محادثات كيري في موسكو   
الجمعة 1/7/1434 هـ - الموافق 10/5/2013 م (آخر تحديث) الساعة 14:11 (مكة المكرمة)، 11:11 (غرينتش)
منير شفيق

 

قبل سنة، وفي مثل هذه الأيام من ربيع 2012، شنت الإدارة الأميركية حملة إعلامية وسياسية شرسة على فلاديمير بوتين وحزبه. فمن جهة راحت تشكك في نتائج انتخابات الدوما (البرلمان) التي فاز بها حزب بوتين، واتهمته المعارضة والمنظمات الحقوقية الموالية لأميركا والصهيونية بتزوير الانتخابات.

ومن جهة أخرى راحت تُهيئ للتشكيك في الانتخابات الرئاسية التي ترشّح لها بوتين. وبالفعل حوّلت التشكيك إلى اتهام بعد نجاحه. فأخذت إدارة أوباما تحرّض، بصورة غير مباشرة، وأحياناً شبه مباشرة، على الانتفاضة. وكانت المعارضة قد نزلت إلى الشوارع على أمل أن تتحوّل مظاهراتها المحدودة العدد إلى ربيع روسي يطيح ببوتين وبالدوما الجديدة، وما سينجم من مرحلة جديدة بروسيا في عهد بوتين العائد إلى الكرملين.

صمود بوتين بما يمتلكه من قدرة على مواجهة التآمر المخابراتي والإعلامي، أثبت أن كل ما أمِلَت به الإدارة الأميركية، ومن يرقصون على ألحانها، يقوم على أوهامٍ وتقديرٍ خاطئٍ للموقف

سرّبت في تلك المرحلة معلومات لا تُعطي فلاديمير بوتين أكثر من أربعة أشهر للصمود. واعتبرت سقوطه حتمياً أمام ثورة شعبية حتمية. ولكن الوقائع الروسية الشعبية، ومؤسسات الدولة، وما يمتلكه بوتين من قدرة على مواجهة التآمر المخابراتي والإعلامي، أثبتت أن كل ما أمِلَت به الإدارة الأميركية، ومن يرقصون على ألحانها، يقوم على أوهامٍ وتقديرٍ خاطئٍ للموقف. فبوتين على مستوى الداخل الروسي أقوى من أن تُطيحَ به أميركا. في حين أن إدارة أوباما أضعف من أن تحوّل تلك الحملة إلى سياسة عدائية دائمة ضدّ روسيا.

بل أثبتت وقائع السنة الماضية أن بوتين صعد بروسيا إلى مستوى دولة كبرى قادرة على تحدّي أميركا وانتزاع زمام المبادرة السياسية الدولية منها. وهذا ما أكدته روسيا في عدد من القضايا والأزمات المشتعلة، ولا سيما على مستوى سوريا، أو كوريا، أو إيران، أو العلاقات بالصين.

وفي المقابل أثبتت وقائع السنة الماضية أن إدارة أوباما هبطت بالولايات المتحدة دركاً آخر من دركات التراجع وفقدان زمام المبادرة في التأثير في جملة من القضايا الدولية والإقليمية العاصفة.

الأمر الذي أثبت بدوره أن الحملة العدائية التي شنتها إدارة أوباما ضدّ بوتين قبل سنة قامت على أوهام وسوء تقدير للموقف، بل ارتدّت عليها ضعفاً، وعلى بوتين وروسيا قوّة. بل ربما كانت حافزاً لبوتين أن يدافع، بشراسة، في وجه حملة وضعت الفأس في الرأس عندما راحت تحرّض على الثورة ضدّه. وذلك في محاولة لإعادة روسيا إلى عهد يلتسين والهبوط بها إلى دولة من الدرجة الرابعة.

فالذين فوجئوا بالفيتو الروسي والصيني في مجلس الأمن قبل سنة في الموضوع السوري لم يلحظوا أن دافعه الأول كان الردّ على إدارة أوباما حين بلغ بها الأمر إلى السعي لإطاحة بوتين وما يمثله بالنسبة إلى روسيا ومستقبلها.

ثم أخذت موازين القوى العالمية والإقليمية في أكثر من منطقة في كرتنا الأرضية تؤكد أن أميركا آخذة بالتراجع ويمكن لروسيا والصين ولعدد من الدول، بل الثورات والمقاومات والممانعات، أن تنتقل إلى الهجوم. وهذا ما هو حادثٌ الآن.

فالكثيرون من المحللين السياسيين الذين كانوا يبالغون بقوّة أميركا بدؤوا الآن يتحدثون عن وضع عالمي جديد لم تَعُد فيه أميركا اللاعب الأول، كما بدؤوا يحسبون حساباً لدور روسيا خاصة ولمتحدّي أميركا عموماً.

الكثيرون من المحللين السياسيين الذين كانوا يبالغون بقوّة أميركا بدؤوا الآن يتحدثون عن وضع عالمي جديد لم تَعُد فيه أميركا اللاعب الأول، كما بدؤوا يحسبون حساباً لدور روسيا خاصة ولمتحدّي أميركا عموماً

من هنا يجب أن يُقرَأ اللقاء الأميركي الروسي بين وزير الخارجية الأميركي جون كيري والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، كذلك المعاني التي حملها المؤتمر الصحفي، بعد المحادثات المذكورة، ما بين وزير خارجية روسيا سيرغي لافروف وجون كيري.

بداية يجب أن يُلحظ أن إدارة أوباما بذلت جهوداً حثيثة (وقبلت كما يبدو بشروط روسيا) لكي يقبل بوتين أن يترّأس وفد المفاوضات التي قابله فيها جون كيري بوصفه حاملاً لرسالة من أوباما، إلى جانب صفته الدبلوماسية.
هذا من حيث الشكل أولاً، ولكن من حيث المضمون فقد بدا من الواضح أن إدارة أوباما دخلت في مرحلة جديدة تحاول من خلالها استرضاء روسيا وكسب ودّ بوتين، وقد بالغ جون كيري بمديحه له في أثناء المؤتمر الصحفي، مما شكل ضربة كبرى لمعارضة روسية راهنت على أميركا كذلك.

إذا كانت المحادثات، التي دامت يوماً طويلاً على وصف جون كيري لها، قد تناولت بالضرورة قضايا كثيرة، فإن ما ظهر من تلك القضايا في المؤتمر الصحفي ليس أكثر من رأس جبل الثلج الغاطس في البحر، ولكنه يُظهر ملامح بدايات جديدة للتفاهم والتعاون بين الدولتين.

وذلك مما يمكن أن يُقرَأ من خلال ما بدا من تفاهم أميركي روسي في معالجة الموضوع السوري. وقد وصل إلى حدّ الانتقال بالدعوة المشتركة لمؤتمر دولي يُعقد آخر الشهر الجاري بهدف إيجاد تسوية سورية، وذلك استناداً إلى مبادئ اتفاق جنيف التي وضعت على الرف لعدة أشهر، وبان اختلاف روسي أميركي في تأويلها. أما الآن فقد دخل ما كان خلافاً ليصبح توافقاً أو شبه توافق على موضوع مبادئ التسوية للأزمة السورية.

الاستنتاج السريع، وشبه المؤكد، هو أن التراجع في الموقف هنا جاء من الجانب الأميركي. وكان ذلك ثمناً من الأثمان التي دفعتها إدارة أوباما لتحسين علاقاتها بروسيا، وليس نزع فتيل التوتر بينهما فقط.

جرت مع بداية المؤتمر الصحفي الذي عقد بين وزيري خارجية البلدين لافروف وكيري، حادثتان خارجتان عن السياق والعادة. الأولى انشغال كيري بقراءة رسالة مستعجلة وصلته على هاتفه النقال (من أوباما بالتأكيد)، مما أخّرَ بداية كلمة لافروف الذي ترك مكانه باتجاه كيري الذي انشغل بهاتفه كأنه تحوّل إلى عقرب بين يديه.

ثم تبين أن الأمر لا يحتاج إلى قلق لافروف الذي بدأ بمقدمته لافتتاح المؤتمر الصحفي. وجاءت الحادثة الثانية المفاجئة بانتقال كيري من مكانه ليقترب من أذن لافروف ويهمس بها لثوان عدة، بدا فيها لافروف شبه مندهش ثم ابتسم ليُكمل كلامه ويعود كيري لمكانه.

طبعاً لم يعرف الحضور والمشاهدون ماذا همس كيري في أذن لافروف، وبصورة متعجلة وخارجة عن اللياقة، أو تقاليد مثل هذه المؤتمرات المشتركة.

لعل الاستنتاج الممكن هنا هو أن كيري طلب منه ألاّ يتحدث في موضوع اتفقا عليه قبل الدخول إلى المؤتمر الصحفي. وهذا يبدو ما جاء بالرسالة المستعجلة التي جاءت على هاتفه. لأن البيت الأبيض يكون قد أُشعِر بما سيقال في المؤتمر الصحفي المشترك، فأراد أن يحذف نقطة تحفظَ عنها البيت الأبيض، أو اقترح تأجيل البتّ فيها، وكان كيري قد وافق عليها في أثناء المحادثات.

إن المشهد الذي تمثله محادثات موسكو ونتائجها المُعبّر عنها في المؤتمر الصحفي، إذا ما قورن بمشهد العلاقات الأميركية بروسيا قبل سنة، يوم شنت إدارة أوباما هجومها لإسقاط بوتين، يجب أن يُعطي الانطباع بأن أميركا نزلت على ركبتيها أمام روسيا، معترفة ببوتين، ومتراجعة عن التشكيك في شرعيته الانتخابية، وقد قبلت التعامل مع روسيا نداً دولياً شريكاً، على الأقل، بالنسبة إلى اللحظة الراهنة وأيضا بالنسبة إلى الموضوع السوري.

طبعاً يجب أن يُنظر إلى هذا الجديد الطارئ في العلاقات الدولية باعتباره بداية من جهة، وضرورة ملاحظته إن كان اتجاهاً قابلاً للاستقرار والاستدامة من جهة أخرى. والأغلب يجب التّأني إزاء استمراريته وديمومته ليشمل كثيراً من القضايا المختلف عليها.

فنحن أمام شبه انقلاب في الإستراتيجية الأميركية إزاء روسيا إذا ما عبرت المحادثات الراهنة عن اتجاه جديد سوف يتطور على القواعد نفسها، وليست مجرد معالجة أزمة تراجع تعاني منها السياسة الأميركية مؤقتاً.

ثمة مسألة خلافية كبرى بين الدولتين لا بد من أن يكون قد تم التطرق إليها من دون الاقتراب من بداية تفاهم حولها. وهي المتعلقة بالموقف الروسي من الصين. وهي ما لم يُشَر إليها من قريب أو بعيد في المؤتمر الصحفي. بل هي التي ستكون المقرّر لمستقبل العلاقات الأميركية بروسيا.

إذا كانت أميركا، كما أُعلِن منذ عدة أشهر، ستجعل من المحيط الهادئ أولويتها الإستراتيجية، أي ستركز على محاصرة الصين أو احتوائها، فإنها ستحاول تفكيك التحالف الروسي الصيني الراهن، أو في الأصح التعاون الروسي الصيني الوثيق الراهن. وذلك في محاولة لتحييد روسيا إن لم يكن التحالف معها ضد الصين.

كل من يتعامل مع السياسات الأميركية في هذه المرحلة عليه أن يكون حذراً بسبب ارتباكها وعدم استقرارها على أولويات إستراتيجية تحظى بإجماع قوي بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي

هذا التقدير للموقف ليس خيالياً إذا كانت أميركا سوف تجعل بالفعل أولويتها الإستراتيجية احتواء الصين. أما إذا كانت هذه الأولوية لم تُقرّر بعد بشكل نهائي وحاسم فعندئذ يمكن لروسيا أن تحافظ على علاقات متينة مع الصين وتتفاهم مع أميركا على عدد من القضايا، كما عبّرت عن ذلك محادثات موسكو الأخيرة بين الطرفين.

إن كل من يتعامل مع السياسات الأميركية في هذه المرحلة عليه أن يكون حذراً بسبب ارتباكها وعدم استقرارها على أولويات إستراتيجية تحظى بإجماع قوي بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي في الولايات المتحدة الأميركية.

فخلال الشهرين الماضيين غيّرت أميركا موقفها مرتين من روسيا، مثلاً، قبل شهر أصدرت قراراً بمعاقبة 18 موظفاً أمنياً روسياً كبيراً ثم راحت تهدّئ من الأزمة أمام غضب بوتين الذي أصدر قراراً موازياً وبنفس المستوى على 18 موظفاً أمنياً أميركياً، وبالتهمة نفسها. والآن انتقلت من خلال محادثات موسكو من مستوى التهدئة لأزمة إلى مستوى فتح باب عريض للتودّد والتفاهم.

هذا ما يقتضي الحذر وعدم إصدار أحكام قاطعة. وذلك على الضد مما كان عليه الوضع مثلاً في مرحلة الحرب الباردة، أو في مرحلة المحافظين الجدد الذين كشفوا عن إستراتيجية مُحدّدة المعالم.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة