جدلية شراكة القرار الفلسطيني بين السلطة وحماس   
الأحد 1425/8/18 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)


بقلم/ إبراهيم أبو الهيجاء

- جدية الانسحاب من غزة
- تفسيرات القوى الفلسطينية
- جدية ومدى الشراكة المطروحة
- أهمية الردع المقابل
- حاجات الأطراف الفلسطينية

في الحدث الفلسطيني تتجه الأمور أكثر فأكثر إلى النقلات النوعية والتطورات الإستراتيجية، سواء في العمل السياسي أو المقاوم، فمن جهة وصلت حالة العدوان سقفا بلغ حد اغتيال الشيخ أحمد ياسين، وهناك تلميح صريح من شارون تجاه عرفات يتجاوز التفاهمات الأميركية تجاه هذه المسألة, وفي الجهة المقابلة يتصاعد الحديث عن الانسحاب من غزة في الداخل الإسرائيلي نخبويا وأمنيا وسياسيا.

وبالتفاعل مع ذلك تتسارع خطى الحوار الفلسطيني الداخلي، وتتوالى الدعوات وعلى لسان رئيس السلطة الفلسطينية هذه المرة لإشراك حركة حماس في قيادة وطنية موحدة، ورغم أن هذا الحوار أو تلك الدعوات ليست بالجديدة، إلا أن المستجد هو الظروف الجديدة التي شجعت حماس للحديث عن إمكانية اشتراكها في إدارة غزة، وما آلت إليه بالمقابل التسوية وبالتالي وضعية السلطة وترسخ نهج المقاومة، كل ذلك جعل هذا الحوار وتلك الدعوات تستدعي النظر من جديد بقياس أهميتها وجديتها ومستقبلها.


تبدو حماس كطرف فاعل في الانسحاب من غزة، فمن جهة يريدها عرفات شريكا نسبيا في إدارة القطاع بما يخدم شرعيته, ومن جهة مقابلة فإن الأطراف الطامحة لخلافته تخطب ودها لجعلها متقبّلة لسلطتها وقابلة بشرعيتها
جدية الانسحاب من غزة

فالمؤكد من كل ذلك أن الانسحاب الإسرائيلي القسري من غزة سيخلق وضعية جديدة تستدعي ترتيبات مختلفة، ورغم أن هذا الانسحاب لا يزال رجما بالغيب، إلا أن احتماليته قائمة وتتطلب دون شك النظر في ذلك المستقبل الافتراضي القادم، وبالتالي قياس كيفيته وآلياته وموقع الأطراف الفلسطينية فيه وموقفها منه.

وبرأينا أن كل ذلك يجب أن يدرس مدى الانسحاب الإسرائيلي وجديته وحجمه وطبيعته، في ضوء أن الطريق لتنفيذه لا تزال طويلة بدءا من حسمه حزبيا وحكوميا وأميركيا ورباعيا، أي اللجنة الرباعية. ويرتبط في ذلك أيضا إمكانية توجيه تهم قانونية بالفساد تهدد مستقبل شارون، بل وإمكانية خسارة بوش الجمهوري انتخابيا أمام جون كيري الديمقراطي.

والأهم من كل ذلك مدى جدية بقاء هذا الانسحاب أحاديا ودون اتفاق مع السلطة، في ضوء نية الأميركان والرباعية إخراجه بصورة اتفاق ما وكجزء من خريطة الطريق وليس متحايلا عليها أو قاطعا الطريق عليها أو معززا لنهج حماس، فحدوث ذلك مثلا يمكن أن يجعل إمكانيات اشتراك حماس بإدارة القطاع سياسيا مستحيلة، حتى لا تظهر وكأنها جزء من هذا الاتفاق أو ساكتة عنه أو مضحية بالمقاومة الفلسطينية ودمائها.

تفسيرات القوى الفلسطينية
وحتى لو جرى تجاوز إشكالية هذا الانسحاب وما يحمله من غموض، فإننا حتما سنصطدم بإشكالية أخرى لا تقل أهمية، وهي تفسيرات الأطراف الفلسطينية لمثل هذا الانسحاب بين طرف يعتبره إنجازا للمقاومة يجب البناء عليه في تطوير المقاومة واستمرارها لتحرير بقية الأرض، وهذا ما تريده حماس والجهاد وكتائب الأقصى، وطرف يقر بأنه إنجاز للمقاومة ولكنه يريد جعله نموذجا لقدرة الفلسطينيين على السيطرة وتنظيم أنفسهم واستعادة ثقة المجتمع الدولي بهم ولا سيما الأميركان، وهذا ما تريده السلطة وسيصطدم حتما مع بقاء أي شكل من أشكال المقاومة.

وبين هذين النموذجين علينا أن نسأل أنفسنا سؤالا هاما حول موقع الرئيس عرفات من هذه الترتيبات، وعلاقة الإدارة الناشئة في غزة مع قيادة عرفات القابعة في غرفتين بالضفة، خاصة أن الولايات المتحدة وإسرائيل تريدان جعل نموذج غزة ضربة قاضية لعرفات والالتفاف على صلاحياته، بنية إبراز قيادة جديدة منبثقة عن القديمة ولكنها أكثر اتساقا مع مطالبها.

في هذه المعادلة تبدو حماس كطرف فاعل، فمن جهة يريدها عرفات شريكا نسبيا في قرار إدارة غزة، حتى يبقى التوازن في غزة قائما بما يخدم شرعيته وسلطته، ومن جهة مقابلة فإن الأطراف الطامحة لخلافته تخطب ود حماس لجعلها متقبّلة لسلطتها وقابلة بشرعيتها، وحماس بين هذا وذاك تقيس مصلحتها على ضوء خدمة مشروع المقاومة واستمراره، مدركة أن التخلص من عرفات وإضعافه لا يخدمها في المرحلة الحالية، في ضوء أن بروز قيادة جديدة مؤيدة من الأميركان سيعجّل ضرب مقاومتها والتقليل من استثمارها للانسحاب من غزة على أنه نصر لها.


غموض مواقف السلطة تجاه التسوية والمقاومة سيبقي مشاركة حماس صعبة وتحاكي الوحدة الميدانية كون الوصول إلى شراكة جوهرية يستوجب الإجابة عن أسئلة فورية لا تحتمل التأجيل
جدية ومدى الشراكة المطروحة

الإشكالية الثالثة تتعلق بالمدى الذي من الممكن أن تذهب إليه السلطة بإشراك جدّي وشمولي لحركة حماس في صناعة القرار، هذا بفرض موافقتها وبافتراض تجاوزها للإشكاليات الماضية. وعليه فالسؤال المطروح هنا: هل إشراك حماس بالسلطة هو مسألة إعلامية توظيفية في اللعبة السياسية أم قضية جوهرية تعني تغيير المشهد الفلسطيني من حيث الصلاحيات والامتيازات والسياسات؟

وهنا نحن بحاجة ملحة لضبط المصطلحات التي تزخر بها وسائل إعلامنا مثل (قيادة وطنية موحدة، أو حكومة طوارئ أو إعادة هيكلة منظمة التحرير الفلسطينية).

فهل وجود قيادة وطنية موحدة يعني أن حماس شريكة قرار أو صاحبة رأي استشاري فقط؟ وهل القيادة الموحدة هي المسؤولة عن القرار الفلسطيني أم هي لجنة إضافية تضاف إلى اللجان السياسية والأمنية المتعددة والكثيرة التي لا تسهم جديا في القرار بقدر ما تضفي من تسميات جديدة للقرار الفلسطيني دون جدوى حقيقية، كون القرار يصنع بشكل بعيد عن المؤسسية وأقرب إلى الفردية المتأثرة كثيرا بالضغوط السياسية، بل ذات السلطة هي نتاج معادلة تسوية لا نتوقع انفكاكها منها لأن في ذلك إنهاء لما تبقى لها من شرعية رمزية.

أما إعادة هيكلة منظمة التحرير فيواجه بأسئلة أصعب حول واقعيتها انتخابيا، حتى لو تجاوزنا المطلب الانتخابي ووصلنا إلى نظام الحصص فإننا سنصل إلى استفهامات حول الكيفية والنسب والصلاحيات والتوزيعات؟ ما سيتطلب إصلاحات في النظام وتغييرا في الامتيازات، وقبل ذلك ستكون الإشكالية الحقيقة حول البرنامج السياسي الضابط لكل ذلك في السلطة أو المنظمة. فهل من الممكن أن تقايض حماس قبولها بدولة فلسطينية على أراضي 67 مقابل تناسي أراضي الـ48؟ ثم كيف يمكن التوافق على شكلها هل هي علمانية ديمقراطية كما تطمح السلطة أم هي إسلامية شورية كما تطمح حماس؟

طبعا من الممكن تجاوز كل ذلك بفضل تأجيل الحسم أو استخدامات مطاطة في اللغة العربية، ولكن لا يمكن تأجيل أو التحايل على الأسئلة الملحة التي تواجهها السلطة وبالتالي المنظمة على صعيد علاقاتها مع إسرائيل والولايات المتحدة، ومن ثم ما الموقف من بقاء التفاوض أو ما الموقف تجاه عمليات المقاومة؟ فمثلا هل من الممكن أن تقبل حماس الاشتراك في سلطة تفاوض إسرائيل على تطبيق خريطة الطريق أو استكمال تطبيق اتفاقية أوسلو؟

باختصار فإنه بحجم غموض مواقف السلطة تجاه التسوية والمقاومة ستبقى مشاركة حماس صعبة وتحاكي الوحدة الميدانية، كون الوصول إلى شراكة جوهرية يستوجب الإجابة عن أسئلة فورية لا تحتمل التأجيل، ونشك كثيرا في استطاعة أحد إعطاءها والوصول إلى تسويات بشأنها.

أهمية الردع المقابل
وحتى لو تجاوزنا كل هذه الأسئلة والإشكاليات السابقة، هل يمكن أن نتجاهل حدث اغتيال الشيخ أحمد ياسين القريب. والسؤال الذي سيبرز هنا هل ستبقى حماس رهينة معادلة الردع المفروضة عليها من قبل إسرائيل التي تهدد قادتها وكوادرها وغيبت قائدها؟ هل بالفعل يمكن أن تتجاهل حماس أنها في معركة فرضت عليها ما يتطلب منها على الأقل الدفاع عن نفسها، بما يحافظ على برنامجها المقاوم وشعبيتها المتعاظمة؟ هل بالفعل يمكن تجاهل كل ذلك؟ والتسليم بظهورها كقوة ضعيفة تفاوض على صلاحيات مشكوك فيها في إدارة مستقبلية لغزة غامضة التحقق؟

برأينا أن شرعية الردع المقابل الذي تملكه حماس في ضوء الاستهداف الإسرائيلي المنهجي، مع الالتفاف الشعبي العربي المتعاطف معها، أدى بدوره إلى تسريع الحوار مع حماس بقصد الحصول على تفاهم معها يقلل من حجم الردع العسكري ويمتص النقمة الشعبية، لأن السلطة تخشى جديا من عمليات ضخمة تؤدي إلى طرد عرفات وبالتالي تفكك السلطة الفلسطينية في ظل أن شارون مأزوم داخليا ومندفع خارجيا سواء ملك المبرر أم لم يملكه، ولعل حادثة اغتيال الشيخ ياسين تعطينا مؤشرا على ذلك.


ثمة إمكانية أن تقدم السلطة على تنازلات طفيفة في امتيازاتها لإغراء حماس بالدخول في شراكة عاجلة، لكن من المشكوك فيه أن يكون هناك تحول في سياساتها وجدية في صناعة قرار فلسطيني مؤسسي
حاجات الأطراف الفلسطينية

في ضوء ما تقدم يبدو أن تحليل جدلية المستقبل الفلسطيني بعد الانسحاب من غزة مهم (افتراضيا)، ولكن الاستغراق فيه سيكون نوعا من العبث التنظيري، لأن ثمة إشكاليات موضوعية واستفهامات مصيرية سابقة، وبرأينا فإن تصاعد هذه الأحاديث يمكن فهمه لدى حركة حماس من خلال حاجتها لاستباق افتراض الخروج من غزة بقصد الحصول على واقع يهيئ لها مقاومة مثل تلك القائمة في جنوب لبنان، بما يجير الانسحاب من غزة لصالح برنامجها التحريري والقائم على مقاومة الاحتلال وتحرير كل الأرض الفلسطينية.

وفي حال فشل حماس في الحصول على هذه الصيغة النموذجية فإنه لا أقل من الحصول على إفادة لمشروعها التغييري في الحصول على إدارة محلية لقطاع غزة تقوم على الانتخابات وسيادة القانون، إلا إذا ارتبط ذلك بمشروع التسوية، فعندها لا يمكن لحماس التضحية بالبرنامج التحريري لصالح البرنامج التغييري الشكلي المرتهن بشكل أو بآخر بالاحتلال مهما كانت الإغراءات والميزات، وقد اختبر ذلك سابقا وفشل.

في مستوى ثالث وإذا ما فشل الخياران الأول والثاني، فإن حماس ستحاول الحفاظ على الحدود الدنيا من الوحدة الميدانية النظامية في غزة، بما يبقي على حالة المقاومة ضد الاحتلال واستكمال التحرير، وهنا قد تلجأ الحركة إلى حوار على برنامج ميداني فقط ينظم بعض حالات الفوضى، ويحافظ على فاعلية التيار المقاوم داخل حركة فتح، وهنا قد تدفع حماس باتجاه تعزيز خيار الانتخابات البلدية التي أعلنت مرارا إمكانية اشتراكها فيها، كونها تتعلق بالشأن الخدماتي المؤكد لحضور الحركة في الميدان السياسي والاجتماعي، إلى جانب حضورها كمقاومة أجبرت الاحتلال على الانسحاب من غزة وتطمح للمزيد.

بالمقابل تبدو حاجة السلطة لهذا الحوار تنبع من حاجة أطرافها المتصارعة لاستقطاب قوة حماس وتوظيفها لصالح تعزيز شرعية وقوة كل طرف، أو محاولتها التقليل من شرعية وشعبية نموذج المقاومة الفلسطيني في التحرير الذي تعتبر حماس الجزء الفاعل فيه.

في مستوى ثالث تحاول السلطة امتصاص غضب حماس ومحاولة التأثير على مدى وحجم عملياتها الفدائية القادمة، بما لا يؤدي إلى تحولات إستراتيجية تضر بها. وفي المستوى الرابع تحاول السلطة جعل حماس جزءا من إدارة غزة وكأنها سلطة منظمة وواحدة وموحدة تجاه خياراتها قبالة المجتمع الدولي.

في الأفق ثمة إمكانية أن تقدم السلطة على تنازلات طفيفة في امتيازاتها لإغراء حماس بالدخول في شراكة عاجلة معها، لكن من المشكوك فيه أن يكون هناك تحول في سياساتها وجدية في صناعة قرار فلسطيني مؤسسي يعبر عن جميع الرؤى الفلسطينية ممثلة بالاتجاهات الفاعلة فيه. وبالمقابل سيكون من الصعب أن تقدم حماس على مغامرة مشكوك بنتائجها ومخلة بثوابتها، ما يبقي على أحاديث الشراكة في التوظيف والتوظيف المقابل، وبما يجعلها تؤمن الحد الأدنى من التوافق الميداني على الأقل في المرحلة والظروف الراهنة.
ـــــــــــــــــ
كاتب فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة