هل بدأ العد العكسي ضد سوريا؟   
الاثنين 1426/1/27 هـ - الموافق 7/3/2005 م (آخر تحديث) الساعة 17:33 (مكة المكرمة)، 14:33 (غرينتش)


نبيل شبيب

- إيران وسوريا

- لبنان وسوريا

- فلسطين وسوريا

- الإصلاح وسوريا

- سباق مع الزمن

 

لن تكرر الولايات المتحدة الأميركية خطأها الكبير بخوض حرب احتلال العراق، ولن تشن حربا شاملة مشابهة على سوريا أو إيران. هذا صحيح، ولكن الاطمئنان إلى هذه المقولة هو من قبيل خداع النفس، والتصرف انطلاقا منه بالغ الخطورة.

 

سوريا مستهدفة، ومستهدفة في المستقبل المنظور وليس في المستقبل البعيد، وإذا كان احتلال العراق قد أعطى واشنطن درسا بليغا، فإن ما تستخلصه من هذا الدرس، ليس الامتناع عن العدوان ضد سوريا، وإنما وضع مخطط عدواني وتنفيذه بأسلوب آخر، ولا ينفي ذلك أن تكون القوة العسكرية جزءا من هذا المخطط، إنّما الاحتمال الأكبر هو توظيف عدوان عسكري إسرائيلي في هذا الإطار.

 

وجميع الدلائل الراهنة تؤكد أن ساعة تنفيذ المخطط اقتربت، وأن ذلك سيكون في غضون العام 2005 وليس في عام قادم!

 

"
أي ضربة عسكرية ولو محدودة لإيران ستكون ضربة للمخطط الأميركي في العراق، لذلك فهي مستبعدة في الوقت الحاضر على الأقل
"
إيران وسوريا

إن التركيز على استهداف إيران قبل سوريا، في المواقف الرسمية الأميركية، بدعوى البرنامج النووي الإيراني، هو ضرب من التضليل السياسي بالدرجة الأولى لأسباب عديدة، منها أن الموقف الأميركي العدائي لإيران في الوقت الحاضر يخدم مواقع جهات يعتمد عليها الاحتلال الأميركي للعراق، ويسمح لها بأن تقول إنها تتحرك وتتصرف من منطلق وطني ضد الاحتلال، وليس من منطلق واقع التعاون معه.

 

فأي ضربة عسكرية ولو محدودة لإيران، ستكون ضربة للمخطط الأميركي في العراق، لذلك فهي مستبعدة في الوقت الحاضر على الأقل.

 

ومن تلك الأسباب أن التعامل مع المسألة الإيرانية توجهه معطيات عديدة، منها ما يشهده احتلال العراق من إثارة فتنة طائفية شيعية-سنية على مستوى العالم الإسلامي كله، وليس على مستوى العراق فقط، وهذا ما يرجح وجود رغبة أميركية في العمل على إظهار إيران مع شيعة العراق كما لو كانوا يمثلون خطرا طائفيا على البلدان العربية والإسلامية الأخرى، جنبا إلى جنب مع محاولة لإظهار الأكراد في العراق وسواه وكأنهم هم أيضا خطر قومي على البلدان العربية والإسلامية المعنية.

 

أما التركيز المكثف على مسألة البرنامج النووي الإيراني فهو لا ينفي أن مخطط التعامل معه يقوم على اعتبارات زمنية طويلة الأمد، فمجرد القدرة على التسلح النووي لا تعني -في ظل المعطيات العسكرية والاقتصادية وسواها- خطرا حقيقيا كبيرا على مخططات الهيمنة الصهيوأميركية في المنطقة، ويشهد وضع باكستان على ذلك.

 

بالإضافة إلى ذلك فإن عملا عسكريا ضد إيران يمكن أن يثير مشكلة كبرى في أسواق النفط العالمية، بعد العجز حتى الآن عن إنزال النفط العراقي فيها بكثافة، وهذا ما يتناقض مع مصالح قوى دولية تسعى لاحتواء الأزمة مع إيران، كما يتعارض مع المخططات الأميركية نفسها في تخفيض نسبة اعتمادها على النفط العربي إلى درجة كافية للحفاظ على موقع ممارسة الضغوط على الدول النفطية.

 

لبنان وسوريا

إن مدخل المخطط العدواني ضد سوريا هو بوابة لبنان على الأرجح، ومع اغتيال الحريري فُتحت هذا البوابة، وهذا ما يشهد على أن العد العكسي قد بدأ لتنفيذ المخطط العدواني.

 

وينبغي أن نفهم أن السكوت الأميركي والأوروبي على الوجود السوري في لبنان كان سكوتا مرحليا فقط، لتحقيق أغراض محددة أهمها ما تحقق فعلا من اختراق إسرائيلي للجبهة العربية، وهذا ما يجعل موقع سوريا الآن مختلفا اختلافا جذريا على الصعيد الإقليمي عما كان عليه في فترة سابقة حتى اتفاق الطائف، بالإضافة إلى فقدان العمق الجغرافي العراقي الذي كان قائما رغم الخلافات بين سوريا والعراق.

 

كما أن مسلسل الأحداث والتطورات داخل الساحة اللبنانية والدولية وتوقيتها زمنيا، يؤكد أنها جزء من التمهيد لتحرك أوسع نطاقا من الوجود السوري في لبنان، بل هي أمور تستهدف سوريا نفسها، خاصة أن لبنان لا يمثل عمقا عسكريا لسوريا في مواجهة محتمة مع مخططات عدوانية إسرائيلية، وإنما يمكن توظيف وضعه لتنفيذ هذه المخططات.

 

وليس إنهاء الوجود السوري في لبنان من مسائل الخلافات الأوروالأميركية، ولن يكون الانسحاب السوري من لبنان آخر محطات مخطط عدواني ضد سوريا، فالهدف أوسع نطاقا من ذلك.

 

"
المطلوب تحويل سوريا -كما جرى مع بلدان عربية أخرى- لتساهم إسهاما مباشرا وأساسيا في حراسة الأمن الإسرائيلي، وفي تنفيذ مخططات التوسع الاقتصادي والسياسي للهيمنة الصهيوأميركية إقليميا
"
فلسطين وسوريا

إن مجرى التطورات على صعيد قضية فلسطين هو العنصر المقدم على سواه في التعامل مع سوريا المستعصية على الاختراق الإسرائيلي، إذ المطلوب تحويل سوريا -كما جرى مع بلدان عربية أخرى- لتساهم إسهاما مباشرا وأساسيا في حراسة الأمن الإسرائيلي، وفي تنفيذ مخططات التوسع الاقتصادي والسياسي للهيمنة الصهيوأميركية إقليميا.

 

إن التوقيت الزمني لتنفيذ مخطط عدواني صهيوأميركي ضد سوريا لا يرتبط بمدى الاستعداد من الجانب السوري لمفاوضات على اتفاقية سلام، بل يرتبط أولا وأخيرا بما يتم تنفيذه على الجبهات الأخرى ليتسنى التفرغ لتنفيذ المخطط دون أن يثير مواجهة شاملة في المنطقة.

 

ومجرى الأحداث والتطورات على الساحة الفلسطينية وصل إلى مرحلة جديدة، بانتقال السلطة إلى فريق على استعدادٍ أكبر لتنفيذ الرغبات الأميركية والإسرائيلية بما في ذلك أن يتولى خنق الانتفاضة بعد العجز الإسرائيلي عن اغتيالها.

 

وهذه المرحلة تعني أيضا أن موعد تنفيذ المخطط العدواني ضد سوريا قد اقترب إلى حد بعيد، وسيجري متزامنا مع خطوات تهدئة جبهة المواجهات اليومية في الساحة الفلسطينية، وليس بعد بلوغ غايتها سياسيا. وستُترك المرحلة الأخيرة من التعامل مع القضية الفلسطينية إلى ما بعد التعامل عسكريا وسياسيا مع سوريا، لتفقد الجبهة الفلسطينية أيضا السند الباقي لها عربيا.

 

وليس المطلوب من سوريا التخلي عن البقية الباقية من استضافة أصوات سياسية وإعلامية فلسطينية فحسب، ولا التخلي عن تغطية سياسية وإعلامية لمقاومة مسلحة فلسطينية ولبنانية كذلك، بل أن تصبح جزءا من مسيرة القبول بانتشار الهيمنة الصهيوأميركية الشاملة في المنطقة، وقمع من يعمل ضدها فكرا وإعلاما وعبر السلاح على السواء.

 

وكل تراجع سوري جزئي يتبعه مطلب جديد باتجاه الهدف الأبعد للهيمنة الصهيوأميركية، ولا يوصل إلى التخلي عن المخطط العدواني ضد سوريا نفسها.

 

الإصلاح وسوريا

لا ينفصل توقيت تنفيذ المخطط العدواني عن مجرى عملية الإصلاح الداخلي في سوريا، بعد أن قطعت –ذاتيا- وليس تبعا لمطالب خارجية، شوطا كبيرا في هذا السياق. ويكاد يكون التوقيت هادفا إلى تقويض ما تحقق حتى الآن.

 

فتحت عنوان التعامل مع المغتربين قطعت سوريا في العام الميلادي المنصرم شوطا بعيد المدى في فتح أبواب تواصل هؤلاء مع أهلهم وبلدهم، وسمحت بعودة غير مشروطة للراغبين في العودة منهم، إلى جانب الإفراج عن عدد كبير من معتقلي الرأي والمعتقلين السياسيين وغيرهم. وأعطت هذه الخطوات وسواها قوة دافعة كبيرة في اتجاه مصالحة وطنية شاملة.

 

وكانت الخطوة الأخيرة المطلوبة في اتجاه مصالحة وطنية شاملة، هي الإفراج عن باقي المعتقلين، وإسقاط سائر الموانع دون عودة سائر المغتربين، من معارضين وغير معارضين (باستثناء من أعلن بنفسه ارتباطه بالمخططات الأميركية)، وإجراء تعديلات دستورية وقانونية وهيكلية جذرية، إلى جانب إلغاء حالة الطوارئ، وترسيخ التعددية دون استثناءات دينية أو قومية أو سياسية أو حزبية، وجميع ذلك أصبح موضوع مناقشات تدور الآن كما لم يدر مثلَها في الساحة السورية منذ عدّة عقود.

 

"
التباطؤ في تنفيذ الخطوة الأخيرة من الإصلاح الداخلي تنفيذا شاملا يعني إعطاء فرصة زمنية إضافية لتنفيذ المخطط العدواني الصهيوأميركي قبل إيجاد جبهة وطنية داخلية شاملة ومتماسكة
"
إن التباطؤ في تنفيذ الخطوة الأخيرة من الإصلاح الداخلي تنفيذا شاملا، بغض النظر عن دواعي التباطؤ، يعني إعطاء فرصة زمنية إضافية لتنفيذ المخطط العدواني الصهيوأميركي، قبل إيجاد جبهة وطنية داخلية شاملة ومتماسكة.

 

وهذه الجبهة فقط وليس الاعتماد على قوة عسكرية، أو تضامن عربي، أو اعتراضات دولية، أو دروس الاحتلال في العراق، هي ما يمكن أن يمثل رادعا محتملا في وجه تنفيذ عدوان بات وشيكا، مع أنها قد لا تمنع وقوعه، ولكنها ستمنع تنفيذ أهدافه دون ريب، إذا أصبحت تلك الجبهة الشاملة حقيقة واقعة، وليست موضوع حوارات ومناقشات فحسب.

 

سباق مع الزمن

الأصل هو العمل على تحقيق المصالحة الوطنية الشاملة في جميع الأحوال، ولكن لا بد أن يظهر ما يؤكد بدء العد العكسي لتحقيقها، بعد أن ظهر بكل وضوح أن العد العكسي قد بدأ لتنفيذ مخطط عدواني خطير.

 

ووراء مسيرة الإصلاح السياسي الداخلي الذاتي قوى سياسية سورية دافعة داخل البلاد وخارجها، ولم يعد يوجد شك في ضرورة استباق العدوان الخارجي بجهود ذاتية وتعبئة واسعة النطاق، إلى جانب متابعة الجهود الهادفة إلى تطوير إيجابي للعلاقات السورية-اللبنانية، والعلاقات السورية الإقليمية، والعمل على تعزيز حجم المعارضة الرسمية العربية والإسلامية والدولية لعدوان مرجح، وتعزيز القوى الشعبية العاملة تحت عنوان ثقافة المقاومة.

 

وإن خطورة المرحلة الراهنة وعنصر الزمن يستدعيان تأكيد عدد من النقاط الحاسمة من أجل مستقبل سوريا ومستقبل المنطقة في وقت واحد.

 

منها أن التخلي من جانب دول أو منظمات أو هيئات أو أحزاب في المنطقة العربية والإسلامية، عن سوريا وما تمثله من عقبة رئيسية باقية إلى جانب المقاومة الشعبية، على غرار التخلي الخطير من جانب جهات عديدة عن انتفاضة الأقصى وعن العراق، هو مشاركة خطيرة لا يسوغها عذر في المخططات العدوانية على سوريا، بل وعلى المنطقة بأسرها دولا وحكومات وشعوبا، وتيارات متعددة دون تمييز، وعلى إسلامها دينا وحضارة، وعلى عروبتها بمختلف أطيافها، مسلمين وغير مسلمين، وعلى سائر من يعيشون على هذه الأرض في كنف هذه الدائرة الحضارية، من أقوام وأعراق.

 

"
التخلي من جانب دول أو منظمات في المنطقة العربية والإسلامية عن سوريا وما تمثله من عقبة رئيسية باقية إلى جانب المقاومة الشعبية، هو مشاركة خطيرة في المخططات العدوانية على سوريا وعلى المنطقة بأسرها
"
ثم إن التراجع عن البقية الباقية من الثوابت، بما في ذلك الثوابت السياسية، سواء أعطي التراجع عنوان "اتصالات ومفاوضات وتفاهمات" مع الطرف الأميركي وسواه، أو عنوان مصلحة وطنية، أو سياسة واقعية، أو شرعية دولية باتت سجينة شرعة الغاب، هي خطوة في الاتجاه المعاكس مباشرة لحماية سوريا ذاتيا من عدوان خارجي، وثغرة إضافية تساهم في التمكين من تنفيذه، وليس في اتجاه صده أو اتجاه تراجع مدبريه ومنفذيه عنه.

 

إن الأصوات الباقية في الساحة السورية داخليا، سيان إلى أي تيار تنتمي، ومن أي موقع تتحدث، أو تلك التي تشابهها من خارج الحدود، أيا كانت دوافعها وما تعلنه من مسوغات لنفسها، لا تخدم المصلحة العليا المشتركة في سوريا، ولا المصلحة العليا للعرب والمسلمين، عندما تتشبث بأي شكل من أشكال الإقصاء أو الاستئصال للآخر، على أساس ديني أو طائفي، أو قومي أو عرقي، أو سياسي أو حزبي وفي أي ميدان من ميادين الحياة المشتركة، والحكم المشترك، سياسيا وحزبيا وثقافيا وفكريا واقتصاديا واجتماعيا.

 

وهذه الأصوات كذلك لا تخدم مصلحة البلاد إذا ما تتشبثت بتوظيف أحداث مرحلة الصراع الماضية لتكون عقبة الآن دون مصالحة وطنية شاملة، بقصد أو دون قصد، عن طريق مطالب المحاسبة على ما مضى، والمطالب المضادة، بدلا من العمل على إيجاد ضمانات دستورية وقانونية وآليات سياسية وعملية للحيلولة دون انتهاك الحريات والحقوق لأي فئة أو فرد، وللحيلولة دون تكرار الصراع بمختلف أشكاله ومصادره، والتلاقي على الاحتكام إلى الإرادة الشعبية، مع تكافؤ فرص التنافس عليها، وضمان نزاهة آليات هذا الاحتكام والالتزام بنتائجه.

________

كاتب سوري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة