دارفور "طلاسم" تستعصي على الخرطوم   
الثلاثاء 18/3/1434 هـ - الموافق 29/1/2013 م (آخر تحديث) الساعة 17:47 (مكة المكرمة)، 14:47 (غرينتش)
ياسر محجوب الحسين

 

تعقيدات متجددة
اتفاق الدوحة طوق النجاة

عشر سنوات على اندلاع حريق دارفور دون أن تجدي محاولات الإطفاء المستميتة فتيلاً، صحيح أن أسباب الحريق كانت متوفرة من الناحية التاريخية ولذا أبقت الحريق في مراحله ما قبل الاشتعال فظلت النار تحت الرماد؛ لكن الاشتعال الذي شبّ في العام 2003 لم تتمكن الحكومة السودانية من إخماده حتى الآن بشكل نهائي وبقيت ألسنة اللهب ترتفع من حين إلى حين رغم خراطيم المياه والمركبات الكيميائية المضادة للنار سواء بالمحاولات الحكومية أو الإقليمية أو الدولية.

الفشل نابع من عدة أسباب متضافرة ومتآزرة، فالحكومة تحاول التركيز على الأسباب الطبيعية المتوارثة تاريخيا حيث التنازع على المرعى والماء والصراع الأزلي بين القبائل الرعوية والزراعية حول هذين الموردين، وتحاول مستميتة إغفال الأسباب السياسية واستبعادها مع ضعفها الاستخباراتي والأمني في دول الجوار المرتبطة بالحركات المتمردة المسلحة.

عداوات حكومة "الإنقاذ" برئاسة عمر البشير الداخلية والخارجية كان لها قدحٌ معلى في زيادة أوار الحريق الذي اندلع في ذلك الإقليم المهم والمترامي الأطراف حيث تساوي مساحته مساحة فرنسا (حوالي 510 آلاف كيلومتر مربع).

اليوم حال إنسان دارفور مثله مثل ذلك الثائر التونسي الذي ظلت قناة الجزيرة تكرر جملته المؤثرة (لقد هرمنا.. هرمنا من أجل هذه اللحظة التاريخية) ومن حسن حظه أنه نال مبتغاه أخيراً، بيد أن إنسان دارفور بلغ من عمر الانتظار عتياً.

فمتى تأتي اللحظة التاريخية التي تشهد إغلاق  ملف الأزمة المتطاولة؟ كان 2003 هو العام الذي انتشرت فيه الحركات المسلحة، ومن المفارقة أن إحداها -وهي العدل والمساواة- كانت الأكثر شراسة في عملياتها العسكرية قد خرجت من رحم نظام "الإنقاذ" الحاكم نتيجة الانقسام الشهير بين أركان الحكم؛ المؤتمر الشعبي بزعامة حسن الترابي، والمؤتمر الوطني بزعامة الرئيس عمر البشير، فضلا عن العديد من الحركات المسلحة الأخرى التي ظلت في حالة تشظ وانقسام مستمر حتى وصل عددها إلى أكثر من أربعين حركة.

تعقيدات متجددة
كثيرة هي التعقيدات التي تمسك بخناق أزمة دارفور، وهي متنوعة ومتجددة ومتكاثرة بطريقة انشطارية وبمتوالية هندسية، منها ما هو داخلي، ومنها ما هو إقليمي، ومنها ما هو دولي.

داخلياً؛ تستعر الصراعات القبلية بين مكونات الإقليم السكانية، فعلى سبيل المثال نجد أن كل الولاة الذين تعاقبوا على حكم ولايات دارفور، خلال السنوات الأخيرة، كانوا من أبناء الإقليم، وجميعهم وبدون استثناء كانوا عرضة للتأثير عليهم من قبائلهم.

آخر هذه الصراعات القبلية نشأت حول منجم يستخرج منه الذهب بالطرق التقليدية؛ قتل فيه العشرات، ونزح عشرات الآلاف من الأشخاص على خلفية مواجهات مسلحة بين قبيلتين (بني حسين والأبالة) في ولاية شمال دارفور، نتج عن ذلك آثار إنسانية سيئة، وتوزع النازحون في المدارس ومرافق الحكومة ومنازل المواطنين والطرقات وتحت الأشجار، بلا غذاء أو كساء أو مأوى، مع اشتداد موجة البرد.

ليس من صالح أي كيان سياسي أو عسكري المساس بأحد أركان الهوية الدارفورية المتمثل في الثقافة العربية والإسلامية خشية وطمعا في ولاء مواطن دارفور وحرصا على مشاعره الوطنية

ولم يكن الذهب -تاريخياً- محور الصراع بل كان متركزاً ولا يزال حول المرعى والمياه خاصة في سنوات الجفاف التي تضرب الإقليم من حين لآخر.

هذه الحقيقة تؤكد أن الصراع لم يكن صراع هوية كما يذهب البعض؛ فعلى سبيل المثال، فإن عناصر المقارنة بين التركيبة الاجتماعية والثقافية في كل من السودان وتشاد –وهي الدولة التي تحادد دارفور من ناحية الغرب- بارزة وواضحة ومتعددة، فقد شهدت الأجزاء الشمالية في كلا البلدين قيام دول إسلامية تأثرت تأثرا قويا بهجرات القبائل العربية التي انداحت من الشمال والشرق التي وجدت في أراضي السودان وتشاد امتدادا طبيعيا لحياة البدو العرب من البيئة الصحراوية.

لقد كانت دارفور مملكة إسلامية مستقلة حكمها عدد من السلاطين كان آخرهم وأشهرهم السلطان علي دينار، وعند اندلاع الحرب العالمية الأولى أيد سلطان دارفور الدولة العثمانية التي كانت تمثل مركز الخلافة الإسلامية.
ولهذا فليس من صالح أي كيان سياسي أو عسكري المساس بأحد أركان الهوية الدارفورية المتمثل في الثقافة العربية والإسلامية خشية وطمعا في ولاء مواطن دارفور، وحرصا على مشاعره الوطنية.
 
أيضاً من التعقيدات الداخلية الفشل المتكرر للحكومة السودانية في قراءة المشكلة والتعاطي معها، فضلا عن انعكاس الانقسام الذي ضرب النخبة الحاكمة على الأزمة في دارفور؛ إذ هناك علاقة وطيدة بين حركة العدل والمساواة وبين حزب المؤتمر الشعبي المعارض بزعامة حسن الترابي، بل ينظر إليها البعض باعتبارها الجناح العسكري للحزب.
إقليمياً كان لتدخلات تشاد وليبيا قدحٌ معلى في تأزيم الأزمة خاصة خلال السنوات التي شهدت تدهوراً في علاقات الخرطوم مع هذه الدول المجاورة.
تشاد وفرت الدعم اللوجستي للحركات المسلحة والملاذ الآمن لها عندما تشتد الضربات الحكومية عليها، وكان دور ليبيا في عهد العقيد القذافي توفير المال والسلاح، لكن بعد الثور الليبية وتحسن علاقات الخرطوم بإنجامينا، انقطع الدعم التشادي الليبي، وتكفلت دولة جنوب السودان بالدعم المادي واللوجستي.

دولياً ساهم الإعلام العالمي ومنظمات المجتمع المدني بما في ذلك المنظمات الإنسانية في تنفيذ الأجندة الأميركية والإسرائيلية والغربية بشكل عام، يقول عالم النفس الهولندي ميرلو، إن وسائل الإعلام تحيل الإنسان إلى كائن لا حول له ولا قوة، وتخضعه إخضاعا ربما لرؤى سياسية معينة، إذ تتضافر فنون الضغط الثقافي والعاطفي مرتبطة بالضغط البدني للسيطرة على الإنسان الضحية وتحويله إلى فرد له معتقدات جديدة.

ومن يتابع تداعيات قضية دارفور يستبين النتيجة التي توصل إليها ميرلو، فقد تحوّلت قضية دارفور إلى "أزمة" دولية بفضل الآلة الإعلامية الأميركية المهيمنة.

قبل عدة سنوات والأزمة في أشُدُّها نشرت صحيفة الحياة اللندنية تقريراً عن قرية سعودية اسمها "تلعة نزا"، جاء فيه أنها تقع على مسافة لا تزيد على أربعين كيلو متراً عن مدينة ينبع الصناعية، إحدى أهم مدينتين صناعيتين في السعودية، حيث تعيش في هذه القرية (170) أسرة حياة بعيدة عن تطورات ومجريات القرن الحادي والعشرين.

معظم السكان، يعيشون تحت خط الفقر، ويرزحون في ظلمات الجهل، ويعيشون على جمع الحطب، وتربية الأغنام والإبل.. لا شك أن نمط الحياة والثقافة المتوارثة سبب رئيسي في هذه الحالة التي جعلت هذه القرية تبعد مئات السنين عن المدنية.

غرايشن: ما يجري الآن في دارفور ليس إبادة أو تطهيرا عرقيا بل لا يعدو أن يكون نشاطات لترهيب المواطنين تقوم بها عصابات ونهابون

لكن ماذا لو كان للإعلام العالمي أجندة سياسية ضد السعودية؟ ربما عمد إلى إنتاج مئات الصور والأفلام والتقارير التي تستجدي عاطفة الضمير الإنساني، ولخرجت هذه الواقعة من سياقها الطبيعي وأصبحت قضية دولية يوعز فيها لمجلس الأمن لإصدار القرار تلو القرار، ولقامت قائمة منظمات حقوق الإنسان ولم تقعد.

ودارفور التي يعيش سكانها ظروفاً مماثلة وجد الإعلام العالمي فرصة لتحريك الأجندة السياسية، فنظام الخرطوم الذي يرفع الراية الإسلامية مطلوب إسقاطه، ولأن الأجندة السياسية حاضرة بقوة في قضية دارفور فقد خرجت هذه القضية من سياقها الطبيعي المتمثل في الصراع المتوارث بين القبائل الرعوية وتلك التي تعتمد الزراعة، وأضحى نمط الحياة والثقافة المتوارثة المكوّن الأساسي لتقارير ذلك الإعلام المأزوم بالنوايا السيئة.

المنظمات الإنسانية المرتبطة بالغرب أيضا استخدمت مساحة تحركها في تضخيم المشكلة؛ تقول صحيفة "كريستيان ساينس مونيتور" الأميركية ذائعة الصيت في تقرير سابق لها إن منظمات ونشطاء غربيين في مقدمتهم تحالف "أنقذوا دارفور" قد لعبوا دورا سلبيا في تضخيم أزمة دارفور لأسباب تتعلق بتوزيع الأموال المرصودة للأزمة والترويج للتحالف، الأمر الذي انعكس على إعاقة الجهود الإنسانية الإغاثية، والتغطية على جرائم متمردي دارفور ونسب كل المشاكل إلى حكومة الخرطوم تحت مزاعم عن إبادة جماعية.
في سبتمبر/أيلول من العام 2009 أعلن مجموعة من أبناء دارفور في الولايات المتحدة أنهم كانوا يقومون بتلفيق الأحداث والأرقام في أعداد الضحايا بدعم وتحريض من منظمات دولية لتجريم السودان أمام المحكمة الجنائية الدولية ومدها بمعلومات ملفقة ومزورة.

في نفس الوقت أعلن المبعوث الأميركي الأسبق للسودان سكوت غرايشن، إن ما يجري الآن في دارفور ليس إبادة أو تطهيرا عرقيا، مؤكدا أن ما يجرى بالإقليم على خلفية زيارته الأخيرة لا يعدو أن يكون نشاطات لترهيب المواطنين تقوم بها عصابات ونهابون.

اتفاق الدوحة طوق النجاة
ربما كان توقيع وثيقة الدوحة للسلام في يوليو/تموز 2011 بين حكومة الخرطوم وحركة التحرير والعدالة برئاسة تيجاني سيسي، أكثر الخطوات السياسية جدية لحل قضية دارفور.

ونظمت الوثيقة اقتسام السلطة والثروة وحقوق الإنسان واللجوء والنزوح والتعويضات ووضع الإقليم الإداري والعدالة والمصالحات. ورفضت حركة العدل والمساواة -التي انسحبت في وقت سابق من المفاوضات- هذه الوثيقة ووصفتها بأنها جزئية ولا تعبر عن إرادة أهل دارفور. فضلاً عن أن هناك قوى أخرى خارج الاتفاقية، بينها حركة تحرير السودان-جناح عبد الواحد نور، وجناح مني أركو مناوي.

لكن هذه الاتفاقية تعاني اليوم كثيراً من العقبات وتجاهد حكومة الخرطوم لإخراجها من غرفة العناية المكثفة وإبقائها على قيد الحياة.. في خضم هذه الحالة السريرية أضاء رئيس السلطة الإقليمية لدارفور تيجاني سيسي إشارتين تحذيريتين، الأولى برتقالية قبل عدة أشهر بسبب عدم إيفاء الخرطوم بالتزاماتها المالية، ولما لم تستجب الحكومة المركزية أضاء قبل عدة أسابيع الإشارة الحمراء التي نتج عنها تحرك حكومي إسعافي.

التطور الأكثر خطورة على الصعيد الميداني جعل السيسي يضيء الإشارة الحمراء حيث اتهم الحكومة بمهاجمة قواته بالقرب من مدينة الفاشر عاصمة السلطة الإقليمية. الإشارة البرتقالية تمثلت في تحذير السيسي من "تلكؤ" الحكومة في الإيفاء بتعهداتها لصندوق إعمار دارفور والتي تبلغ مائتي مليون دولار، وشدّد على أن المال يشكل حجر عثرة في انطلاق السلطة الإقليمية، ورفض أن تعامل سلطة دارفور كوحدة حكومية تستجدي المال من وزارة المالية.

وفي مفارقة تشبه جدلية (البيضة والدجاجة) يقول سيسي إن عون المانحين الدولي والإقليمي في إعمار دارفور مرهون بالتزام الحكومة بتسديد المبلغ القاعدي الذي يبلغ مائتي مليون دولار.

الحكومة السودانية من جانبها ترى أن على الوسطاء والمانحين أن يضعوا في اعتبارهم المستجدات التي غلّت يدها، ولم يكن في الحسبان ومساعدتها على توفير المال اللازم بعد انفصال الجنوب وذهاب أكثر من 75% من عائدات النفط إلى الدولة الوليدة.

رغم الكوابح التي ظلت تكبح مسيرة سلام دارفور, إلا أن التجاني السيسي مازال مؤمناً بالحوار سبيلاً بل إنه حَمل بشدة على الحركات المسلحة

التطور الذي استدعى الإشارة الحمراء قول السيسي إن قوات حكومية شنت هجوماً على سيارتين تتبعان حركته.. سريعاً استجابت الخرطوم للإشارة الحمراء، وأعلن علي عثمان محمد طه النائب الأول لرئيس الجمهورية تخصيص مبلغ ثمانمائة مليون جنيه (ما يعادل 160 مليون دولار) لصالح دارفور، تسدد بشكل كامل وفوري بعد تحرير خطاب ضمان رسمي من وزارة المالية السودانية، مع تسريع إنفاذ بنود الترتيبات الأمنية الخاصة بقوات الحركة.

الأمر المثير للتفاؤل، أنه رغم الكوابح التي ظلت تكبح مسيرة سلام دارفور إلا أن التجاني السيسي مازال مؤمناً بالحوار سبيلاً، بل إنه حَمل بشدة على الحركات المسلحة التي قال إنها تعمل على تحريض النازحين بالمعسكرات والمتاجرة بقضاياهم، ودعا النازحين للعمل على مواجهتهم.
 
السيسي شخّص ببراعة الأوضاع في دارفور بُعيد توقيع الاتفاقية، وتحدث بإشفاق ممزوج بالتحدي، موضحاً أن مشوار التفاوض كان شاقاً، إلا أن مشوار إنفاذ الاتفاقية هو الأكثر صعوبة ومشقة. السؤال المحوري هو: هل أضحت قضية دارفور بعد كل هذه السنوات العِجاف ومحاولات السلام المستميتة، "طلاسم" تستعصي على الخرطوم بل على المجتمع الدولي؟ أم أن إرادة الحل لم تتوفر حتى الآن في كل الأطراف؟
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة