حوار السعوديين تم بالسر ولا جديد إلا الانفتاح   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:10 (مكة المكرمة)، 17:10 (غرينتش)

* بقلم/جعفر الشايب

أصبحت المملكة العربية السعودية بعد هجمات 11 سبتمبر/ أيلول عرضة لأحداث متلاحقة على المستوى الداخلي والخارجي، منها تفجيرات الرياض وما تلاها من اكتشاف لخلايا مسلحة في مناطق مختلفة من المملكة، ومنها أيضاً المطالبات الشعبية بالإصلاح والمساواة التي عبرت عنها وثائق وبيانات النخب المثقفة في البلاد.


لم يعط اللقاء أي بعد سياسي لا من حيث الجهة القائمة عليه ولا من حيث المشاركة فيه، فكل المدعوين لا يمثلون جهات رسمية في الدولة

وفي سياق هذه المطالبات عقد "اللقاء الوطني للحوار الفكري" في الفترة ما بين 14-18 يونيو/حزيران 2003 ليساهم في دفع عجلة الحراك السياسي في السعودية. وجاءت الدعوة للمؤتمر بتوجيه من ولي العهد الأمير عبد الله بن عبد العزيز آل سعود، حيث سبق أن طرح فكرة اللقاء لأول مرة مع وفد شيعي قدم له وثيقة "شركاء في الوطن" في الثلاثين من أبريل/نيسان الماضي. وأقيم اللقاء في رحاب مكتبة الملك عبد العزيز الوطنية وهي مؤسسة خيرية يرعاها ويمولها ولي العهد وتقع بالقرب من قصره بالرياض.

قدمت الدعوات إلى 35 شخصية دينية واجتماعية وأكاديمية من مختلف مناطق المملكة، ومن اتجاهات فكرية ومذهبية متعددة شملت السلفيين (الاتجاه التقليدي الرسمي والدعوي) والشيعة (الإمامية والإسماعيلية) والمالكية (من الحجاز والإحساء) إضافة إلى بعض الشخصيات المستقلة.

وترأس اللقاء الدكتور صالح بن عبد الرحمن الحصين الذي يشرف على مؤسسة إدارة الحرمين الشريفين. ونوقشت في اللقاء على مدى أربعة أيام العديد من القضايا المهمة والتي تشكل محاور قلق وتوتر على الصعيد المحلي، من بينها الوحدة الوطنية والغلو والتشدد والتنوع الفكري وحقوق المرأة وحرية التعبير وتنظيم الفتوى والتعامل مع غير المسلمين. كما ألقيت كلمة لولي العهد في بداية اللقاء دعا فيها المشاركين للانفتاح والقبول بالتعدد والتنوع ومراعاة الظروف الحرجة التي تمر بها البلاد.

وفي ختام اللقاء استقبل الأمير عبد الله في جدة جميع المشاركين الذين قدموا له توصيات اللقاء، حيث تحدث كل من الشيخ سلمان بن فهد العودة (أستاذ في السنة) والشيخ حسن بن موسى الصفار (متخصص في الفكر الشيعي) والدكتور محمد عبده يماني (وزير إعلام سابق) والشيخ ربيع بن هادي المدخلي (أستاذ شريعة) والدكتور مهدي بن راشد آل منجم (عالم في الفكر الإسماعيلي).

وقد طالب المشاركين ولي العهد بتوسيع دائرة اللقاء وجعله منطلقا للحوار الوطني والمشروع الإصلاحي في البلاد.

من الواضح أنه قد تم رسم خطة اللقاء بعناية فائقة من أجل ضمان نجاحه على مستوى المشاركين فيه على الأقل، حيث تمت الدعوة إليه وعقده بصورة شبه سرية، وبدون أي ضجيج إعلامي، وتم التكتم بشدة على مواضيعه ومحاور جلسات النقاش. ولم يعط اللقاء أي بعد سياسي لا من حيث الجهة القائمة عليه ولا من حيث المشاركة فيه، فكل المدعوين لا يمثلون جهات رسمية في الدولة.


ساهم اللقاء في إيجاد حالة من التعارف بين الاتجاهات الفاعلة على الساحة الاجتماعية والسياسية وفي خلق أرضية للحوار الفكري بين المشاركين

على الصعيد المحلي، يأتي انعقاد اللقاء في ظل وجود أزمات حقيقية يعاني منها الوطن على عدة صعد تعمقت على مدى العقود الماضية من خلال عمليات الإقصاء، وسيادة الاتجاه الفكري الواحد، وممارسة الشحن الطائفي، والتعبئة الجماهيرية ضد الآخر، وبروز تيارات قمعية متشددة خرجت عن دائرة السيطرة السياسية والاجتماعية والدينية، وصارت تمسك بزمام الشارع المتشدد، وتدفع بكل فئات المجتمع إلى مزيد من التفكك والعزلة والتشنج عبر فتاوى التكفير والوصاية الفكرية وممارسة العنف.

وتعمل الحكومة السعودية في هذه المرحلة، وفي ظل أجواء التوتر الأمني والسياسي، على علاج هذه الأزمة عبر التوفيق بين الفئات الاجتماعية المختلفة وتركيز اهتمامها على القضايا المشتركة والمصالح الوطنية العليا – كما ورد في خطاب ولي العهد – وذلك للجم جماح الفئات المتشددة وتقييد أنشطتها.

من الممكن القول إن المطالب الشعبية المستمرة والتي من أبرزها وثيقتا "رؤية لحاضر الوطن ومستقبله" و "شركاء في الوطن"، كان لها تأثير مباشر في إيجاد أرضية مناسبة لعقد هذا اللقاء. فقد حثت الوثيقتان على عقد مؤتمر وطني عام للبحث في مختلف القضايا الوطنية العالقة، ودعتا إلى أن ترعى الدولة فتح قنوات حوار متعددة بين مختلف قطاعات المجتمع، للمساهمة في بلورة مشروع وطني وحدوي شامل يتجاوز المحددات المناطقية والمذهبية والقبلية.

من ناحية أخرى فإن للظرف الدولي والإقليمي والتغيرات السياسية في المنطقة تأثيرا كبيرا في القيام بمثل هذه الخطوة محليا، فقد تتابعت الضغوط الخارجية منذ 11 سبتمبر/أيلول لتلقي بظلالها على مختلف القضايا الداخلية، والتي من بينها مناهج التعليم والمؤسسات الخيرية وخطب المساجد والفتاوى والقضاء والحريات العامة وغيرها. وذلك برغم سعي الحكومة الحثيث إلى أن تكون مبادرات الإصلاح والتطوير منطلقة من حاجة محلية خالصة ومنسجمة مع المنظومة الفكرية المحلية والعادات الاجتماعية.

وهذا لا ينفي أن كثافة الحملات الإعلامية الخارجية وتسارع وتيرة الأحداث في المنطقة تجعل من مثل هذه الخطوات الإصلاحية قضايا ضرورية وملحة لا يمكن تأجيلها أو التباطؤ فيها.

لا أحد ينكر أهمية هذا اللقاء في إيجاد حالة من التعارف بين الاتجاهات الفاعلة على الساحة الاجتماعية والسياسية في السعودية. وإذا كانت له من نتيجة إيجابية مهمة، فهي أنه قد ساهم في خلق أرضية للحوار الفكري بين المشاركين، وبالتالي أزال الحاجز النفسي بينهم والذي قد يتعداه إلى أتباعهم.


البعض يرى أن اللقاء جاء متأخرا ولم يقدم أي تصور جديد لحل الأزمات السياسية والاجتماعية العالقة، وهو أقل بكثير مما كان يطمح له الإصلاحيون

ويبدو أن هنالك قناعة لدى أكثرية المشاركين في اللقاء بضرورة فتح صفحة جديدة من التعامل بين القوى الاجتماعية المختلفة تكون قائمة على الاعتراف بالآخر في الوجود والمواطنة المتساوية، والتعاطي معه بروح إيجابية، انطلاقا من قبول فكري ونفسي بحاجة إلى أن يتبلور اجتماعيا بشكل أوضح.

تتناقل بعض المصادر أن جميع من شارك في اللقاء أصبح يدرك أهمية الحوار مع الآخر والقبول به، وفي ذلك تحول كبير قد لا تكون له سابقة في تاريخ المجتمع السعودي، وقد يشكل أرضية مناسبة للانطلاق إلى معالجة العديد من القضايا العالقة ذات البعد الثقافي والاجتماعي. كما أن اللقاء أعطى المجال أيضا للمشاركين لأن يتعرفوا على مشاكل بعضهم البعض، بل والإطلاع عن قرب وبموضوعية على الثروة والتجربة الفكرية المتنوعة لمختلف المذاهب الإسلامية التي توجد في المملكة.

لقد أتاح هذا اللقاء - كما ورد في توصياته - الفرصة لإضفاء شرعية على خطوات الإصلاح التي قد تعتزم الحكومة القيام بها، والمتعلقة بتنظيم دور الجهات صاحبة الفتوى، وترشيد أنشطة المؤسسات الدينية، وإشراك أتباع المذاهب المختلفة في تسيير الشؤون العامة، والتخفيف من القيود المفروضة عليهم، ومعالجة قضايا الشباب، وترشيد الإنفاق وصيانة المال العام. فخلال الفترة الماضية، برزت هنالك العديد من الجهات التي كانت تقاوم وترفض أية خطوة إصلاحية على الصعيد العام بمبررات دينية واجتماعية، ووجدت الدولة نفسها في بعض الأحيان تواجه تيارات اجتماعية متشددة ضد أية خطوة إصلاحية.

لم يكن من بين المدعوين للقاء أي شخص ذي اتجاه ليبرالي، حيث اقتصر على رموز الاتجاهات الدينية أو القريبة منها، كما أن المرأة أيضا لم يكن لها أي حضور مباشر أو تمثيل في اللقاء. ويعد ذلك إحدى الثغرات المهمة في طبيعة اللقاء. فاللقاء كان يهدف إلى الحوار بين مختلف القوى الاجتماعية الفاعلة، ويسعى إلى إيجاد أرضية تساهم في الاعتراف بالآخرين والتعاطي معهم. ولكنه عبر استبعاد بقية مكونات القوى الاجتماعية – مهما قل حجمها – فإنه يرسم خطا أحمر للحدود الفكرية التي يتحرك ضمنها. ومع أن مبررات ذلك تكمن في الرغبة في إنجاح أول دورة له، إلا أنه يرسي قاعدة تناقض أهدافه التي عقد من أجلها.

لقد جاءت توصيات المشاركين في "اللقاء الوطني للحوار الفكري" باهتة ومتسمة بالعمومية والإجمال، ولا تتناسب مع الظروف المحلية والإقليمية ولا تعطي معالجات جادة للقضايا المطروحة. بل إن الكثيرين يرون أنها جاءت أقل بكثير من محتوى كلمة ولي العهد التي ألقيت في الجلسة الأولى للقاء، والتي حث فيها المشاركين على الحوار الحر الصريح والشفافية في طرح كل القضايا، وهو ما اتسمت به أجواء اللقاء حسب ما نقل.

ومع أن التوصيات قد شملت العديد من الأمور ذات العلاقة بمحاور النقاش، إلا أنها طرحت ضمن مسلمات يعتقد الكثيرون أنها لا تختلف عما هو قائم فعلا، ولم تأت بجديد على الصعيد الفكري والسياسي. فالدعوة المتكررة في البيان الختامي إلى الالتزام بالضوابط الشرعية – وهو مصطلح مطاطي - في قضايا المرأة والحوار وحرية التعبير والإعلام، يجعل من ذلك أطروحة معومة لا وضوح فيها. كما يؤخذ على التوصيات أيضا أنها صيغت بخطاب وعظي وإرشادي لا يشخص المشاكل بصورة واضحة ويضع لها حلولا عملية وقابلة للتنفيذ.

اختلفت ردود الفعل على اللقاء من قبل العديد من المتابعين له، فالكثيرون رأوا فيه خطوة إيجابية أولية مهما كانت بدائية، إلا أنها في الطريق الصحيح لرسم منهجية سليمة للتحاور واللقاء وتغليب مفاهيم الحوار والتسامح والاعتراف بالآخر كوسيلة لتحقيق السلم الاجتماعي والتعايش السلمي في المجتمع، بدلا من حالة الإقصاء والتكفير. ومع أن نتائجه قد لا تكون كبيرة على الصعيد العملي والواقعي، إلا أنه يهيئ أرضية لخلق مناخ مناسب لمثل هذه الحالة المرجوة.


المراهنة الحقيقية لأي تحرك تكمن في القدرة على بلورة مشروع وطني شامل يعزز الوحدة الوطنية، ويعالج قضايا التمييز بين المواطنين
البعض الآخر يرى أن ما تم لن يكون له أي تأثير إيجابي على أرض الواقع، لأنه جاء متأخرا كثيرا ولم يقدم أي تصور جديد لحل الأزمات السياسية والاجتماعية العالقة، وهو أقل بكثير مما كان يطمح له الإصلاحيون الذين كانوا يأملون في مؤتمر وطني يتسم بالوضوح والشفافية والشمولية شبيه بلقائهم مع ولي العهد في يناير/كانون الثاني الماضي. بل إن البعض يذهب إلى أبعد من ذلك باعتبار أن ما نتج عن هذا اللقاء سيساهم في امتصاص وإضعاف المطالب الشعبية وتحويرها ضمن قضايا محدودة لا تمت إلى الأمور الجوهرية بصلة.

وعلى أي حال – وبغض النظر عن المواقف المختلفة - فإن استمرار عقد مثل هذه اللقاءات بين أطراف الطيف السياسي والاجتماعي المختلفة في السعودية، سيكون له تأثير إيجابي على صعيد تنمية العلاقات البينية وتوسيع قاعدة الحوار والتفاهم والتوافق على القضايا المشتركة، وتذويب حالة التجافي والتباعد بين مختلف هذه الأطراف.

إن ما تتناقله الصحافة المحلية ومواقع الإنترنت من مقالات وتعليقات على عقد هذا اللقاء يسير في أغلبه نحو الاتجاه الإيجابي، ويلقى ترحيبا من قبل العديد من الرموز الدينية التي كانت غير متوافقة مع مثل هذه المنهجية. وهنالك البعض الذي ما زال يقف موقفا سلبيا من اللقاء، وخاصة من الأطراف المتشددة التي ترى في ذلك تنازلا من الحكومة، ومن بعض المتدينين المشاركين في اللقاء لصالح اتجاهات تعتبر في نظرهم –لحد الآن- خارجة عن الدين وتجب محاربتها.

إن المراهنة الحقيقية في هذه المرحلة تكمن في القدرة على بلورة مشروع وطني شامل يعزز الوحدة الوطنية، ويعالج قضايا التمييز بين المواطنين ويضع برامج عملية للمساواة بينهم. وقد يساهم مثل هذا اللقاء –إن كتب له الاستمرار والفاعلية- مساهمة كبيرة في تطوير أساليب التواصل بين القوى الاجتماعية الفاعلة، وإيجاد آليات متعددة لذلك في مختلف المناطق، والاستفادة من مختلف وسائل الإعلام المحلية، وبرامج التبادل الثقافي، والمشاريع الثقافية المشتركة.
ـــــــــــــــ
* كاتب وناشط حقوقي من السعودية

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة