أيهم أخطر على الثورة؟   
الخميس 1433/11/18 هـ - الموافق 4/10/2012 م (آخر تحديث) الساعة 14:35 (مكة المكرمة)، 11:35 (غرينتش)
رياض الشعيبي


من هشاشة التجربة التونسية أن التحديات التي تبرز بين الفينة والأخرى تُصوَّر في أذهان الناس على أنها مخاطر تهدد مرحلة الانتقال الديمقراطي وترسم كابوس الانتكاس في نهايتها. وعلى الرغم من أن هذه التحديات غير مسلم ببلوغها هذا المستوى من الخطورة، فإن مناقشة ذلك لن تكون ذات فائدة, فالاقتناع بهذا الرأي أو ذاك غير خاضع في أغلبه لقياس موضوعي لمجريات الأحداث بل لأهداف سياسية عند البعض ولانعكاس الوضع النفسي والاجتماعي عند بعض آخر.

ومع ذلك لنفترض، نسجا على منهج البرهان بالخلف، أن بعض التحديات تمثل بالفعل خطرا حقيقيا على مسار الثورة، ونتقدم خطوة في هذا الاتجاه لنتساءل عن أشد هذه التحديات خطورة على الثورة؟

بمجرد الحديث عن التحديات التي تواجه المرحلة الانتقالية يتبادر للذهن خطر عودة المنظومة السابقة للتأثير الرجعي في الواقع والتشكيك في المكتسبات

بمجرد الحديث عن هذه التحديات يتبادر للذهن خطر عودة المنظومة السابقة للتأثير الرجعي في الواقع والتشكيك في المكتسبات. وهي ظاهرة طبيعية تعيشها كل الثورات، فليس من السهل بمكان أن يفرط أصحاب الامتيازات والمستفيدون من موائد النظام السابق والمتضررون من الوضع الجديد، ليس من السهل أن ينفطم هؤلاء وأولئك عن مصّ دماء الكادحين من أبناء هذا الشعب واستلاب إرادتهم.

في البداية انصب جهد هذا الفريق على الصد والممانعة أمام كل تغيير سواء في السياسات أو التعيينات في الإدارة العمومية وحتى بين قيادات بعض الأجهزة الأمنية، فشاهدنا عملية عصيان منظم ورفض الانصياع للإرادة السياسية الجديدة.

بل إن أوّل من استفاد من ثمار الثورة هم طاقم إداري واسع من المديرين والمديرين العامين ورؤساء المؤسسات العمومية في تواطؤ واضح بين السلطات العليا في الدولة ممثلة في أوّل رئيس بعد الثورة ووزيره الأوّل والمئات من الموظفين السامين الذين امتلأت دفاتر الجريدة الرسمية "الرائد الرسمي" بقرارات ترقيتهم أو تنصيبهم، حتى إن بعض الإحصائيات تتحدث عن أكثر من ستمائة تسمية وتعيين جديد صدرت فيها قرارات خلال بضعة أشهر هي عمر مرحلة ما قبل انتخابات المجلس التأسيسي.

تبين فيما بعد أن ذلك لم يكن عفويا ولا تلاحقه فقط شبهة سوء استغلال السلطة، بل كان استعدادا لمرحلة راهنة، تأليفا لقلوب بعض التابعين وتمكينا لبعض الفلول من مواقع حساسة في الدولة، واستعدادا لمعركة إفشال الحكومة المنتظرة إذا ما حاولت القيام بأية تغييرات حقيقية في الواقع.

بل إن الأمر لم يقف عند هذا الحد، فحكومة تصريف الأعمال التي ترأسها الباجي قايد السبسي والتي سلمت السلطة للحكومة الشرعية نهاية 2011، كانت ملزمة أخلاقيا وسياسيا بأن تعد مشروع الموازنة العامة للسنة الجديدة.

ورغم الإيفاء الشكلي بهذا الالتزام، فإن ما تضمنته هذه الميزانية من مطبات لا يمكن أن يعكس إلا إرادة واعية بوضع العراقيل أمام عمل الحكومة الجديدة. فهل يعقل أن تكون ميزانية 2012 خالية من عنوان التنمية ولا تتضمن غير اعتمادات التصرف والتجهيز. لقد تفاجأ الطاقم الحكومي الجديد بفلسفة الميزانية، فالتنمية معدومة وبقي دورها مقتصرا خلال السنة الجديدة على دفع رواتب الموظفين وتوزيع إيصالات الوقود على الموظفين السامين.

هذه الميزانية الكيدية دفعت أحزاب الائتلاف الحاكم إلى العمل على إعداد ميزانية تكميلية رصدت أكثر من أربعة مليار دولار، حوالي ثلث الميزانية العامة، للتنمية في الجهات. وقد خسرت بسبب ذلك ستة أشهر من عمرها وانتظرنا شهر مايو/أيار حتى يصادق المجلس التأسيسي على هذه الميزانية وتأخذ طريقها إلى الإنجاز.

واستباقا لما كان يتوقعه السيد الباجي قايد السبسي من عجز الحكومة عن الخروج من هذه المكيدة، سارع إلى إعلان فشل الحكومة وعجزها، طارحا مبادرته للإنقاذ بعد تشكيل الحكومة الجديدة وخروجه من قصر الحكومة بالقصبة بشهر واحد فقط. وعوض أن يلتزم الوزير الأول الفارط واجب التحفظ السياسي وممارسة الصمت الأخلاقي كما نرى في كل الديمقراطيات في العالم، يخرج على الشعب التونسي في المنابر الإعلامية بخطاب ارتجالي متصاب لا يليق برجل دولة حقيقي.

عوض أن يلتزم السبسي واجب التحفظ السياسي وممارسة الصمت الأخلاقي، يخرج على الشعب التونسي في المنابر الإعلامية بخطاب متصاب لا يليق برجل دولة حقيقي ليعلن فشل الحكومة

أمام فشل كل هذه المحاولات لإرباك الوضع السياسي الثوري في تونس، لم يبق أمام فريق الفلول إلا التشكل في كيان جديد اشتق أصحابه له اسما مشتقا من الحقل الدلالي للأحزاب النازية المتطرفة التي تعادي المهاجرين من العرب والمسلمين في أوروبا تحت عنوان الهوية الوطنية والنزعات القومية الإقصائية. 

وهذا فريق استفاد من التراخي في إعادة بناء منظومة قانونية تستجيب لمطالب الثورة وتضمن عدم عودة فلول النظام السابق، ليتحصل على تأشيرة قانونية في انتظار تطبيع وجوده من خلال ما قد يبتزه من شرعية سياسية وربما حتى أخلاقية.

يتكون هذا الحزب من ثلاث مجموعات رئيسية، استمرت على امتداد ربع قرن في تحالف وثيق في ظل حكم بن علي، وحّدها الاستبداد ويوحّدها اليوم الحنين لإعادة استنساخه من جديد.

تتكون المجموعة الأولى من الآلة التجمعية الممتدة أفقيا عبر القيادات الوسطى والمركزية، وعموديا في مختلف الجهات وأجهزة الدولة. وهي مجموعة تمثل العمق الاجتماعي للنظام السابق ويأمل أصحاب هذا الفريق أن تستمر في أداء نفس الدور خلال المرحلة القادمة.

أما المجموعة الثانية فتتشكل من شريحة من رأس المال الفاسد الذي استفاد من امتيازات النظام السابق وكان ظهيره باستمرار التقت مصالحهم بمصالح النظام على امتداد مرحلة حكمه. وهم غير مستعدين للتفريط في امتيازاتهم ويعتبرون انخراطهم في الثورة المضادة استثمارا في إعادة استنبات وضع يستفيدون منه.

وأما الثالثة فتتكون من اليسار الانتهازي الذي دشن تجربة التخندق مع النظام منذ اجتماع البحيرة 1988 حيث وضع إستراتيجيا جديدة تقوم على أولوية التحالف مع السلطة الاستبدادية لمقاومة المد الإسلامي حتى وإن أدى ذلك إلى الحريق الكبير الذي أتى على أجيال من أبناء الشعب التونسي.

تمثل هذه المجموعات أكبر الخاسرين بسقوط النظام السابق بل إن الكثير من أعضائها متورطون ومدانون سياسيا وقانونيا بسبب ما اقترفوا في حق هذا الشعب. ولأنهم يتوقعون أن يساقوا إلى السجون والمحاكم وتفضح جرائمهم في الإعلام وأمام الشعب التونسي، نراهم يتدثرون بالعمل السياسي والحقوقي لما يوفر لهم من حصانة اعتبارية وسياسية وبما يوفر لهم من فرصة جديدة لاستعادة هيمنتهم على الدولة والمجتمع.

يحاول هذا الحزب الاستفادة من المكامن الخِبْريّة داخل مؤسسات الدولة وفي مفاصل المجتمع ومن شبكة العلاقات الواسعة والمصالح المعقدة في الواقع ومن الدبلوماسية المحافظة مع بقايا النظام الرسمي العربي ومع أطراف غربية تتنازعها تيارات الهيمنة الاستعمارية.

تتراوح إستراتيجيات هذا الفريق بين سيناريوهين:
الأوّل بالعمل على إسقاط الحكومة قبل موعد الانتخابات القادمة، ويتوسلون لذلك بالتحريض الشارعي على العصيان والتخطيط للانقلاب العنفوي على الشرعية، واستمالة بعض الأطراف السياسية الحليفة تقليديا للنظام السابق على قاعدة العدو المشترك وإعاقة المارد الديمقراطي القادم تحت عناوين المواجهة الأيديولوجية.

ثمة فريق يسعى لإسقاط الحكومة قبل موعد الانتخابات القادمة، ويتوسلون لذلك بالتحريض الشارعي على العصيان والتخطيط للانقلاب العنفوي على الشرعية

تكون نتيجة ذلك إنهاء مسار العمل التأسيسي، وإطلاق طريق العودة للتوازنات السياسية القديمة القائمة على احتكارية السلطة وزبونية الأطراف. وهم يستعجلون هذا التمشي لقطع الطريق أمام صدور قوانين حماية الثورة والعدالة الانتقالية وتشكل المشهد السياسي بشكل نهائي لصالح قوى الثورة.

أما السيناريو الثاني الذي يحدث به أنصار هذا التيار أنفسهم فهو المتعلق بالانتخابات القادمة. فبالاعتماد على آلة تجمعية خبيرة في تزوير إرادة الناخبين  وترسانة إعلامية نجحت إلى حد الآن في تشويه صورة الثورة وقواها الرئيسية وبتمويل من بارونات الفساد ودعم خارجي بات واضحا من أطراف دولية وإقليمية معروفة، بكل هذه الأعمدة يأمل هذا الفريق إدراك فوز أو شبه فوز في الانتخابات القادمة.

إنه من الطبيعي أن تتشكل هذه القوى وتنتظم دفاعا عن مصالحها، بعيدا عن كل اعتبار أخلاقي، لكن ما يلفت الانتباه أن بعض القوى السياسية المعارضة لم تنجح إلى الآن في إشباع رؤاها وبرامجها بمطالب الثورة ولم توفّق في تبين خصوصية المرحلة. فنرى بعضها يتناسى سنواته الطويلة من الصراع مع الاستبداد ويمد يده للتحالف مع امتداداته بعد الثورة. ورغم الضغط الشعبي والشبابي خاصة يصر هذا الفريق على الاستمرار في خطئه الإستراتيجي منذ الأيام الأخيرة لبن علي وحتى اللحظة الراهنة.

بل إن قراءة المرحلة وطبيعتها وأولوياتها وعمق التحولات المطلوبة ما زالت غائبة عن تقديرات هذا الفريق. يقوده الخوف من الآخر وعقدة الاستبداد ولكن أيضا حساباته الانتهازية الضيقة، لذلك نراه يخوض معركة خاسرة لأنها مبنية على معطيات خاطئة.

لقد تسرع هذا الفريق في مد يد النجاة للنظام السابق عندما كان يتهاوى، كما استعجل في جني ثمار الثورة لمّا رضي بتجديد المنظومة القديمة ورفض مسار النضال من أجل إقرار مشروع المجلس الوطني التأسيسي، فمثل قوة معارضة رئيسية في مواجهة اعتصام القصبة1 وخاصة القصبة2 الذي طالب بإيقاف العمل بدستور 1959 والذهاب لصياغة دستور جديد.

ونسجا على نفس المنوال في عدم التجانس مع روح هذه الثورة التبست أولويات هذا الفريق وعوض أن يكون ديدنه إنجاح تجربة الانتقال الديمقراطي والقطع مع الماضي أصبح خطرا على الثورة وعائقا أمام تحقيق مطالبها.

واليوم يستعد هذا الفريق لخوض معركة جديدة ضد قانون العزل السياسي الذي سيناقشه المجلس التأسيسي لحماية الثورة من خطر الردة السياسية. فديمقراطية الثورة غير الديمقراطية الليبرالية، وإسقاط الاستبداد في 14 يناير/كانون الثاني2011 لا يقل في أبعاده الإستراتيجية عن حدث الاستقلال في 20 مارس/آذار 1956.

لذلك فمثلما انتصبت محكمة القضاء الأعلى لتجريد المتعاونين من التونسيين مع الاستعمار الفرنسي من إمكانية ممارسة العمل السياسي في فجر الاستقلال، فإن قانون حماية الثورة يجب أن يعمل على حرمان رموز الفساد والاستبداد وناشطي الحزب الحاكم السابق من فرصة العودة السياسية لعرقلة مسار الثورة.

قانون حماية الثورة يجب أن يعمل على حرمان رموز الفساد والاستبداد وناشطي الحزب الحاكم السابق من فرصة العودة السياسية لعرقلة مسار الثورة

لكن بسبب من تداخل فضاءات العمل العام، نرى هذا الفريق يحاول إرباك الوضع العام أحيانا من داخل المؤسسات الدستورية أو من خلال تجييش الإعلام واستعمال الضغط الخارجي والاستعداد للتحالف مع قوى الردة. الاتهام الأبرز الذي يسوّقه هذا الفريق يتمثل في التشكيك في قدرة الحكومة على قيادة عملية بناء الديمقراطية الناشئة واتهام نواياها.

وفي الحقيقة لم تقم الحكومة ولا الأحزاب المكونة لها بكثير من الجهد لتهدئة هذه المخاوف وتبديد كل الشكوك. فالآن وبعد تسعة أشهر من تشكيل الحكومة الائتلافية لم يعد مقبولا استمرار هذا الغموض الذي يلف الأفق السياسي للمرحلة القادمة.

تحتاج الحكومة ومن ورائها الأحزاب المتحالفة إلى طرح رؤيتها السياسية على مائدة الحوار الوطني، وأن ترسم رزنامة المحطات المتوقعة فيما يتعلق بالقانون الانتخابي، والهيئة العليا للانتخابات، وقانون الإعلام، والهيئة المستقلة المشرفة على هذا القطاع الحساس. ومطلوب من الائتلاف الحاكم خاصة ضبط سياساته في مقاومة الفساد وتطهير الدولة من فلول النظام السابق والتمشيات اللازمة للإسراع بالعدالة الانتقالية.

ربما يفسر هذا البطء في وضع هذه الرؤية وطرحها في الساحة الوطنية بسلبيات العمل الائتلافي حيث تتفاوت الرؤى الأمر الذي يفترض قدرة عالية على تنسيق آليات الحوار الطويل والمضني. ولقد مثلت حركة "إكبس" إبداعا فريدا ينضاف لإبداعات شباب الثورة فعكس الدعم المشروط الذي تواجهه الحكومة من أنصارها المطالبين بفاعلية الإجراءات وسرعة الإنجاز ووضوح الرؤى.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة