هل دخل الأوروبيون والروس بيت الطاعة الأميركي؟   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:10 (مكة المكرمة)، 17:10 (غرينتش)

* بقلم/ منير شفيق

في العلاقات الدولية الحارة، أو المأزومة، تكثر الاتصالات المباشرة بين الرؤساء ووزراء خارجيتهم ودفاعهم. ففي الحالة الأولى يعبر التواصل المستمر عن قوة العلاقة وإيجابيتها، فيما تدلل الحالة الثانية على السلبية أو شدة الأزمة. أما البرود في الاتصالات وتباعدها فيشكلان مؤشراً على أزمة صاخبة أو صامتة.


بوتين: المناورات البحرية الفرنسية الروسية المشتركة خطوة أولى في بناء نظام أمني عالمي يرتكز على مبدأ عالم متعدد القطبية
صحيح أن قرار مجلس الأمن 1483 الخاص بالعراق، والذي تعامل مع الاحتلال الأميركي البريطاني له، خفف كثيراً من ظاهر الأزمة التي اندلعت بين أميركا وكل من روسيا وفرنسا وألمانيا والصين قبل العدوان على العراق، ولكن في المقابل بقي ما تحت السطح غير ما يظهر عليه.

وبرغم أن الكثير من المحللين السياسيين اعتبر أن الأزمة انتهت، وأن التفاهم أخذ يحل محل الاختلاف والتداني بدل التنائي. فإن آخرين، ولعلهم قلة، أصروا على أن الأزمة لم تحل والاختلاف ما زال قائماً، والتنائي هو السمة السائدة. وسمح الفتور في العلاقات باستمرار الاستنتاجين، وبإلقاء درجة من الغموض وعدم اليقين على حالة العلاقات الدولية خلال الشهرين الماضيين.

من هنا تأتي اللقاءات الوزارية بين روسيا وفرنسا في 8 يوليو/ تموز 2003 على مستوى وزيري الخارجية والدفاع في آن واحد، لتعطي مؤشراً على أن العلاقات الروسية الفرنسية التي قفزت إلى مستوى التنسيق في مرحلة ما قبل الحرب العراقية، وعند اتخاذ قرار 1483، ما زالت على أشدها، وهو دليل يعزز بصورة مباشرة وجهة النظر التي تؤكد على استمرار الأزمة بين أميركا من جهةوكل من روسيا وفرنسا من جهة ثانية.

وفي هذا السياق انعقد "المجلس الفرنسي الروسي حول المسائل الأمنية" بموسكو في 8 يوليو/ تموز 2003 بوفد فرنسي ترأسه وزيرا الخارجية والدفاع دومينيك دو فيلبان وميشال إليو ماري، في مقابل نظيريهما الروسيين إيغور إيفانوف وسيرغي إيفانوف.

في ختام أعمال المجلس صرح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قائلاً "خلال السنوات الأخيرة لم تكتسب العلاقات بين بلدينا زخماً جديداً فحسب، بل تغيرت نوعيتها أيضاً". ودعم بوتين هذه الملحوظة ذات المغزى بالإشارة إلى المناورات البحرية الفرنسية الروسية التي شهدها بحر النرويج في حينه (8 يوليو/ تموز)، فاعتبرها "حدثاًُ لا سابق له"، ووصفها بأنها "خطوة أولى في بناء نظام أمني عالمي يرتكز على مبدأ عالم متعدد القطبية". أما وزير الخارجية الفرنسي دومينيك دو فيلبان، فقد شدد بدوره على "تلاقي وجهات النظر بين باريس وموسكو".

وهذا الأمر يفرض على المحلل السياسي أن يتصور كيف تنظر الإدارة الأميركية إلى كل هذا، ومن ثم مدى انزعاجها منه واعتباره مناقضاً لسياستها، إن لم يكن تحدياً لها. كما ينبغي للمحلل السياسي أن يتوقف متأملاً كذلك في تصريحات بوتين لصحيفة نيو ستريت تايمز في اليوم نفسه، حيث حذّر من "فوضى وكارثة" إذا أصبحت "سياسة التفرد القاعدة في العلاقات الدولية". وأكد على رغبة روسيا في أن تصبح الأمم المتحدة أكثر قوة في التعامل مع "حفظ السلام والنظام الدولي". وعندما سئل بوتين عن دور موسكو ذكر أن "روسيا والولايات المتحدة اليوم هما أقوى قوتين نوويتين في العالم".

هنا يجب ألا يخفى المغزى الخطير في التذكير بقوة روسيا النووية ووضعها على قدم المساواة بالقوة النووية الأميركية. فهذه رسالة لا تستطيع الإدارة الأميركية إلا أن تتلقاها جيداً، وقد غابت عن حساباتها -ولو ظاهرياً- منذ انهيار الاتحاد السوفياتي وانتهاء مرحلة الحرب الباردة والقطبية الثنائية.

ثم لا ينبغي أن يغيب هذا التذكير عن بال الذين يقدرون موازين القوى، أو أن يسقط من حساب البعض الذين نسوا أو غفلوا عن أن روسيا ما زالت تمتلك قوة نووية قادرة على تدمير العالم كله عدة مرات وليس مرة واحدة فقط، وهو ما كان أساس قوة الاتحاد السوفياتي حين اعتبر قطباً موازياً.

فلماذا أسقط هذا تماماً من كل حساب وتقدير؟. وها قد جاء بوتين الآن ليذكر به وهو يعلن في لقائه مع وزيري الخارجية والدفاع الفرنسيين أو في تصريحاته لصحيفة نيو ستريت تايمز أن "روسيا تبحث عن مكان لها في عالم متغير...".


لم يستطع الرأي العام العالمي الدولي والشعبي منع إدارة بوش من العدوان على العراق، ولكن قوة هذا الرأي تشبه كرة الثلج التي تجرف كل ما يعترض طريقها ”

ويلاحظ أن بوتين في ذلك اللقاء، ولا سيما في مقابلته مع الصحيفة آنفة الذكر، أصر على وضع روسيا بموقع الشريك والموازي للولايات المتحدة، وذلك حين كان يتحدث بإيجابية عن علاقات روسيا بأميركا أو عند تناوله لقضايا الأمن والسلام العالميين أو الإرهاب أو العلاقات الاقتصادية.

ولهذا فإن تفكيك تصريحات بوتين يشكل مفتاحاً هاماً في فهم ما يجري تحت السطح بالنسبة إلى العلاقات الأميركية الروسية. ويفترض بالمراقب مع تأمل متأن وبعض الخيال أن يهز الأحكام السطحية التي تعتبر أن روسيا وفرنسا وألمانيا والصين فضلاً عن أغلب دول العالم قد عادت إلى بيت الطاعة الأميركي بعد الحرب على العراق واحتلاله.

فالوضع الدولي، بما في ذلك الوضع في المنطقة العربية، أشد تعقيداً من هذا التبسيط في فهم العلاقات الدولية. فهذا التعقيد يجمع في الوقت نفسه، وفي اللحظة الواحدة، اتجاها نحو المساومة والمصالحة وتجنب دفع الخلافات إلى مستوى التحدي والخشونة، إلى جانب اتجاه آخر نحو الممانعة من خلال معارضة السياسات الأميركية الساعية إلى تكريس قاعدة التفرد في العلاقات الدولية.

ويكفي تدليلاً على ذلك ما يلقاه الاحتلال الأميركي للعراق من مطالبة بإنهائه، وسرعة أن يقوم العراقيون بحكم أنفسهم بأنفسهم، فضلاً عن التشديد على ضرورة تعاظم دور الأمم المتحدة في العراق كما في سائر القضايا الدولية. وهذا بعض ما يدفع في الاتجاه المعاكس للتفرد الأميركي الذي يتعامل مع الدول الكبرى من خلال التهميش ومع غيرها من خلال الإملاء ولغة التهديد والوعيد والضغوط.

تبقى نقطة يحتج بها البعض للتقليل من خطورة ما تواجهه الإدارة الأميركية من عزلة دولية وهي عدم فاعلية معارضيها في منعها من تنفيذ سياساتها، كما حدث مع معارضة الحرب على العراق.

لكن الذي يستهتر بالرأي العام العالمي الدولي والشعبي لأنه لم يستطع منع إدارة بوش من العدوان على العراق واحتلاله، لا يرى اتجاه التطورات اللاحقة. فقوة الرأي العام العالمي الدولي والشعبي تشبه كرة الثلج التي تكبر باستمرار حتى تصل إلى وضع تجرف معه كل ما يعترض طريقها. وبديهي أن من يحكم على السياسة من خلال اللحظة الراهنة دون رؤية اتجاه الحراك المستقبلي المضاد لذلك الحكم، ستفاجئه الأحداث حتى القريبة وليس البعيدة أو المتوسطة فقط.
ــــــــــــــــــ
* كاتب فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة