرات الدولية خصوصاً منذ العام 1995 وما بعد.. أقنع هؤلاء أن نظام القطب الواحد لم يقم بل يعاني الكثير الكثير من الصعوبات والإخفاق.

وجاءت إدارة بوش لتعطي دليلا قاطعا بأن الوضع العالمي لم يتطور باتجاه الخضوع للإدارة الأميركية، ووصل الأمر بجورج دبليو بوش أثناء حملته الانتخابية إلى القول إن أميركا أصبحت هزأة في عهدي بيل كلينتون وجاء مؤتمر ديربان لمناهضة العنصرية ليكشف أن نفوذ أميركا واقعيا أضعف بكثير مما يروج له أصحاب نظرية القطب الواحد. وهذا ما يفسر الإستراتيجية الأميركية الجديدة في عهد بوش، أي العمل لتحقيق هدف استعادة الهيبة والنفوذ وإقامة نظام القطب الواحد عن طريق إستراتيجية العضلات العسكرية باستخدام الحرب الوقائية والضربة الاستباقية وعدم الارتباط أو التقيد بالاتفاقات الدولية السابقة بما في ذلك حلف الأطلسي أو هيئة الأمم أو القوانين الدولية أو المنظمات الدولية التي تستند قراراتها إلى الإجماع أو الأغلبية.

ومن هنا يجب أن تعتبر هجمات 11 سبتمبر/ أيلول 2001 على نيويورك وواشنطن مجرد ذريعة أو غطاء للدفع بهذه الإستراتيجية التي كانت تحت الطبخ منذ الأسبوع الأول من تسلم جورج دبليو بوش وفريقه للإدارة الأميركية. ويكفي تدليلا على ذلك أن العالم كله وقف متعاطفا مع أميركا في الرد على تلك الهجمات وما زال مستعدا أن يفعل ذلك إن اقتصر الهدف على "محاربة الإرهاب"، ولكن الذي حدث من جانب الإدارة الأميركية تعدى ذلك بكثير عندما أعلنت إستراتيجية الأمن القومي الأميركي في 20 سبتمبر/ أيلول 2002 بعد الانتهاء من حرب أفغانستان وبدء الحملة لشن الحرب (العدوان) على العراق.

لقد تبين أن أميركا تستهدف إقامة نظام عالمي على أساس الهوة في ميزان القوى العسكرية بينها وبين الدول الأخرى، ومن ثم فإنها بصدد إقامة دكتاتورية عسكرية عالمية وبالطبع ستتبعها بالضرورة دكتاتورية اقتصادية وسياسية وثقافية، الأمر الذي يقلب المعادلة الدولية التي سادت داخل الحلف الأطلسي أو بين أميركا واليابان وحلفائها الآخرين رأسا على عقب، ويعيد صوغ علاقتها بكل من روسيا والصين ودول العالم الثالث على ضوء ذلك.

اتضحت أنياب الإدارة الأميركية وراء ما تسعى إليه في مؤتمر الأمن الدولي الذي عقد في ميونخ في أوائل مارس/ آذار 2002 لما أعلن وفد البنتاغون في المؤتمر أن أميركا لم تعد بحاجة إلى التقيد بحلف الأطلسي وأنها ستعقد أحلافها على أساس القضية المحددة التي تواجهها. وعندما أراد الأوروبيون استيضاح الأمر أكثر قيل لهم "مثلا من الآن فصاعدا نحن نعد الطبخة وندعو للوليمة وبعد انتهاء الأكل ينظف الأوروبيون الصحون".

ومن ثم كان على المحلل السياسي الحصيف أن يتوقع كل ما يجري الآن من صراع بين أميركا وكل من ألمانيا وفرنسا على الخصوص، وكذلك بينها وبين روسيا والصين ودول كثيرة أخرى في العالم، لماذا؟ لأن تغيير معادلة العلاقة الغربية داخل حلف الأطلسي على تلك الصورة يعني تحويل أوروبا إلى حالة التبعية الكاملة والعودة بدول العالم الثالث إلى مرحلة الاستعمار المباشر وبروسيا الاتحادية إلى حالة التهميش والتدهور وبالصين إلى حالة الحصار والاحتواء والتهديد وهذا كله يتعارض مع المصالح الأساسية والعليا للدول تعارضا شديدا خصوصا الدول الكبرى منها.


المراد على مستوى النفط الإمساك بالقرار السياسي المتعلق به بحيث تنتهي أوبك ويصبح النفط سلاحا بيد أميركا لإخضاع الدول الأخرى وفي المقدمة أوروبا وروسيا والصين والمراد على المستوى الإسرائيلي إيجاد وضع سياسي في العراق يسمح بتنفيذ إستراتيجية إخضاع المنطقة تحت الهيمنة الأميركية الإسرائيلية وتصفية القضية الفلسطينية وفقا للمنظور الليكودي الأقصى
ومن هنا أيضا يجب عدم التوهم للحظة واحدة أن اندلاع الصراع بين أميركا وكل من فرنسا وألمانيا وروسيا إزاء الحرب على العراق ينطلق من الحرص على العراق وإنما هو صراع بينهم اتخذ من العراق مظهرا من مظاهره أو نقطة تجمع حولها هذا ويجب عدم التصور أن الهدف الأميركي من الحرب على العراق ينبع من حرص على نزع أسلحة التدمير الشامل أو من أطماع نفطية تقليدية (امتيازات الشركات)، لأنه في الحقيقة جزء من الإستراتيجية الآنفة الذكر، فالمراد على مستوى النفط الإمساك بالقرار السياسي المتعلق به بحيث تنتهي "أوبك" ويصبح النفط سلاحا بيد أميركا لإخضاع الدول الأخرى وفي المقدمة أوروبا وروسيا والصين والمراد على المستوى الإسرائيلي إيجاد وضع سياسي في العراق يسمح بتنفيذ إستراتيجية إخضاع المنطقة تحت الهيمنة الأميركية الإسرائيلية وتصفية القضية الفلسطينية وفقا للمنظور الليكودي الأقصى.

ولهذا فإن وقوف فرنسا وألمانيا وروسيا كما عبر البيان الثلاثي الفرنسي الروسي الألماني ضد الحرب وانفراد أميركا بشنها يصدر عن مصلحة عليا لتلك الدول يتوقف عليه الكثير من مستقبلها في قابل الأيام، ففرنسا على سبيل المثال لا تستطيع أن تتحول إلى دولة من العالم الثالث، وروسيا لا تقبل أن تهمش إلى حد يعرض حتى وحدة الاتحاد الروسي للخطر، وألمانيا لا تملك أن ترى صناعاتها تخرج من الأسواق حين تنفرد أميركا بالقرار العسكري السياسي الاقتصادي النفطي في العالم.

ما تقدم ينفذ إلى ما وراء ظاهر الصراع الأميركي مع كل من فرنسا وألمانيا على الخصوص ويلقي ضوءا على استحالة التراجع عنه ما لم تتراجع أميركا عن إستراتيجيتها المذكورة وتعود إلى علاقات التحالف الغربي ضمن معادلات الحرب الباردة وما بعدها حتى مجيء إدارة جورج دبليو بوش، وهو ما لم يلحظه كل الذين كانوا يتوقعون أن تتراجع فرنسا وألمانيا عن مواقفهما وتسيرا في الركاب الأميركي نحو الحرب، وبقي هذا التوقع قبل صدور القرار 1441 وبعده وربما حتى الآن.

فالعلاقات الدولية اختلفت عما كانت عليه حتى إعلان الحرب على العراق أو على الأصح إلى إعلان الإستراتيجية الأميركية الجديدة. فالمسألة أبعد من موضوع العراق إلا بقدر ما ترتبط الحرب بتلك الإستراتيجية ومن ثم لا بد من أن تختلف أدوار التحليل عما كانت عليه في الماضي. إنها متغيرات عالمية جديدة تتطلب قراءة أعمق لطبيعة العلاقات الدولية ومساراتها وإلا استمر سوء الطالع يلاحق التقديرات السياسية التي ما زالت تفكر بحسابات الأمس بما في ذلك موضوع الحرب واحتمالاتها وموقف الدول الكبرى الأخرى منها، فما دامت أميركا مصممة على استخدام سياسة القوة لإقامة نظام القطب الواحد فعليها أن تتوقع مقاومة عالمية على مستوى الدول والرأي العام والتظاهرات المليونية بل أن تتوقع الفشل كذلك.

ـــــــــــ
كاتب فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة