ملغى   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:10 (مكة المكرمة)، 17:10 (غرينتش)

بقلم/ الشيخ راشد الغنوشي

لخص الفيلسوف زكي نجيب محمود في كتابه" خرافة الميتافيزيقا" تصنيف مدرسة الوضعية المنطقية لما تحتويه قواميس اللغة من كلمات الى صنفين صنف له معنى وهو ما يشير الى وجود موضوعي مثل كلمة تفاحة أو بيت أو كتاب أو أنسان محدد ..الخ وصنف آخر من الكلمات يتوفر عليه القاموس، ولكنه لا يشير الى أي شيء له وجود في الواقع هنا أو هناك، وهو ما يجعله في المحصلة مجرد صوت مثل العنقاء أو الغول..الخ. وتقترح هذه المدرسة تنقية القواميس من مثل هذه الكلمات باعتبارها فارغة من المعنى، فلا يستبقى فيها منها غير الكلمات ذات المعنى التي تشير الى وجود محدد مادي أو معنوي. وعلى ما في هذا المنحى من التفكير من صرامة، لا سيما إذا دفعه تطرف مادي الى حدوده القصوى، فإنه يبقى حاملا لقدر غير قليل من الجدوى في التعامل مع مختلف الخطابات لتمييز ما تتوفر عليه من مضامين جادة تستحق التعامل الجاد معها بالقبول أو الرفض، من الخطابات العابثة الخاوية من كل مصداق وجدوى لا ترتفع حتى الى مستوى المصاصات الفارغة التي توضع في أفواه الاطفال تلهية لهم، بإيهامهم أنها تحتوي على شيء، وهو صنف من الخطاب يجب عدم التردد في اطراحه جانبا في سلة المهملات وعدم تضييع أي وقت أو جهد في مناقشته قبولا أو رفضا.
ولو أننا أعملنا بجد هذا المنطق في فحص الخطاب الرسمي السائد في دول العرب وأخذنا على سبيل الثال اثنتين منها تفتخر نخبتهما بالانتساب الى عالم الحداثة هما مصروتونس، وبالتحديد في المجال السياسي وهو المجال الحاكم على غيره والمحدد لمآلاته نجاحا أو فشلا كليا أو غالبا، لأمكن لنا بيسر كبير الوقوف الحاسم على مقدار ما يتوفر عليه قاموس خطاب السلطة العربية وجزء غير قليل من المعارضة، مما تتوفر عليه اللغة السياسية من مصاديق ذات معنى أي ما تشير اليه في الواقع الفعلي فيحتفظ به، ليناقش بجد قبولا أو رفضا، تمييزا له من الكلام الهراء الذي لا يشير الى مدلول في الواقع اللّهم إلا على نقائضه فيرمى مباشرة ولا يتوقف عنده لحظة من قبل أهل الحجى.
وتأتي أهمية فحص مدلولات خطاب السلطة السياسية هنا باعتبارالسلطة تمثل الاطار الضروري لاصلاح كل ما يراد اصلاحه من شؤون الجماعة، ارتقاء من مستوى الفساد والفوضى والظلم الى مستوى أرقى تكون فيه الجماعة أقرب الى الصلاح وأبعد من الفساد ، وتلك غاية السياسة، وذلك موضوعها كما هو في المأثور العربي. وفي الادبيات المعاصرة يتم التركيز أكثر في ممارسة السياسة باعتبارها وعاء ضروريا للحقوق والحريات وما توفره من فرص لنقل الصراع بين مجموعات النخب داخل الجماعة السياسية أو الامة، من المستوى المادي العضلي العنيف سبيلا لتحقيق الذات وفض المنازعات داخل الجماعة، الى مستوى الصراع الرمزي السلمي، عبر وسائط التدافع والمجادلة على أعمدة الصحف وقنوات التلفاز وفي نابر النوادي عرضا للبرامج على الجماهير من أجل ضمان ولائها واستقطاب أصواتها استعدادا ليوم الامتحان يوم العرض على صناديق الاقتراع حيث يتم الفرز وصعود فريق من النخبة ونزول آخر، حسبما اتفقت عليه جماعات النخبة المتنافسة من قواعد اللعب دون أن يفرضها صاحب السلطة على منافسيه لمصلحته كما هو حال السلطة العربية اليوم. وعنما يعجز فريق واحد عن الحصول على أغلبية تمكنه من تشكيل حكومة بمفرده يجده مضطرا للدخول في مفاوضات بحثا عن وفاقات مع مجموعات مشابهة لتشكيل ائتلاف حكومي.. وهكذا يستمر داخل كل حزب وفيما بين الاحزاب كما هو داخل كل جمعية أو نقابة وفيما بينها، الحوار والتدافع السلمي الفردي والجماعي والتفاوض، بحثا عن الوفاق، عن الأرضية والقواسم المشتركة، مما يعد جوهر السياسة، حيث يندر الانتصار الساحق بالضربة القاضية لصالح فريق، بما يجعل عملية التفاوض بحثا عن الوفاق عملية مستمرة في المجتمع السياسي الديمقراطي، على اعتبار الديمقراطية اليوم تمثل أفضل ما توصل اليه العقل البشري من آليات تضمن للقرار الذي يخص المجموع أن لا ينفرد به شخص أو أقلية للتعبيربأفضل ما هو ممكن عن مصلحة المجموع وتلك هي غاية الشورى عنوان الحكم الاسلامي كما أوضح ذلك الشيخ محد عبدة. كما يضمن البحث الناصب الذي لا يفتر عن الوفاق استمرار الحراك السياسي والاجتماعي داخل جماعات النخبة تداولا بينها للسلطة وليس للقمع كما هو حال التداول في الانظمة الدكتاتورية السائدة في الوطن العربي ذات الشرعية المستمدة لا من الوفاق الديمقراطي والتدافع السلي والقبول الشعبي وإنما من محض القوة السافرة أو المغلفة بمسوح مخرّقة مستجلبة من عالم الحداثة لستر العورة(مصر ،تونس)، حتى لكأن التاريخ الحديث لهما- إن لم يكن لكل بلاد العرب-لم يكن بحال تاريخ التداول السلمي للسلطة،لأن هذا لم يحصل قظ بقدر ما كان تاريخ تداول القمع والمحاكمات السياسية، وذلك بعد أن تم ارساء نظم سياسية حديثة في مسوحها ولكنها حداثة مفرغة بالكلية من جوهر العملية السياسية الديمقراطية الحديثة:تداول السلطة بين جماعات النخب عبر الاستخدام الجاد للقاموس السياسي الحديث من تداول سلمي للسلطة عبرانتخابات تنافسية حرة وتشكيل حر للجمعيات وعقد الاجتماعات بحرية ونشر الصحف وتفاوض بين جماعات النخب بحثا عن الوفاق . وإن ا تم ن تفريغ لقاموس السياسة الحديث من المعنى حتى غدت السياسة هياكل فارغة من المعنى فاقدة للمصداق والاحترام هي والقاشمون عليها قد أفضى الى حالة متقدمة ن القطيعة بل والاستقلال الكامل أو شبه الكامل عن مجتمعاتها، فأصبحت السلطة تمارس ظاهرا باسم الشعب ولمصلحته وهي عند التحقيق كما يعلم الجميع ليست سوى الامتداد الطبيعي والوريث لرجال الادارة الاستعمارية السابقة الذين لم يكونوا يضمرون غير مشاعر الاحتقار لقيم ومثل الجماهير الشعبية، وكان رهانهم ليس على احترام هوية تلك الجماهير وتمثيلها وانما على نسفها وتفكيكها من أجل تشكيلها وفق المثل السلطوي الذي يعملون بوحي منه (انظرفي هذا الصدد ما كتبه القاضي الهمام الرئيس مختار اليحياوي ونقل بعضه عن المؤرخ مصطفى كريم _تونس نيوز29-7-04tunisnews.net)
ولو أننا رمنا تحديد الاتجاه الذي تتطور اليه هذه النظم المتحكمة في رقاب شعوبنا منذ نصف قرن يزيد لألفيناها تغذّ السير في الاتجاه المعاكس لحركة ساعة العصر فتزداد مع اشتداد المطالبة الخارجية والداخلية لها بالاصلاح والانفتاح والشاركة، رعبا من هذه المطالب واستعدادا لمقايضة مطالب الخارج بمزيد التفويت لصالحه فيما تبقى من قومات الاستقلال على صعيد الاقتصاد والامن والاستجابة لمطالب المشروع الصهيوني .وذلك مقابل تصعيد وتيرة التشدد في التعامل مع مطالب الداخل عتوا وتعويلا أكثر فأكثر على وسائل العنف والغش قضاء على نزر السياسة المتبقي.ولقد بلغ خلط الالوان في هذه الانظمة حدا يعسر معه تصنيفها ضمن الانمة المعاصرة فبعض ألوانها مستعار من الديمقراطية حيث يتوفر على "احزاب" و"انتخابات" و"برلمان منتخب" "ودستور" "يفصل بين السلطات" و"مؤسسة قضائية" و"مجلس دستوري" و"صحف" و"مؤسسات مجتمع مدني"!! حتى أن الالصق منها بشعارات الحداثة مثل تونس ومصرلا يكاد تغادرمفردا في القاموس الديمقراطي إلا حرصت على استعماله والانصباغ بصبغته . غير أننا لو بذلنا قدرا ولو قليلا من التدقيق فيما وراء هذه الاصباغ الديمقراطية وتفحصنا ما تحتها من حقائق ديمقراطية لرأينا شيئا عجبا: دستورا يركز كل السلطات في يد الرئيس أو قل الملك المطلق فالامر قد اختلط: هو الذي يعين الوزراء بكل حرية ويزكي أعضاء البرلمان باعتبارهم من حزبه، وهو الذي يضع من القوانين ويسن من السياسات ما يشاء، لتحضى بالمباركة .مهما بلغت كارثية وفجاجة.الموافقة مضمونة لا تتخلف ولو مرة واحدة لدى "برلمان" تحت السيطرة انجدر من حزب حاكم ولك أن تقول محكوم يتولى صاحب السلطة تعيين هيآته القيادية وهو ذاته الذي يشرف على مجلس القضاء الاعلى بما يجعل كل القضاة مجرد موظفين عنده كما يعين أعضاء المجلس الدستوري. والدساتير هنا وخلافا لما عليه الامر في النظم الدستورية الجادة حيث تتسم مبادئ الدستور بقدر كبير من الثبات وصعوبة التغيير الدساتير هنا – كما في المثالين المذكورين- طيعة جدا لأهواء الرئيس تكاد تسابق فصول السنة في تغيرها عبر إجماع برلماني سريع أو استفتاء شعبي مضمون من أجل ضمان رئاسة مؤبدة وحصانة من أي مؤاخذة عن جريرة خلال مباشرته للسلطة أو بعدها.
ويزداد الامر جلاء وتتساقط أصباغ الديمقراطية ودولة القانون إذا نحن ألقينا نظرة على الاثر الفعلي الواقعي لهذه البنية الدستورية وبالخصوص في مجال الحقوق والحريات وذلك رغم المظاهر الاحتفالية الزاهية بحقوق الانسان ومنها عدم التردد في التوقيع على الاتفاقات الدولية الضامنة لها.. نرى عجبا: في البلاد صحف كثيرة وقنوات اذاعية وتلفزية وسبق مشهود في الربط مع شبكة الانترنت ولكنها تنويعات شكلية تردد نفس اللحن وكل من سولت له نفسه الخروج قليلا عن نفس المقام تعرض للقمع حتى فازت تونس وصر بأطول وأكثر تقارير المنظمات الانسانية المنشغلة بحقوق الانسان وافردت تونس بقصب السبق في قيامها بأول محاكمة بل بأكثر من محاكمة للشباب الهاوي للسبح في فضاء الانترنت. وليس حال بقية الحقوق والحريات بأقل سوء مثل حرية تكوين الجمعيات والاحزاب.. فقد تسبب غياب هذه الحرية في سلسلة من المحاكمات لم تنقطع منذ الاستقلال بل تفاقم ضحاياها حتى عدوا بعشرات الآلاف تعرضوا وعوائلهم لمخططات استئصال وتنكيل بلغ حد التصفية الجسدية والاغتصاب رجالا ونساء اسلاميين وغيرهم بما لم يحرم بلدا عربيا من أكثر من بوغريب دون التقليل من فظائع الاحتلال الخارجي بالقياس الى الاحتلالات الداخلية
أما الانتخابات- حيث وجدت- باعتبارها أهم آلية للحراك السياسي وتداول النخب والفرز بينها فهي هنا لم تتجاوز يوما كونها مجرد بيعات إكراهية سافرة ومهراجانات احتفالية وتمثيليات هزلية لا يرتاب القائمون بها ولا مواطن في البلاد في زيفها الكامل وعريها من كل حقيقة.. وتبلغ هنا الصفاقة السياسية ويبلغ افلاس القانوس السياسي الاوج أمام مشهد هو قمة المأساة والافلاس مشهد الاعلان الذي لم يتخلف منذ "الاستقلال" من قبل" رب البلاد" صاحب السلطة عقب كل مهرجان انتخابي، عن فوزه بنسبة ثابتة: تسعات اربع يعجز عنها حتى الانبياء والمرسلون والابطال التاريخيون.. الملك هنا يبدو على حقيقته عاريا بالكامل أنه دكتاتور منقطع الصلة بالشعب، لا انتماء له لهذا العصر ولا صلة له بعالم الحداثة الذي لا يني يصر على استمداد شرعية حكمه منه.. والاغرب من ذلك أن يجد طائفة واسعة من المنتسبين لعالم الفكر و"الحداثة" تصدقه، بما يجعلنا إزاء هذه الاصباغ المختلطة لسنا ازاء نظام سياسي أو ايدولوجي محدد واضح ديمقراطي أو علماني أو اسلامي نحن إزاء دولة القهر والنفاق وغياب المصداق.

كيف تمكنت؟ مسؤولية من؟

الاستبداد لا ينشأ إلا جزء من معادلة وثمرة لها فما هي عناصر المعادلة التي أثمرت هذه الدولة المستبدة التي راهنت على ابتلاع المجتمع وركوبه وقهره حتى استخفته واحتقرته وسخرت كل قواه من أجل تفكيك مؤسساته وقيمه وسائر دفاعاته وترتيب كل شيء من أجل فرض الاستسلام عليه لمبضع الجراح "الحداثي" وترسيخ الاستبداد واعادة انتاجه وتأبيده، على نحو ما فعل فرعون فيما حكاه القرآن "فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين" (الزخرف 54) " إن فرعون علا في الارض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين" (القصص 4) وفرعون يتجاوز كونه اسما لشخص الحاكم ليصير عنوانا لمؤسسة الاستبداد التي تعمل بثبات على الاستخفاف بالشعب وإعدام أي وزن له في معادلة الحكم بما يجعله مفعولا به وليس فاعلا، فيطيعونه مكرهين. ومن أدواته تفريق صفوفهم وضرب بعضهم ببعض "وجعل أهلها شيعا" ولا يختلف منطق السياسات التي تتواخاها دول الاستبداد العربي مع معارضاتها -عندما لم تعد تجد بدا من الاعتراف الشكلي بمبدإ المعارضة- عن نفس منطق السياسة الفرعونية: ضرب تلك المعارضات بعضها ببعض فتعترف بوجود البعض وتنفي الاخر دون أن تجد استنكارا من الاول، وتجود على الحضيين بامتيازات و"مقاعد برلمانية" فيطيرون فرحا ويتهارشون على الغنيمة، بينما تحرم منها آخرون دون أن يجد الاولون حرجا في ذلك. وتضع سلطة الاستبداد خطوطا حمراء في علاقات العارضات بعضها ببعض من مثل حظر تواصل الاحزاب العلمانية مع الاسلاميين فينصاع المحضيون بل قد لا تكتفي منهم بذلك بل تجندهم في حروبها التي تشنها مرة على هذا الطرف من المعارضة ومرة على غيره ممن وقع عليه خيار الوحش بالالتهام تقديرمنه - صوابا أو خطأ- لما يمثله من خطر تنافسي يمكن أن يحوّل التمثيلية الديمقراطية حقيقة، أو حتى لمجرد التقرب الى قوة خارجية هي بصدد الحملة على لون فكري وسياسي معين. وكل ذلك واقع في دولة الاستبداد العربي منذ نصف قرن يزيد. وهل يمكن باستبعاد دور الاستبداد تفسير حالة التشرذم التي عليها المعارضات اليوم والتي لا يمكن بحال تصديق ما يدعيه البعض ويفتعله من تأكيد متكرر للعامل الثقافي الايدولوجي لتفسير رفض اللقاء بالاسلاميين. لو كان ذلك صحيحا فكيف فشلت كل محاولات تشكيل ما بشّر به البعض طويلا من قطب ديمقراطي أو تقدمي؟

- ومن المرتكزات الرئيسية للاستبداد الارث الاستعماري الذي ربى على عينه ويده طائفة ثقافية اجتلاها واصطفاها لنفسه وفصلها فكريا وشعوريا وخلقيا ومعاشيا ومصلحيا عن قومها من "السكان الاصليين" ومتّعها بالامتيازات في التوظيف ، حتى إذا ثار السكان الأصليون مطالبين باستقلالهم كانت تلك الطائفة الاقدر على الاتصال بالمستعمر والتخاطب والتفاوض معه. وفي ظل الوعي الثقافي المحدود لدى جمهرة الثائرين لم يكن عسيرا التلبيس عليهم وانتحال نحلتهم ومسايرتهم فيما يعتقدون حتى إذا تمكنت بدعم من جيش الاحتلال وإدارته القديمة التي تم الاحتفاظ بها سرعان ما تم إغلاق قوس الثورة على المستعمر والتعبئة ضده بل تم التواصل مع إرثه ومخططاته في سلخ البلاد عن هويتها وامتدادها العربي الاسلامي لربطها بما وراء البحر ثقافة ومثلا ومصالح وتعميق وتوسيع الهوة بين طائفة الحكم وعامة السكان واستعلائها عنهم واحتقارها لهم بما يذكر بقصة حكم الاقلية البيضاء في جنوب افريقيا لولا الاشتراك في اللون هنا بما يعقد الامر أكثر. وهو ما جعل الحكم هنا امتدادا طبيعيا لنوعين من الارث: الارث الاستعماري في احتقاره للسكان الاصليين ومثلهم ومراهنته على تفكيك هويتهم ومثلهم طموحا الى إعادة تشكيلها وفق المنظور الاستعماري الذي استهواه، حتى غدت خدمته وربيبته اسرائيل مصدرا أساسيا لشرعية دولة النخبة واستحقاقها الدعم الاستعماري والحماية من أجل أن تحقيق ما عجز عن تحقيقه الاستعمار المباشر مثل استهداف ما تبقى من مواريث وشرائع اسلاية كالاوقاف والتعليم الديني ومؤسسة العائلة وقيمها والمثل المرتبطة بها من لغة ودين وتراث.
- أما الارث الثاني الذي تواصلت معه دولة الاستبداد الحداثي فهو الارث السلطاني الذي سبق الاحتلال والقائم على مبدأ الحكم شبه المطلق والذي استهدفت الحركة الاصلاحية باستمرار منذ القرن التاسع عشروضع حد له من أجل تأسيس حكم حديث على ارضية اسلامية، وهو المشروع الذي كان يمكن أن ينقذ هذه البلاد من مصيبة الاحتلال لولا تدخل القوى الخارجية الطامعة في دفع الامور الى الانهيار حتى تجد مسوغا لوقوع البلاد في قبضتها فشجعت ولا تزال الفئات المفسدة . إننا إزاء إرث الدولة السلطانية في أتعس أيامها وقد تزاوجت مع إرث دولة الاحتلال وما وضعته تحت تصرفها الحداثة التقنية والادارية وصنوف الدعم الخارجي من أدوات وفرص وإمكانات للرصد والتأطير والقمع والقهر والاستخفاف بالوعي العام وفرض استلحاق بلادنا بسياق حضاري واستراتيجي وقيمي غير سياقها الطبيعي.
- العامل الخارجي: منذ زهاء قرنين مالت بشكل سافر موازين القوة الدولية لصالح القوى الغربية فتوالت الحملات على أمتنا عسكرية واقتصادية وثقافية لا تكاد تتراجع تحت ضغط المقاومة حتى تليها أخرى. ورغم أن الامة لم تستسلم بل والت المقاومة في أشكال مختلفة ونجحت أكثر من مرة وفي أكثر من جبهة في رد عساكرهم على أعقابها وفي الانتصار للشخصية الثقافية الاسلامية العربية لأمتنا وتجديدها وتهميش وعزل قوى الاختراق الثقافي إلا أن ذلك لم يغير كثيرا من الوضع العام في ساحة الصراع بين قوى مهاجمة وتوالي هجوماتها وقوى في الدفاع تقاوم لا تقبل أبدا باليأس والاستسلام، وهي الحالة التي لا يزال عليها المشهد العام للعلاقة بين الامة وأعدائها. وإن من أشد كيدهم لها وتعويقهم لمسيرة ومحاولات نهوضها دعمهم الثابت وغير المحدود للكيان الصهيوني عبر طرق كثيرة من أهمها دعم الانظمة الدكتاتورية الفاسدة المتسلطة على شعوبنا بالحديد والنار، بما مثل أكبر عائق في طريق حركة التحول الديمقراطي في بلاد العرب والمسلمين بينما تولت دعم التغيير في أنحاء أخرى من العالم مثل اروبا الشرقية. إن تجاهل هذه الاعاقة الكبرى لحركات التغيير وهذه الركيزة المهمة المستمرة في تقديم دعم غير مجذوذ لأشد الانظمة قمعا وفسادا، تجاهل هذا المعطى في تفسير حالة الانسداد والتأزم وتأخر هذه المنطقة من العالم عن المسار الكوني العام للتحولات الديمقراطية يجعلنا غير قادرين على تفسير بطء حركة التاريخ في هذه المنطقة ولكن دون الوصول الى حالة التوقف.
- غير أن ذلك لا يصرفنا عن تفحص الاعاقات الداخلية لحركة التحول الديمقراطي والتخلص من مصيبة الاستبداد باعتباره الاعاقة الكبرى في وجه التغيير والنهوض، ومنها تفشي أقدار غير قليلة من أخلاق الانتهاز في صفوف قطاعات واسعة من النخبة المتعلمة ذات النفوذ الثقافي بما فيها تلك التي أمضت شبابها مناضلة في صفوف الجامعة والنقابات والاحزاب السرية وتعرضت لسوط الطغيان وعانت من سجونه وقهره ثائرة على مستويات من الاستغلال الرأسمالي للبلاد وللجماهير تعتبر بدائية بالقياس الى ما هو قائم اليوم من سياسات النهب والالتهام. ومع ذلك فإنه بقدر ما تزداد البلاد تورطا وغرقا في بوتقة النهب الدولي ومصادرة للثروة العامة ولحقوق العمال والمستضعفين وحتى الطبقة الوسطى ذاتها بقدر ما اشتد تزاحم مئات إن لم يكن آلاف من تلك "النخبة" التي أمضت شبابها مناضلة، على مائدة وكلاء النهب الرأسمالي واضعين تاريخهم وخبرتهم وعلومهم تحت تصرف أولئك الوكلاء بما في ذلك أجهزة القمع البوليسي والاعلامي، يقدمون لها الدراسات العلمية وخطط تجفيف ينابيع ما سموه الحركة الأصولية وأساليب غسل الامخاخ وتقديم الغطاء الايدولوجي والاعلامي والثقافي لخطط القمع. عجبا لقوم أمضوا شبابهم مناضلين ضد النهب الرأسمالي وانتهوا في سني شيخوختهم ونضجهم المفترض أزرارا ومتاريس في آلة النهب الدولي.
ولأن المسالة ليست مسألة قناعات فكرية يمكن زحزتها من خلال المحاكمات الفكرية بقدر ما هي أهواء وشهوات ورغبات غريزية جامحة الى الاستهلاك والمتعة قبل فوات الفرصة الاخيرة فإنه لم تجد معهم كل المجادلات ولم تثن تصميمهم على المضي قدما الى التسابق الى موائد السلطان رافعين رايات الحداثة ومقاومة الخطر الاصولي لم تجد معهم مواقف "الأصوليين" الثابتة على تأكيد التزامهم بمبادئ الديمقراطية ورفض العنف قولا وعملا فعلا أو حتى رد فعل، وهي المواقف التي حالت وعموم التيار الاسلامي والانجرار الى العنف رد فعل على القهر الدولي والمحلي فنجت معظم الاوطان من محارق العنف، ، رغم أن النظم القائمة فعلت وتفعل كل شيء من أجل جر البلاد الى تلك الحفرة حتى تسد كل سبيل للمطالبة بالديمقراطية وتستصرخ مزيدا من الدعم الخارجي للتصدي "للخطر الأصولي". وفي هذا الصدد فإن المرء لا يمكنه أن ينساق الى تعميم باطل مضر في تجاهل ظالم للمواقف الاخلاقية الشجاعة لقطاعات من النخبة العلمانية الجادة جديرة بالتنويه في ثباتها على جادة المبادئ الديمقراطية، بما يشهد أن الخير في أمتنا وشعبنا غير قليل بل هو في ازدياد.

- توضيحات:

ومما هو جدير بالتوضيح في هذا الصدد:

- أن الحركة الاسلامية رغم أن جراحاتها العميقة باعتبارها المستهدف الاكبر للضربات بسبب أنها العقبة الاشد في طريق مخططات احتواء امتنا وتمزيقها قد رفضت ولا تزال ترفض تأسيس عملها المعارض على أساس الثأر والحقد والرغبة في الانتقام بل هي ظلت تكظم غيظها وتداري آلامها وتؤكد باستمرار حرصها على المصالحات الداخلية وعلى التواصل داخل أمتنا والحوار والبحث عن المشترك وعن الاجماع حول قضايا الامة الكبرى مثل الوحدة وطرد الاحتلال واحترام حقوق الانسان والالتزام بمقتضيات النظام الديمقراطي بمنآى من كل ضروب الاقصاء لأي توجه سياسي أو ثقافي أوديني حرصا على الوحدة الوطنية والقومية والاسلامية والانسانية ومن ذلك سعيها الى العمل المشترك حتى مع أشد مخالفيها ممن سبقت معهم خصومات مثل التيارات القوية واليسارية واللبرالية فقد جمعتهم التحديات التي تواجه الامة و الشدائد السنوات الاخيرة ،مع القوميين-مثلا- مؤسسة المؤتمر القومي والاسلامي- كفاحا مشتركا ضد الاحتلال ومشاريع الهيمنة في الخارج والاستبداد في الداخل كما حصلت أقدار غير قليلة من الاعمال الميدانية المشتركة معهم ومع بقية التيارات، في مصر والاردن.. إلا أن ذلك لا يزال محدودا إن لم يكن تراحعا في مواطن أخرى مثل تونس، بما يعسّر مهمة جمع شتات الامة والنضال المشترك لوضع حد للاستبداد والاحتلال الذين قعدا بأمتنا عن الوحدة: شرط كل تقدم، ويخرج قاموس السياسة من دائرة الفراغ واللامعنى الى دائرة المعنى واندراج الامة مجددا في سياق حركة التاريخ

الثابت من تجارب التاريخ أن أنظمة الحكم لا تنهار حتى تتساقط عن الملك كل أوراق التوت ويبدو على حقيقته ويستعيد قاموس السياسة مدلولاته . قال تعالى: "وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا" (الاسراء 16) وإن إمعان الانظمة القائمة في افراغ السياسة من المعنى من مثل تنظيم انتخابات لا تشبه في شيء روح العصر ومطالب الشعب مؤشر آخر قوي على تأكّد انفصالها عن حركة التاريخ وعلى ارتحاله بعيدا عنها، وكأن صوتا من بعيد يؤذن بالرحيل حسب التعبير الخلدوني، فهل تفقه ذلك قوى الشباب والتجدد قوى المستقبل؟
________________________________________

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة