حصار غزة والحصاد المر   
الجمعة 7/12/1434 هـ - الموافق 11/10/2013 م (آخر تحديث) الساعة 16:09 (مكة المكرمة)، 13:09 (غرينتش)
نبيل السهلي



الحصار والحصاد المر
اقتصاد غزة بقبضة الاحتلال
تخفيف آثار الحصار

فرضت إسرائيل حصاراً خانقاً على قطاع غزة إثر نجاح حركة المقاومة الإسلامية حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية في عام 2006، ثم عززت الحصار في صيف عام 2007. ويشتمل الحصار على منع أو تقنين دخول المحروقات والكهرباء والكثير من السلع، من بينها الخل والبسكويت والدواجن واللحوم ومنع الصيد في عمق البحر، وغلق المعابر بين القطاع وإسرائيل.

ويلحظ المتابعون بأن الانقلابيين على شرعية مرسي شاركوا بشكل مباشر بالحصار الجائر على قطاع غزة، حيث تمّ إغلاق معبر رفح المنفذ الوحيد للقطاع إلى العالم الخارجي من جانب مصر. وقد زادت معاناة الفلسطينيين في الآونة الأخيرة بعد إغلاق وهدم مئات الأنفاق الواصلة إلى قطاع غزة.

الانقلابيون على شرعية مرسي شاركوا بشكل مباشر بالحصار الجائر على قطاع غزة حيث تمّ إغلاق معبر رفح المنفذ الوحيد للقطاع إلى العالم الخارجي من جانب مصر

ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى أن قطاع غزة اعتمد بعد عام 2007 بشكل كبير على تلك الأنفاق لإدخال البضائع الضرورية من مصر لسد احتياجات أهالي قطاع غزة اليومية، خاصة وأن نحو 52% من مجموع سكان قطاع غزة الذين البالغ عددهم 1.6 مليون فلسطيني، هم من الأطفال دون الخامسة عشرة من العمر.

الحصار والحصاد المر
كانت سبعة معابر حدودية مفتوحة تحيط بالقطاع قبل عام 2007، ومع تشديدها للحصار، اعتمدت السلطات الإسرائيلية معبرين وحيدين فقط مع قطاع غزة.

إذ أبقت إسرائيل على معبر كرم أبو سالم (بين مصر وغزة وإسرائيل) معبرًا تجاريًا وحيدًا، حصرت من خلاله إدخال البضائع المحدودة إلى القطاع، فيما أبقت على معبر بيت حانون (إيريز-شمالي القطاع) كبوابة لتنقل الأفراد بين غزة وإسرائيل.

وفي هذا السياق يشير باحثون فلسطينيون إلى أن الحصار الإسرائيلي المديد، وكذلك هدم الأنفاق المستمر بعد الانقلاب على الشرعية في مصر أدى إلى خسارة اقتصادية بلغت 460 مليون دولار أميركي، ناهيك عن انعدام الأمن الغذائي لأكثر من 57% من سكان قطاع غزة، فضلاً عن فقدان ثلاثين ألف فرصة عمل، في ظل بطالة عالية أساسا وصلت في الآونة الأخيرة إلى 43% من إجمالي قوة العمل المعروضة في سوق العمل في قطاع غزة.

وثمة تداعيات خطيرة أخرى للحصار وهدم الأنفاق الواصلة إلى القطاع، في المقدمة منها نفاد 128 صنفاً من الأدوية، الأمر الذي أدى إلى وفاة أربعمائة طفل في قطاع غزة، غالبيتهم دون الخامسة من العمر.

ويؤكد باحثون أيضاً بأن أهالي قطاع غزة سيواجهون آثارا كارثية في المدى المنظور مع استمرار الحصار وإغلاق معبر رفح، خاصة في ظل الطلب المتزايد على السلع والبضائع، فاحتياجات قطاع غزة للأغذية آخذة في التزايد بسبب النمو السكاني الذي يصل إلى نحو 4% سنوياً. حيث يحتاج سكان القطاع يومياً إلى 650 طنا من القمح و73 طنا من الرز فضلاً عن 43 طناً من الزيوت وستة أطنان من الشاي ناهيك عن 230 طناً من الحليب، وهي المادة الأهم للمجتمع في القطاع، وبشكل أساسي للأطفال الذين يشكلون نسبة كبيرة منه.

ولذلك يجب اتباع إجراءات فلسطينية وعربية، من شأنها إعادة فتح معبر رفح وإبقاؤه مفتوحاً بالاتجاهين لأهالي قطاع غزة، وكذلك للسلع والبضائع، وبشروط تساعد الفلسطينيين على الاستغناء عن السلع والشروط الإسرائيلية في المستقبل، حتى يتخلص أهالي القطاع من الابتزاز السياسي والاقتصادي الإسرائيلي.

عمليات الحصار والإغلاق المستمرة في القطاع أدت إلى تراجع متوسط دخل الفرد إلى أدنى مستوياته منذ عام 2000 حيث وصل إلى 1800 دولار، ثم تراجع إلى أقل من 1200 دولار خلال 2012

اقتصاد غزة بقبضة الاحتلال
تشير دراسات فلسطينية مختلفة إلى أن سياسات الاحتلال الإسرائيلي الاقتصادية قد نالت إلى حد كبير من أوضاع الفلسطينيين في الضفة والقطاع، بيد أنها كانت أخطر في قطاع غزة نظراً لشح الموارد المختلفة هناك، ناهيك عن الزيادة الطبيعية العالية لسكان القطاع، والتي أدت بدورها إلى ضغوط كبيرة على الاقتصاد وعلى سوق العمل في الوقت نفسه.

وأدت زيادة عدد سكان القطاع إلى 1.6 مليون نسمة، منهم 52% من الأطفال الذين لا تتجاوز أعمارهم 15 سنة، إلى زيادة الأعباء على العامل الفلسطيني في القطاع.

وتشير معطيات إلى أن كل عامل في القطاع يعيل إضافة إلى نفسه خمسة أفراد من خارج قوة العمل.

وقدر مختصون اقتصاديون في الأراضي الفلسطينية الخسائر اليومية الناجمة عن الإغلاق الإسرائيلي للمعابر في قطاع غزة بأنها تزيد على 1.5 مليون دولار يومياً، وتبعاً لتفاقم الأزمات الاقتصادية في قطاع غزة تراجع الناتج المحلي للقطاع بنسبة 50%، وبات أكثر من ثلثي المجتمع الفلسطيني في القطاع يعيش تحت خط الفقر.

كما أن عمليات الحصار والإغلاق المستمرة في القطاع أدت إلى تراجع متوسط دخل الفرد إلى أدنى مستوياته منذ عام 2000 حيث وصل إلى 1800 دولار، ثم تراجع إلى أقل من 1200 دولار خلال العام المنصرم 2012، وثمة تقديرات بتراجع دخل الفرد في القطاع إلى أقل من ألف دولار في نهاية العام الحالي 2013.

وفي مقابل ذلك ساعدت عوامل عديدة في عدم انهيار الوضع الاقتصادي بشكل كامل، وفي مقدمة تلك العوامل انتشار فكرة التكافل الاجتماعي من خلال لجان الزكاة، ولجان الحي ومؤسسة الأمان الابتكارية، فضلاً عن تحويلات بعض العاملين من قطاع غزة في مناطق الجذب الاقتصادي العربية، وبشكل خاص في دول الخليج العربي.

بعد الإطلالة على آثار الحصار الإسرائيلي وإغلاق معبر رفح وهدم الأنفاق، باتت الضرورة تتطلب وضع آليات من شأنها تخفيف معاناة أهالي قطاع غزة في المدى المنظور

تخفيف آثار الحصار
بعد الإطلالة على آثار الحصار الإسرائيلي وإغلاق معبر رفح وهدم الأنفاق الواصلة من مصر إلى قطاع غزة من قبل الانقلابيين على الشرعية في مصر، باتت الضرورة تتطلب وضع آليات من شأنها تخفيف معاناة أهالي قطاع غزة في المدى المنظور.

وقد يكون من باب أولى أن توكل المهمة بالدرجة الأولى إلى الهيئات المالية العربية، حيث ثمة إمكانات حقيقية لدى تلك الهيئات في تمويل مشاريع صغيرة ومتوسطة في قطاع غزة، وقد تساعد تلك العملية في الحد من ظاهرة البطالة المتفاقمة، والتي وصلت إلى 43% خلال الأعوام الأخيرة.

وكما أشرنا سابقاً، يمكن تحسين أداء الاقتصاد في القطاع من خلال إيجاد صندوق بدعم عربي وإسلامي بغية دعم قطاع الصيد، حيث يعيش حوالي أربعين ألف مواطن فلسطيني من صيد الأسماك في قطاع غزة، ووفقاً لنقابة الصيادين في غزة، يحتاج الصيادون هناك إلى أربعين ألف لتر من الوقود، فضلاً عن عشرة آلاف لتر من الغاز الطبيعي كل يوم، للتمكن من تشغيل القوارب خلال فصل الصيد.

ويبقى القول بأن الضرورة تحتم الضغط من قبل الدول العربية على الانقلابيين في مصر بغية الإبقاء على معبر رفح مفتوحاً بالاتجاهين، وتالياً التوقف عن هدم الأنفاق حيث شكلّت الأنفاق المتنفس والرئة للقطاع المحاصر، ومن خلالها دخلت الكثير من البضائع والمواد الغذائية والوقود، وهو الأمر الذي مكّن السكان من البقاء على قيد الحياة.

وإغلاق الأنفاق بشكل تام يعيد قطاع غزة إلى مربع الحصار في سنواته الخانقة الأولى، خاصة مع انعدام البدائل الاقتصادية الأخرى، وإغلاق إسرائيل للمعابر.

ومن شأن فتح معبر رفح بصفة دائمة والتوقف عن هدم الأنفاق أن يعزز من صمود أهالي قطاع غزة، لمواجهة الحصار الإسرائيلي المديد والحد من آثاره الكارثية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة