حول خرافة "الاستثنائية" العربية   
الخميس 1432/4/13 هـ - الموافق 17/3/2011 م (آخر تحديث) الساعة 16:43 (مكة المكرمة)، 13:43 (غرينتش)
أسامة أبو ارشيد


لعقود طوال سعت أنظمة التسلط العربي ومنظروها من أبواق تبرير القمع والطغيان، إلى إقناعنا بدونية و"استثنائية" المواطن العربي (أي نحن) غير المؤهل -حسب زعمهم- ليعيش حرا كريما في ظل نظام ديمقراطي يحترم آدميته وحقوقه.

تلك "الاستثنائية" المزعومة ظلت دائما تطل برأسها في أي حوار إعلامي غربي مع زعيم عربي يتطرق إلى قضية الديمقراطية والحريات في العالم العربي.

"
كم من زعيم عربي قالها بملء الفم ودون أن يتصبب وجهه عرقا أو خجلا، بأن الشعوب العربية غير جاهزة ولا هي مؤهلة بعدُ لكي تعيش في ظلال من الحريات والكرامة!
"
فكم من زعيم عربي قالها بملء الفم ودون أن يتصبب وجهه عرقا أو خجلا، بأن الشعوب العربية غير جاهزة ولا هي مؤهلة بعدُ لكي تعيش في ظلال من الحريات والكرامة، وبأن التوجه نحو نظام حكم ديمقراطي رشيد يأخذ حقوق المواطن وكرامته في اعتباره، مسألة تدرجية لا ينبغي أن تتم فجأة.

قبل عدة سنوات أجرى المقدم التلفزيوني الأميركي الشهير الراحل بيتر جينيغس مقابلة مع أحد الزعماء العرب من ذوي التعليم الغربي، والذين ينظر لهم في الغرب على أنهم "معتدلون" و"حلفاء".

في تلك المقابلة لم يستطع جينيغس أن يكتم غيظه عندما تحدث ذلك الزعيم عن "الديمقراطية التدريجية"، وضرورة إيجاد "ثقافة ديمقراطية" أولا، مترافقة مع إحداث تغييرات في بنى المجتمع المدني، قبل تطبيق أي تحول ديمقراطي في بلده.

هذه المقاربة بقيت هي ذات الأسطوانة التي يطلقها زعماء الأنظمة العربية، حتى وحصونهم تتهاوى أمام رياح التغيير الأخيرة. فمن تخويف من عدم جاهزية المجتمعات لمثل هذا التحول، إلى تحذير من بعبع آخر اسمه الإسلاميون كما فعل نظاما زين العابدين بن علي وحسني مبارك، ها هو العقيد معمر القذافي يستعير ذات الأسطوانة المشروخة.

"عدم جاهزية" المجتمعات العربية تعبير عنصري استعلائي من الطراز الأول، كما أنه يحمل تناقضا صارخا في طياته. فإذا كانت المجتمعات العربية "غير جاهزة" أو "غير مؤهلة" كما يزعمون، فما هي الآلية التي أفرزتهم هم ليحكموا ويتسيدوا الناس ويكونوا "مؤهلين" للحكم؟!

إذا كان مرد الأمر إلى أن بعضهم خريج جامعات الغرب، فإن كثيرا من رعاياهم هم أيضا من خريجي الجامعات الغربية. وإذا كان الأمر متعلقا بمهارات أو خبرات يمتلكونها، فكثير من أبناء شعوبهم يفوقونهم ذكاء ومهارات وخبرة في شتى الميادين، بما في ذلك السياسية والعسكرية والاقتصادية.

إذن، التفسير الوحيد هو أن بعض أولئك النفر من الزعماء العرب مصابون بعقدة "التفوق الجيني" على شعوبهم، ولم تزدهم العقود الطويلة من البقاء فوق كراسيهم إلا اقتناعا بهذه الخرافة والتماهي معها. وإلا فكيف نفهم إصرار القذافي اليوم -على سبيل المثال- بأن الشعب الليبي يحبه ومستعد للتضحية من أجله، وبأنه لا وجود لليبيا من دونه!؟

"ربيع التغيير العربي" الذي نعيشه الآن، أثبت خطأ وزيف مقولة "الاستثنائية" العربية. بل إن ما نشهده الآن من موجات تغيير أثبتت أن الإنسان العربي إنسان حضاري ومسؤول، ولكنه محكوم من قبل "عصابات" تتشدق بالتحضر والرقي، ولكن أقنعتها تتساقط الآن الواحد تلو الآخر لتريَ من لم يصدق من قبل تلك الوجوه القبيحة المتخفية وراءها على حقيقتها.

"
أثبتت الأنظمة القمعية ومن يتمسك بتلابيب ثقافة طغيانها بأنها هي من تمثل استثنائية التخلف في بلداننا, فأجهزة أمنها كتائب من البلطجية والمرتزقة، ورصاصها مدخر خصيصا لقمع شعوبها
"
لقد أسقطت ثورات تونس ومصر وليبيا خرافة تلك "الاستثنائية" وكذبة "عدم الجاهزية" العربية.. لم تسقطهما فقط بتلك الشجاعة العالية على تحدي أجهزة البطش والفتك بصدور عارية، ولكنها أسقطتهما كذلك عندما حافظت الشعوب على النظام والوئام العام والأعراض.

أسقطتهما عندما رأينا الجماهير العربية تحمي المؤسسات السيادية والتاريخية والحضارية.. أسقطتهما عندما نظم الثوار المرور وجمعوا القاذورات وحافظوا على النظافة والمال العام.. أسقطتهما عندما نزلت الجماهير إلى الشوارع في مظاهرات سلمية حضارية (ليبيا تمثل استثناء مقبولا لدفاع شعب أعزل عن نفسه أمام نظام طاغ يستعين بمرتزقة أجانب لسحقهم، رغم أن البداية كانت سلمية) تطالب فيها بكل رقي بالتحرر من قبضة ظلام طغاة لم يقدموا لشعوبهم ودولهم إلا التخلف والفقر والقهر والقمع والفساد والتجهيل والارتهان للأجنبي وتراجع المكانة.

أسقطت الثورات تلك الخرافة بالدليل القاطع والضربة القاضية، عندما غابت أجهزة النظام (المفترض أنها أجهزة دولة) واستقالت من مسؤولياتها، أو أنها انهارت مثل أهرامات الورق، أمام رياح التغيير الشعبية العاتية.

في المقابل أثبتت تلك الأنظمة، ومن يتمسك بتلابيب ثقافة طغيانها من أنظمة أخرى، بأنها هي من تمثل "استثنائية" التخلف في بلداننا، فأجهزة أمنها كتائب من "البلطجية" والمرتزقة، ورصاصها مدخر خصيصا لقمع شعوبها، وزنازينها مخصصة لاستضافة أبنائها، وخبرات زعمائها لا تتجاوز القدرة على البطش والقتل وسفك الدماء للبقاء كالصخرة الكأداء على صدور شعوبهم، حتى لو كان الناس لهم كارهون.. إلخ. ترى أبعد ذلك كله من هو المؤهل ومن هو غير المؤهل للحكم في فضائنا العربي؟!

كعربي أدرك اليوم حجم غسيل الدماغ الذي كنا نتعرض له صباح مساء. لقد بلغ حجم التدمير المعنوي المسلط علينا أننا أصبحنا نحن أنفسنا نمارس التدمير الذاتي. ترى كم تغنينا ونحن أطفال ومراهقون ببيت الشعر ذاك الركيك والعنصري التافه:

شعب إذا ضرب الحذاء بوجهه     صاح الحذاء بأي ذنب أضرب

لقد كان ذلك المستوى من التحقير الذاتي لأنفسنا الذي وصلناه مقصودا وممنهجا. لقد كنا نُدْفَعُ دفعا إلى أن نكون كحال الضحية التي تصل بعد نقطة معينة من التعذيب والانتهاك النفسي والعاطفي إلى حالة من التماهي مع ما يزعمه المجرم، بأنها (أي الضحية) هي المتسببة في كل ما يجري لها وبأنها تستحقه.

وبالتالي، ينبغي عليها القبول والرضوخ لمطالب وتوجيهات الظالم المجرم الذي يصبح بهذا مجرد "مصلح" و"ناصح" ظلمته الظروف، ومضطر للتعامل بقسوة للسيطرة على "طياشات" الضحية و"حماقاتها" الذاتية!

"
أثبتت الأنظمة أنها الفوضى، وأثبتت شعوبنا أنها الأمن والنظام، وبأن التهديد الحقيقي للُّحمة الوطنية إنما كان مصدره تلك الفوضى المنعوتة ظلما بالأنظمة
"

نحن مدينون لشعوب تونس ومصر وليبيا واليمن اليوم، لأنها أسقطت تلك الخرافات المسمومة. فرقيّ شبابها وثوارها وحضاريتهم في التظاهر والسعي نحو التحرر من ربقة الطغيان، أحيت فينا تلك الآدمية والكرامة التي خلقنا الله سواسية فيهما، وأراد طغاتنا وفلاسفتهم أن يقنعونا بأننا "مختلفون"، وبالتالي لا نستحقهما.

لقد أثبتت تلك الأنظمة أنها "الفوضى" بالأصح، وأثبتت شعوبنا أنها هي الأمن والنظام، وأن التهديد الحقيقي للُّحمة الوطنية -إن دينيا أو عرقيا أو جهويا أو عشائريا- إنما كان مصدره تلك "الفوضى" المنعوتة ظلما بالأنظمة.

اليوم نكتشف كيف عبثت أصابع "مباحث أمن الدولة المصرية" في ملف الوحدة الوطنية بين الأقباط والمسلمين، كما أننا ما زلنا نعايش محاولات "العقيد" لدق إسفين القبلية في ليبيا المتوحدة ضده. ولكن هيهات، فها هي الشعوب العربية تثبت المرة تلو المرة بأنها ناضجة وواعية، على عكس ما كان يراد لها أن تكون.

نعم، آن لنا أن نقولها الآن وبملء الفم والفخار: "ارفع رأسك فأنت عربي".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة