التقارب المستعصي بين مصر وإيران   
الثلاثاء 2/11/1433 هـ - الموافق 18/9/2012 م (آخر تحديث) الساعة 15:48 (مكة المكرمة)، 12:48 (غرينتش)
بشير عبد الفتاح

 

مؤشرات إيجابية بعد مبارك
تقارب غير مرغوب فيه
تصاعد التحدي المذهبي
التحرر من القيود

لم يكن توفر بعض الأسس والركائز التي يمكن البناء عليها والانطلاق منها صوب إعادة تأطير العلاقات المصرية الإيرانية، ولا حتى بزوغ بعض المؤشرات الإيجابية لإمكانية حدوث تقارب حقيقي بين طرفيها عقب الإطاحة بمبارك وحاشيته، ليحولا دون بروز إشارات مغايرة تشي بأن هناك ما يشبه الإجماع أو التوافق الضمني بين دوائر محلية بكلا البلدين، علاوة على أخرى إقليمية ودولية، على الحيلولة دون ذوبان الجليد بين القاهرة وطهران.

مؤشرات إيجابية بعد مبارك
طوت ثورة يناير 2011 في مصر بين ثناياها بوادر شتى بشأن إمكانية إحداث تحول إيجابي ملموس في العلاقات بين القاهرة وطهران، كان من أبرزها وأشدها وقعا ما فاجأ به نبيل العربي، أول وزير للخارجية المصرية بعد الإطاحة بمبارك، العالم من رؤى وتصورات مثيرة بشأن مستقبل علاقة مصر الجديدة بإيران.

العربي أعلن أن بلاده مستعدة لتطبيع العلاقات مع إيران بعد قطيعة دامت أكثر من ثلاثين عاما، بشرط أن تراعي الاحترام المتبادل لسيادة الدول، وعدم التدخل مطلقا في شؤونها الداخلية بأية صورة

فبغير تردد أو التفاف، أعلن العربي أن بلاده مستعدة لتطبيع العلاقات مع إيران بعد قطيعة دامت أكثر من ثلاثين عاما، بشرط أن تراعي الاحترام المتبادل لسيادة الدول وعدم التدخل مطلقا في شؤونها الداخلية بأية صورة، مشيرا إلى أن الشعبين المصري والإيراني جديران بأن تكون بينهما علاقات متبادلة تعكس تاريخهما وحضارتهما.

وفي مسعى منه لتأكيد استقلالية نهج مصر الثورة عن مصر مبارك فيما يخص التعاطي مع إيران، أكد العربي أن بلاده لا ترى في الأخيرة عدوا لها، وأن سعي إيران لأن يكون لها دور مؤثر في المنطقة إنما هو حق طبيعي لها كدولة مهمة في الشرق الأوسط، لافتا إلى أن مصر لم تكن هي التي بادرت بقطع العلاقات مع إيران، وإنما الأخيرة هي التي فعلت ذلك منذ العام 1979.

واعتبر العربي أن تعثر العلاقات بين القاهرة وطهران إنما كان أحد الانعكاسات السلبية لسياسة نظام مبارك الخارجية الفاشلة، إذ افتعل الخلافات واصطنع العداء مع طهران موظفا لأجل ذلك غلاة السلفيين الذين ارتأوا في تبني إيران للمذهب الشيعي كفرا بواحا، رغم أن الأزهر الشريف اعترف بالمذهب الشيعي الاثني عشري المتبع في إيران، كما يعرف عن مصر أنها سنية المذهب وشيعية الهوى نظرا للحب والتقدير اللذين يحظى بهما آل البيت من قبل عموم المصريين.

وانتقد العربي عبث نظام مبارك بالعلاقات مع إيران والذي وصل إلى حد تأكيد وزير خارجيته أبو الغيط مرارا أن إيران تشكل خطرا على الأمن القومي المصري، وأنها تسعي من خلال دعمها لحركة حماس الفلسطينية إلى إقامة دولة دينية تمثل خطرا على مصر، وأنها تحيك المؤامرات وتزرع الفتن وتؤجج الصراعات للنيل من استقرار المنطقة.

تقارب غير مرغوب فيه
تكاد تنم معطيات البيئة التي تخلقت في رحمها العلاقات المصرية الإيرانية عن شيء هو أقرب إلى التلاقي المحلي داخل البلدين، والتوافق الإقليمي والدولي، على رفض أي تقارب "إستراتيجي" بين طهران والقاهرة، وإن اختلفت دوافع وأسباب القوى الإقليمية والدولية، بما فيها أميركا وإسرائيل، التي لم تتوان في مد جسور التفاهم مع إيران سرا.

فمحليا، لا تزال دوائر دينية وسياسية عديدة داخل مصر ترى في التقارب مع إيران حاليا مغامرة غير مضمونة العواقب، خصوصا في ظل إصرار الإيرانيين على التدخل في الشؤون المصرية والعربية، فضلا عن الدعم الإيراني المستفز لنظام بشار الأسد وخروقاته، وهو ما وضح جليا في معارضة بعض الأوساط المصرية لزيارة الرئيس مرسي القصيرة لطهران بغرض المشاركة في قمة عدم الانحياز. 

لا تبدو واشنطن مستعدة لتقبل أي تطور في العلاقات المصرية الإيرانية نحو تفاهم "إستراتيجي" من شأنه أن يخل بإستراتيجيتها في التعاطي مع البلدين أو حيال المنطقة برمتها

وإيرانيا، وإلى جانب ارتياب دوائر أمنية وسياسية ودينية محافظة من أي تقارب مصري إيراني، يجوز الادعاء بأن نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة لم تحمل فى طياتها أية احتمالات بتغيير إيجابي في سياسة إيران الخارجية، خصوصا إزاء القاهرة، وذلك لأسباب عديدة: أولها، استمرار هيمنة المرشد الأعلى للثورة على عملية صنع السياسة الخارجية لاسيما الملف النووي والعلاقات مع الغرب وإسرائيل ودول الجوار، خصوصا بعد أن أسفرت الانتخابات التشريعية الأخيرة عن إقصاء الإصلاحيين والمعسكر المحافظ الموالي للرئيس نجاد، وتعزيز هيمنة الجناح المحافظ الموالي للمرشد على البرلمان والنظام السياسي برمته في المقابل بعد أن حصد 75% من مقاعد البرلمان الجديد.

وثانيها، وجود حالة أقرب إلى الإجماع بين مختلف القوى السياسية والشعبية في إيران على غالبية ملفات السياسة الخارجية لا سيما تلك المتعلقة بالبرنامج النووي والعلاقات مع إسرائيل وواشنطن وبدرجة أدنى قليلا مع دول الجوار، وانحسار الاختلافات التي يمكن رصدها فيما بين تلك القوى بالشؤون المحلية والمسائل الأيديولوجية، وتدنيها إلى مستوى ربما لا يتمخض عن تغيير جوهري في السياسة الخارجية الإيرانية.

أما بخصوص أميركا وإسرائيل، فلعلنا لا نغالي إذا ما زعمنا أنهما قد لعبتا دورا محوريا في تعزيز حالة القطيعة والجفاء بين القاهرة وطهران حفاظا على نمط التفاعلات والتوازنات الإقليمية الراهن، الذي يضمن لهما حماية مصالحهما الإستراتيجية في المنطقة. فمن جانبها، لا تبدو واشنطن مستعدة لتقبل أي تطور في العلاقات المصرية الإيرانية نحو تفاهم "إستراتيجي" من شأنه أن يخل بإستراتيجيتها في التعاطي مع البلدين أو حيال المنطقة برمتها.

وهو ما وضح بجلاء في استياء الإدارة الأميركية من توقيع مصر وإيران في العام 2010 اتفاقا يتيح استئناف الرحلات الجوية المباشرة بين عاصمتي البلدين رغم العقوبات الدولية والأميركية المفروضة على طهران، ومن بعده سماح القاهرة بمرور قطع عسكرية بحرية إيرانية في قناة السويس بعد سقوط مبارك.

وحينما نحت دوائر سياسية أميركية نحوا مغايرا نسبيا إزاء احتمالات التقارب المصري الإيراني، كان سماحها بتقارب محدود السقف بين البلدين مرتهنا بتوظيف واشنطن لذلك التقارب لخدمة الإستراتيجية الأميركية حيال طهران والمنطقة، حيث أكد المتحدث باسم الخارجية الأميركية مارك تونر أن إعلان مصر استعدادها لاستئناف العلاقات الدبلوماسية مع إيران قد يكون مفيدا وبناء، إذ يمكن للقاهرة أن تكون شريكا مهما في الإعراب عن دواعي القلق الإقليمية والدولية إزاء برنامج إيران النووي.

انتاب دول الخليج العربية قلق بالغ من تصريحات العربي حينئذ بشأن التقارب مع إيران، خصوصا وأنها تزامنت مع تزايد إيقاع التوتر في العلاقات بين إيران ودول مجلس التعاون على خلفية أحداث البحرين

وبدورها، لم تخف إسرائيل يوما ما قلقها من أي تطبيع في العلاقات المصرية الإيرانية يمكن أن يفضي إلى إعادة هيكلة موازين القوى في المنطقة بما يصب في غير مصلحة تل أبيب. فمؤخرا، استتبع سماح السلطات المصرية بعد ثورة 25 يناير لبارجتين حربيتين إيرانيتين بعبور قناة السويس قلق تل أبيب، التي وصفت على لسان وزير خارجيتها أفيغدور ليبرمان تلك الخطوة بالاستفزازية، متناسيا أن قرار السماح للسفينتين جاء بموجب اتفاقية القسطنطينية المؤرخة في عام 1888، التي تسمح بمرور كافة السفن عبر قناة السويس، بما فيها تلك الحربية.

وما إن ألمح العربي إلى نيته تقليص أي دور إسرائيلي في تشكيل ملامح العلاقات المصرية الإيرانية مستقبلا، بتأكيده على أفول عهد مبارك الذي كانت تعتبره إسرائيل وأميركا "كنزا إستراتيجيا" لهما لأنه كان يسهل لهما انتهاج سياسات ومواقف غير مقبولة حيال المنطقة وبأقل تكلفة، حتى شنت الصحف الإسرائيلية حملة تحريضية شديدة الوطأة ضد العربي ربما كانت أحد الأسباب الأساسية لإبعاده عن ميدان السياسة الخارجية المصرية.

وبنفس الدرجة وإن تنوعت الأسباب، انتاب دول الخليج العربية قلق بالغ من تصريحات نبيل العربي حينئذ بشأن التقارب مع إيران، خصوصا وأنها تزامنت مع تزايد إيقاع التوتر في العلاقات بين إيران ودول مجلس التعاون على خلفية أحداث البحرين، التي ينظر إليها الإيرانيون دائماً على أنها الخاصرة الرخوة لمنطقة الخليج، إضافة إلى أحداث أخرى متلاحقة في السعودية والكويت والإمارات، استتبعت بدورها اتهامات لإيران بالتدخل في شؤون دول مجلس التعاون وإشعال فتيل الفتن الطائفية في ربوعها.

وبينما لم يتجل القلق الخليجي من دعاوى التقارب المصري الإيراني بصورة رسمية معلنة، كان لافتاُ تزامن "حميمية" دعوات التقارب هنا مع التصعيد الرسمي والإعلامي السعودي عبر مجلس التعاون ضد إيران، والتي وصلت إلى حد إطلاق مسؤولين خليجيين تصريحات تنبئ باستعدادهم للتعاون مع إسرائيل ضد إيران. كما حذرت صحف سعودية، صراحة وضمناً، من انضمام القاهرة إلى ما يسمى "الحلف الإيراني السوري"، الذي اشتمت السعودية رائحته في تطور العلاقات إيجابيا بين القاهرة ودمشق وقتها، على نحو ما بدا جليا في زيارة رئيس المخابرات المصري السابق اللواء مراد موافي بعد الثورة بأيام إلى سوريا، وكذا تعاون دمشق المثير للتساؤل مع القاهرة بخصوص المواطنين المصريين الذين اعتقلتهم السلطات السورية على خلفية الانتفاضة التي تشهدها سوريا.  

تصاعد التحدي المذهبي
إذا كان تحييد العامل المذهبي أو الطائفي يعد أحد الأسس الرئيسية الراسخة لأي تقارب ناجح بين القاهرة وطهران، فإن تحقيق هذا الأمر عمليا يظل أمرا صعب المنال في ضوء حالة الاحتقان الشديدة والمتنامية بين البلدين في هذا المضمار.

ففي نهاية مارس/آذار 2010، اعتقلت السلطات المصرية تنظيما شيعيا متعدد الجنسيات، توطئة لمحاكمة أعضائه على خلفية استقدام أموال خارجية لنشر المذهب الشيعي في مصر، إضافة إلى ازدراء الطائفة السنية وسب الصحابة الكرام، والإضرار بالوحدة الوطنية والسلام الاجتماعي، كما أثبتت تحريات النيابة أن المتهمين شككوا في القرآن الكريم والسنة النبوية كما حرفوا بعض الآيات القرآنية.

بدت جلية انعكاسات الاحتقان المذهبي على زيارة الرئيس مرسي لإيران للمشاركة في قمة عدم الانحياز الأخيرة، حيث استهل الرجل كلمته أمام القمة بالثناء على الصحابة الكرام، موجها رسالة واضحة إلى المسلمين السنة داخل مصر وخارجها

وبناء عليه، طالبت مشيخة الأزهر الشريف السلطات الإيرانية بالكف عن التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية، وذلك درءا للفتنة وحقنا للدماء وحفظا للجوار وحقوقه. ولم يفت مشيخة الأزهر، صاحبة الخطوة الجريئة والتاريخية في التقريب بين السنة والشيعة إبان مشيخة الشيخ شلتوت قبل قرابة نصف قرن مضى، الدعوة إلى تفعيل مشروع الحوار بين السنة والشيعة، أملا في سد الفجوة بين إيران والعرب وتحقيق وحدة المسلمين حول العالم.

وقد بدت جلية انعكاسات الاحتقان المذهبي على زيارة الرئيس مرسي لإيران للمشاركة في قمة عدم الانحياز الأخيرة، حيث استهل الرجل كلمته أمام القمة بالثناء على الصحابة الكرام، موجها رسالة واضحة إلى المسلمين السنة داخل مصر وخارجها، المتوجسين من التقارب مع إيران لهذا السبب وغيره، يؤكد خلالها رفضه أي تطاول من متطرفي الشيعة على معتقدات وحرمات أهل السنة، وعدم تناسيه لأية سوابق أو ممارسات مستفزة بهذا الخصوص.

التحرر من القيود
علاوة على إجراءات بناء الثقة المتبادلة التي يتوق إليها التقارب المصري الإيراني الحذر والمتعثر، تبرز الحاجة الماسة إلى تحرر طرفيه من أسر الحسابات والقيود الإقليمية والدولية، ولست أعني بهذه الدعوة للتحرر استنفار كل من مصر وإيران للاصطدام بمحيطيهما الإقليمي والدولي، وإنما حضهما على بلورة المواءمات وتحري الطمأنات التي في وسعها تبديد المخاوف العربية والإقليمية والدولية من إمكانية حدوث ما يشبه "التحالف الإستراتيجي" بين مصر وإيران، دونما مراعاة لمصالح باقي الأطراف.

وأحسب أن الرئيس مرسي قد خطى خطوات مهمة على درب الطمأنة التصالحي هذا، حينما حرص إبان زيارته للسعودية على تأكيد التزام مصر القومي الراسخ بعروبة الخليج وأمنه واستقراره ووحدة وسلامة كل دولة فيه، والتشديد على أن منطقة الخليج تمثل عمقا إستراتيجيا لمصر وأن أمنها لا ينفصل عن الأمن القومي المصري، وعندما أكد كذلك خلال كلمته أمام قمة عدم الانحياز الأخيرة بطهران على ثوابت الموقف المصري حيال القضايا الخلافية الأساسية مع إيران كالسورية والفلسطينية فضلا عن حرمة معتقدات أهل السنة واحترام سيادة الدول العربية وعدم التدخل في شؤونها، ودعم حق الدول في طاقة نووية سلمية.

يبقى حريا بالقاهرة وطهران أن تنسقا فيما بينهما أولا، ثم مع القوى الإقليمية والدولية تاليا من أجل صوغ نمط من التفاعلات التعاونية البناءة يتيح بدوره قسطا مقبولا من المصالح والمغانم لكافة الأطراف وبأقل كلفة ممكنة، كما يسمح للطرفين المصري والإيراني بتحرير علاقاتهما من القيود الإقليمية، ويجنبهما الانزلاق إلى مستنقع صراع الأدوار وحروب الاستنزاف الطائفية والمذهبية، التي تسعى واشنطن وتل أبيب، بمساعدة المتطرفين والنافخين في نيران الفتنة على الصعيدين السني والشيعي، إلى الزج بهما في أتونها.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة