التراجع العلماني في العالم الإسلامي   
الخميس 15/9/1428 هـ - الموافق 27/9/2007 م (آخر تحديث) الساعة 8:56 (مكة المكرمة)، 5:56 (غرينتش)


رفيق عبد السلام

ما من منطقة في العالم تعرضت فيها التنبؤات العلمانية لامتحان قاس وتمحيص عسير مثل المنطقة العربية الإسلامية، ولعل هذا ما حدا بالكثير من الأكاديميين والسياسيين والإعلاميين الغربيين للحديث عما أسموه الاستثناء الإسلامي، والفشل الإسلامي، والممانعة الإسلامية، وما شابه ذلك من أوصاف تدل على عسر هضم هذه المنطقة لتلك التنبؤات.

"
من التعسف قراءة المشهد الثقافي والديني عبر توجهات الدولة وأجهزتها الرسمية أو عبر النخب على ما لهما من تأثير، لأن بلدا علمانيا كتركيا يبدو فيه المجتمع شديد الميل إلى التوجهات الإسلامية، في حين أن إيران حيث تقوم الدولة على أسس إسلامية شيعية صارمة، تنجذب قطاعات واسعة فيها نحو التوجهات العلمانية
"
كان المستشرق البريطاني هاملتون جيب الذي عرف باطلاعه العميق على أوضاع المنطقة وأحوال شعوبها، فضلاً عن إتقانه اللغة العربية ومعرفته الثاقبة بالثقافة الإسلامية، قد عبر عن مخاوفه الشديدة منذ ثلاثينيات القرن الماضي من أن موجة التغريب الكاسحة التي تجتاح مصر وبقية البلاد الإسلامية ربما تأتي على ما تبقى من مؤسسات الإسلام العريقة ومواريثه المديدة، ومن ثم تخلف وراءها فراغاً مروعاً في الضمير والاجتماع الإسلاميين، لا يقوى التحديث على ملئه ولا تعويضه.

وخلافا لهذه المخاوف العميقة التي عبر عنها جيب بدايات القرن الماضي فإن جل الباحثين فيما أضحى يعرف اليوم بخبراء الإسلاميات أو الشرق الأوسط، يعبرون عن هواجس مغايرة تماما.

إن ما يشغل اهتمامهم ويثير مخاوفهم أكثر هو صعود حركة "الأسلمة"، ما يعتبرونه تَهديداً واسعاً "لقيم" الحداثة والعلمانية نتيجة هذا الصعود.

ولا ريب أن أي زائر اليوم لمدن إسلامية كبرى كالقاهرة وإسطنبول ودمشق والجزائر والدار البيضاء وغيرها، سيشد انتباهه ما تشهده تلك العواصم من حالة "أسلمة" واسعة النطاق تركت آثارها في مختلف مظاهر الحياة الخاصة والعامة: في الأسواق، وفي زحمة الشوارع، وفي ملابس النسوة، وفي الإقبال على المساجد والنشاط الديني، بل إن شئت فقل في كل شيء.

من المعلوم أن الرقعة العربية الإسلامية قد تعرضت لحركة تحديث وعلمنة واسعة النطاق خلال القرنين الأخيرين، وإن كانت متفاوتة التأثير والانتشار من قطر إلى آخر، ومن قطاع اجتماعي إلى غيره.

غير أنه من التبسيط المخل قراءة واقع العلمنة في المنطقة من خلال مشهد الدولة وأجهزتها الرسمية التي لا تقدم صورة كاشفة عن واقع الدين أو العلمنة على السواء.

ففي بلد مثل تركيا حيث تنحو الدولة منحى علمانياً جذريا، يبدو المجتمع شديد الميل إلى التوجهات الإسلامية، في حين أنه في بلد مثل إيران حيث تقوم الدولة على أسس إسلامية شيعية صارمة، تنجذب قطاعات واسعة نحو التوجهات العلمانية كشكل من أشكال الاحتجاج الصامت على خيارات الدولة.

وهذا ما يجعل من التعسف قراءة المشهد الثقافي والديني من خلال توجهات الدولة وأجهزتها الرسمية، أو من خلال نافذة النخب الفكرية والسياسية الضيقة على ما لهما من تأثير. ولهذا السبب -ربما- يبدو من المبالغة الحديث عن حركة علمنة بأتم معاني الكلمة في الرقعة العربية الإسلامية.

فإذا استثنينا تركيا التي تبنت علمانية صارمة على شاكلة الثورة الفرنسية ونصت على ذلك رسمياً في دستورها، ثم الحالة التونسية نسبياً التي نهجت فيها الدولة منهجاً علمانياً جذرياً، دون أن تنص على ذلك دستورياً، فإن حركة العلمنة في أغلب البلاد العربية والإسلامية تبدو ضامرة الحضور متخفية التعبير، بما في ذلك في مصر أهم المراكز السياسية العربية التي يمكن أن تقاس على ضوئها حركة الأفكار واتجاهاتها المستقبلية في عموم المنطقة العربية.

بل إن بعض الأقطار العربية والإسلامية التي تبنت خيارات علمانية صارمة -كما هو حال تونس وسوريا وتركيا- تواجهها اليوم صعوبات هائلة، وتقابل بحركة "أسلمة" منبعثة من البنى التحتية للمجتمع، ما يضطرها في الكثير من الأحيان للجوء إلى المناورة والمخاتلة في التعبير عن توجهاتها العلمانية، وإلى الاستعمال الذرائعي للشرعية الدينية، ناهيك عن اشتداد عود التيارات الإسلامية في الرقعة العربية والإسلامية كأهم تيارات المعارضة السياسية.

فمنع المرأة المسلمة في بلد مثل تركيا أو تونس مثلاً من ارتداء الحجاب بنص القانون لم يحل دون إقدام عدد واسع من النساء التركيات والتونسيات على التحجب، ما عمق التناقض بين تشريعات قانونية بالغة الصرامة العلمانية وواقع اجتماعي يتجه نحو التدين يوماً بعد يوم.

أما إذا نظرنا إلى حركة العلمنة من جهة القوى الاجتماعية والسياسية الحاملة لها، فإنها تبدو في حالة وهن وضعف بالغين، وليس ثمة ما يشير إلى أن حالة الضعف هذه حالة عابرة ومؤقتة.

بيد أن ثمة ظاهرتين تطبعان حركة العلمنة والأسلمة، على نحو ما تبرز ذلك التجربتان الإيرانية والتركية الجديرتان بالرصد والمتابعة من لدن الباحثين والمراقبين للشأن الإسلامي.

أولا- الصعوبات الكبيرة التي تواجهها عملية الأسلمة الفوقية عبر استخدام أدوات الدولة لفرض خيارات ثقافية وأنماط حياة وأذواق محددة، على نحو ما تبرزه التجربة الإسلامية في إيران، إذ قوبلت -ومازالت تقابل- عملية الأسلمة الصارمة التي تبنتها إيران بعد الثورة الإسلامية عام 1979 بنوع من التململ الخفي والمعلن بين قطاعات اجتماعية ليست بالقليلة، وخصوصا بين المثقفين وفئات الشباب والنسوة الأكثر انجذابا لمظاهر الحياة الغربية.

"
من المفارقات العجيبة أن أكثر البلاد العربية تحديثا -مصر والجزائر وسوريا والعراق وتونس- تبدو أكثر ممانعة للتوجهات العلمانية، كما أن القطاعات الاجتماعية الحديثة والمثقفة تبدو أشد ارتباطاً بالإحيائية الإسلامية من القطاعات التقليدية
"
ومن المعلوم أن هذه الحالة يتداخل فيها "التمرد" الثقافي بالمعارضة السياسية لنظام الحكم الإسلامي، حين غدا مألوفا التعبير عن الغضب السياسي أو الضيق من سياسات الحكم باللجوء إلى أنماط من اللباس والفنون الغربية باعتبارها شكلا من أشكال التمرد على أيدولوجيا الأسلمة التي تنهجها الدولة الإيرانية.

وعند التحقيق الدقيق في هذه الظاهرة، يتبين أنه من العسير على بلد مثل إيران التي شهدت تجربة تحديث واسعة النطاق على امتداد القرنين المنصرمين، تمثل ميراثها الإسلامي الشيعي بمعزل عن التغييرات التي فرضتها تجربة التحديث، وما رافقها من رجات عنيفة لبنى الاجتماع والسياسة، ومن تحول في طرائق التفكير وأساليب الحياة.

ولعل أهم ما تكشف عنه التجربة الإيرانية أن الكثير من مظاهر الحداثة الغربية "الناعمة" و"المعولمة" أضحت لها جاذبية محسوسة لدى فئات اجتماعية واسعة لا تمكن مقاومتها ولا نفيها.

من الممكن هنا أن تنجح محاولة تكييف هذه المظاهر وإعادة استيعابها في وعاء حركة الأسلمة، ولكن يبدو أن محاولات تجاهلها أو محاولات شطبها والتخلص منها لن تصمد كثيرا.

بل إنه لا يمكننا فهم حركة "الأسلمة" التي تشهدها المجتمعات الإسلامية، وصعود التيارات الإسلامية بمعزل عن مسار التحديث بإخفاقاته ونجاحه، وبكوارثه ومكاسبه في نفس الوقت.

ثانيا- على الجهة المقابلة، نشهد حركة تمرد صامت ومعلن ضد النموذج العلماني الجذري في تركيا، حيث تتجه قطاعات شعبية واسعة من الأتراك نحو مظاهر التعبير الإسلامي المصنفة في دائرة المحرم من طرف الدولة العلمانية.

فبينما تنهج الدولة التركية علمانية بالغة الصرامة والتدخلية، يشهد المجتمع التركي حركة "أسلمة" تحتية عميقة شملت فئات اجتماعية واسعة، وغطت مساحات عريضة من الحياة التركية.

وليس صعود حزب العدالة والتنمية ذي الجذور الإسلامية باعتباره القوة السياسية الأولى في البلاد، ثم استلامه مقاليد رئاسة الوزراء ورئاسة الدولة من بعد ذلك، إلا تعبيرا ملموسا عن حالة الصعود الإسلامي هذه.

ولعل أهم الدروس المستخلصة من التجربة التركية استحالة التخلص من الميراث الإسلامي والماضي العثماني المديد، رغم صدمات "القطع" العنيفة التي انتهجتها النخبة السياسية العلمانية.

فقد ظلت أسئلة الهوية والانتماء تسكن الأتراك وتحرك نخبهم الفكرية والسياسية على امتداد ثمانية عقود من عمر الدولة الأتاتوركية.

وهنا يمكن القول إن المعطى الإسلامي ربما يتم تهميشه أو تكييفه لبعض الوقت، ولكن عملية التخلص منه تكاد تبلغ درجة المستحيل.

ولعل أهم ما يمكن استخلاصه من خلال تأمل التجربتين الإيرانية والتركية أن استخدام الدولة سواء باتجاه الأسلمة أو العلمنة، يثير الكثير من المشاكل والأتعاب للإسلاميين والعلمانيين على السواء.

الواضح هنا أن مشروع العلمنة أو الأسلمة يكون عنفيا وحتى تسلطيا حينما يستخدم أدوات الدولة الإكراهية، أو حينما يكون فوقيا ومفاصلا لحاجات الناس ومطالبهم العامة.

من المؤكد أن العالم العربي الإسلامي ليس معزولاً عن تأثيرات الخارج المهيمن من ناحية الجيوش والاقتصاد ووسائل الثقافة والإعلام، ما يجعل من التأثيرات الغربية "المعولمة" معطى لا يمكن تجاهله أو نكرانه.

بيد أننا إذا أمعنا النظر في عموم المشهد الثقافي يبدو لنا أن الرقعة الإسلامية قد احتفظت بقدر من الاستقلال في مستوى منظوماتها الرمزية والقيمية، ما يجعل من المبالغة والتعسف القول بأن العلمانية قد فرضت نفسها معطى راسخا، أو هي ستكون خيارا مستقبليا بالضرورة للمنطقة.

ليس من اليسير القول إن الرقعة الإسلامية قد بقيت بمنأى عن تاثيرات العلمنة وحركة التحديث التي فرضت نفسها خلال القرنين الأخيرين على الأقل، إلا أنه من الصعب في نفس الوقت القول بأنها تسير في اتجاه تراكمي وتصاعدي نحو العلمنة على نحو ما تبشر به أدبيات العلمنة.

ولعل من أهم الظواهر التي تستحق الدراسة والمتابعة في هذه المنطقة عدم التساوق بين التحديث والعلمنة، أو انفكاك العلاقة التلازمية المزعومة بين التحديث والعلمنة.

فبينما تتسع مظاهر التحديث في المنطقة من قبيل انتشار التعليم وتزايد التمركز الحضري والخروج من الاقتصاد الزراعي الريفي، لا نشهد حركة موازية باتجاه علمنة الوعي والمسلكيات.

"
مشروع التحديث يتقدم بوتائر متزايدة ومتفاوتة في العالم الإسلامي، ولكن دون أن يوازيه تقدم ملموس على مستوى حركة العلمنة، ما يعني وجود تراجع علماني خلافا لما تدعيه نظريات العلمنة
"
وقد سبق فعلا للباحث الإنجليزي إرنست غلنر الانتباه إلى هذه الظاهرة منذ وقت مبكر، ومما يذكره أن حركة العلمنة قد فرضت نفسها في أغلب مناحي المعمورة الكونية، بما في ذلك داخل الفضاءات الجغرافية والدينية الكبرى، كاليهودية والمسيحية والهندوسية والكنفوشيوسية، إلا أن عالم الإسلام ظل يمثل استثناء من هذه القاعدة العامة.

وبغض النظر عن قراءة غلنر لهذه الظاهرة وأسبابها الدفينة التي لا تخلو من بعض مناحي التعسف والتبسيط في بعض الوجوه، فإنها مع ذلك تظل صحيحة من جهة التشخيص الموضوعي على الأقل.

فلا أحد من ذوي الدراية والمتابعة الدقيقة لأوضاع المنطقة العربية والإسلامية الواسعة يسعه القول إن تيار العلمنة في حالة صعود مطّرد، أو أنه يجتذب إليه اليوم قطاعات اجتماعية واسعة.

ومن المفارقات العجيبة هنا أن أكثر البلاد العربية تحديثاً -مصر والجزائر وسوريا والعراق وتونس- تبدو أكثر ممانعة للتوجهات العلمانية، كما أن القطاعات الاجتماعية الحديثة والمثقفة تبدو أشد ارتباطاً بالإحيائية الإسلامية من القطاعات التقليدية.

وربما يعود ذلك إلى كون الفئات المثقفة والحديثة التي ضعفت روابطها التقليدية والريفية، تبدي انجذابا أكثر نحو خطاب الإحيائية الإسلامية الأقرب بدوره إلى الفضاءات الحضرية وإلى الثقافة العالمة (أي ثقافة الفئة العلمائية) منه إلى الإسلام التقليدي الشعبي.

كان للحركة الإصلاحية الحديثة ومنذ أواسط القرن التاسع عشر دور مشهود في تفعيل الإسلام وتنشيط مؤسساته الحيوية، فقد تمكنت حركة الإصلاح الإسلامي بأقدار مهمة من إعادة صياغة الحقل الثقافي الإسلامي وجعله أكثر استجابة لمتطلبات الأزمنة الحديثة، وفتح جسور التواصل بين الإسلام والعصر الحديث.

كما تمكنت الإصلاحية الإسلامية من صياغة خطاب إسلامي "عقلاني"، وعملت على نقل فاعلية الإسلام من الهياكل "التقليدية" إلى المؤسسات الاجتماعية والتعليمية الحديثة.

ومن ثم أصبح من الممكن الخروج من دائرة الروابط التقليدية الموروثة، مثل رابطة القبيلة والطائفة والمذهب لصالح الانتماء الحديث، والانتقال من نمط الإنتاج التقليدي إلى النمط الحديث، والتحول من عالم الريف والبادية إلى المدينة المفتوحة، دون أن يكون ذلك مشفوعاً بالضرورة بانتقال نحو ثقافة العلمنة أو القطع مع التصورات والمسلكيات الدينية على نحو ما تدعي نظريات العلمنة غالبا.

لقد جنبت الحركة الإصلاحية المجتمعات الإسلامية دوامة الاختيار المرير والصعب بين موروث ديني خرافي وتقليدي وبين حداثة علمانية على نحو ما كان عليه الأمر في التجربة الروسية، ثم في تجارب التحديث الآسيوية لاحقاً.

وهذا ما يؤشر على إمكانية فك العلاقة المزعومة بين الحداثة والعلمانية وبين التحديث والعلمنة في واقع المجتمعات الإسلامية.

الواضح اليوم أن مشروع التحديث يتقدم بوتائر متزايدة ومتفاوتة في العالم الإسلامي، ولكن دون أن يوازيه تقدم ملموس على مستوى حركة العلمنة، الأمر الذي يبين أن القاعدة الأقرب في التعبير عن واقع الاجتماع العربي الإسلامي خلافاً لما تدعيه نظريات العلمنة، هي ما يمكن تسميته متتالية التراجع العلماني وليس التصاعد العلماني.
__________________
كاتب تونسي

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة