تبكير الانتخابات في إسرائيل.. أسباب وتداعيات   
الاثنين 1433/11/30 هـ - الموافق 15/10/2012 م (آخر تحديث) الساعة 9:35 (مكة المكرمة)، 6:35 (غرينتش)
صالح النعامي

 

لماذا تبكير الانتخابات؟
التحدي الداخلي
الفلسطينيون يدفعون الثمن
تصعيد التوتر مع العالم العربي

على الرغم من البون الشاسع في القدرات القيادية لدى الاثنين، فإنه حتى مؤسس إسرائيل ورئيس وزرائها الأول ديفيد بن غوريون لم يحظ بما حظي به رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو من تسليم رؤساء الأحزاب الإسرائيلية بقيادته للكيان الصهيوني.

ففي إسرائيل 2012، لا تجد رئيس حزب إسرائيلي يجرؤ على الزعم أنه منافس حقيقي لنتنياهو، بل إن معظم قادة الأحزاب باتوا معنيين بتحسين فرص أحزابهم للفوز بعدد من مقاعد البرلمان المقبل من أجل تمكينهم من الدخول لحكومة نتنياهو القادمة من موقع قوة.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا بقوة: إذا كانت الأمور على هذا النحو، فلماذا يقدم نتنياهو على الإعلان عن حل البرلمان وتبكير موعد الانتخابات؟

لماذا تبكير الانتخابات؟
زعم نتنياهو في بيانه الذي أعلن فيه تبكير موعد الانتخابات أن "المسؤولية الوطنية" هي التي أملت عليه هذا القرار، لأنه أدرك أنه لم يعد من الممكن تمرير "موازنة مسؤولة" للدولة، حيث إنه اتهم الأحزاب، سيما المشاركة معه في الائتلاف، بمحاولة فتح إطار الموازنة الحالية بشكل يزيد من العجز في المستقبل، من أجل تأمين مصالح جمهور ناخبيها.

نتنياهو يأمل الحصول على "تفويض شعبي" لمواجهة المشروع النووي الإيراني حيث إن تنصيبه رئيسا للوزراء يمنحه القدرة على فرض خياراته ورؤيته في التعاطي مع ذلك المشروع

ولكي يضفي على نفسه هالة المسؤول الذي تحركه "المصالحة القومية العليا"، قال نتنياهو إنه لا يمكن أن يوافق على طلب شركائه في الائتلاف لأن هذا يمس بقدرة إسرائيل على مواجهة تبعات التحولات التي يشهدها العالم العربي، وفي الوقت ذاته يجعل إسرائيل تواجه نفس المصير الذي انتهت إليه العديد من الدول الأوروبية التي تواجه أزمات اقتصادية خانقة.

لكن نظرة متفحصة تقود للاعتقاد بأن هناك عوامل أخرى، أكثر وجاهة، هي التي دفعت نتنياهو لاتخاذ هذا القرار، وهي:

1-الحصول على " تفويض شعبي" لمواجهة المشروع النووي الإيراني، حيث إن تنصيب نتنياهو كرئيس للوزراء يمنحه القدرة على فرض خياراته ورؤيته في التعاطي مع المشروع النووي الإيراني، مع العلم أن معظم المستويات السياسية والأمنية في تل أبيب كانت تعارض حماس نتنياهو لتوجيه ضربة عسكرية لإيران.

ويتضح مما صرح به نتنياهو ومقربيه، فإن مواجهة المشروع النووي الإيراني، والحرص على ضمان منع طهران من امتلاك سلاح نووي سيكون أهم بند في البرنامج الذي سيخوض نتنياهو الانتخابات على أساسه.

في الوقت ذاته، فإن تبكير الانتخابات وإجراءها في يناير القادم يسهل على نتنياهو التراجع عن الوفاء بتعهده بالعمل ضد المشروع النووي الإيراني عسكرياً، في حال تبين له حينها أن المخاطر الناجمة عن ضرب المشروع النووي الإيراني أكبر من المكاسب، مع العلم أن نتنياهو قد أعطى الانطباع في تصريحاته الأخيرة بأنه في حال لم توقف إيران مشروعها النووي حتى الربيع القادم، فإن إسرائيل ستتحرك عسكرياً ضدها.

2- يخشى نتنياهو أن تتراجع قدرته على تشكيل حكومة في المستقبل في حال أجريت الانتخابات في موعدها الطبيعي مطلع العام القادم، حيث إنه يشك بأن الرئيس الأميركي باراك أوباما في حال تمت إعادة انتخابه سيحرص على التدخل في الانتخابات الإسرائيلية بشكل يؤدي إلى تقليص فرص نتنياهو بالفوز.

وعلى الرغم من أن استطلاعات الرأي العام في الولايات المتحدة دلت مؤخراً على زيادة شعبية المرشح الجمهوري مت رومني، صديق نتنياهو الشخصي، إلا أن رئيس الوزراء الإسرائيلي لا يريد المخاطرة بإجراء الانتخابات في موعدها، لأنه يعتقد جازماً أن أوباما سيحاول الانتقام منه بسبب تدخله الفظ في الانتخابات الرئاسية الأميركية لصالح رومني، وتحديه الإدارة الأميركية في كل ما يتعلق بمتطلبات تحقيق تسوية سياسية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

نتنياهو يحاول استغلال حقيقة أن أولمرت خارج الحلبة السياسية حالياً لأنه يعي أنه السياسي الإسرائيلي الوحيد الذي يمكن أن يعرض نفسه بديلا عن نتنياهو كمرشح لإدارة شؤون الكيان الصهيوني

من هنا جاء قرار نتنياهو بتبكير موعد الانتخابات حتى لا يعطي لأوباما -في حال تمت إعادة انتخابه- الفرصة للتأثير على نتائج الانتخابات الإسرائيلية.

3- لقد جاء تبكير الانتخابات لقطع الطريق على أي فرصة لإعادة توحيد معسكري الوسط واليسار الصهيوني تحت قيادة واحدة، مع العلم أن هذين المعسكرين يعيشان حالياً حالة من التشظي غير مسبوقة.

ويخشى نتنياهو أنه في حال تم إجراء الانتخابات في موعدها الطبيعي أن يتم منح الفرصة لهذين المعسكرين بالتوحد، سيما في ظل الدعوات التي يطلقها مثقفون في اليسار والوسط لتوحيد الطاقات في مواجهة نتنياهو.

وأكثر ما يثير الفزع في نفس نتنياهو هو أن يتوحد اليسار والوسط تحت قيادة رئيس الوزراء السابق إيهود أولمرت، الذي تمت تبرئته مؤخراً من تهم فساد كبيرة، وهذا سيقلص من فرص نتنياهو بالفوز.

من هنا، فإن نتنياهو يحاول استغلال حقيقة أن أولمرت خارج الحلبة السياسية حالياً، لأنه يعي أن أولمرت هو السياسي الإسرائيلي الوحيد، الذي يمكن أن يعرض نفسه كبديل عن نتنياهو كمرشح لإدارة شؤون الكيان الصهيوني، مع أن جميع استطلاعات الرأي العام التي أجريت بعد صدور قرار تبكير الانتخابات تؤكد أن نتنياهو سيتغلب أيضاً على أولمرت.

التحدي الداخلي
إن أكبر تحد يواجه نتنياهو، وهو يستعد للانتخابات القادمة يتمثل في المعارضة الداخلية التي يواجهها داخل حزبه الليكود، حيث شهد العقد الأخير تنامي تأثير مجموعة تابعة للتيار الديني الصهيوني داخل الحزب بشكل كبير.

صحيح أن هذه المجموعة لا تشكل في الوقت الحالي تحدياً لقيادة نتنياهو للحزب، لكنها في الوقت ذاته تسعى لإحراجه في أمرين هامين، وهما: التأثير على تركيبة قائمة الليكود البرلمانية، وإضفاء مزيد من التطرف على البرنامج السياسي للحزب.

ونظراً لأن الليكود يختار مرشحيه للبرلمان في انتخابات تمهيدية يشارك فيها منتسبو الحزب، فإن مجموعة التيار الديني الصهيوني بقيادة موشيه فايغلين قد نجحت في تنسيب الآلاف من عناصر هذا التيار، بحيث إنهم يصوتون بشكل جماعي لمرشحين محددين.

نتنياهو معني تماماً بتحويل مسار الجدل العام خلال الحملة الانتخابية من القضايا الاقتصادية الاجتماعية للمحور الأمني مستغلاً للحساسية الكبيرة التي ينظر بها الإسرائيليون للقضايا الأمنية

ونظراً لأن هذه المجموعة تستند في مواقفها الأيديولوجية للإرث الديني اليهودي في نسخته الأكثر تطرفاً، فإنها تحرص على دعم مرشحين يتبنون منطلقاتها ويصرون على إملاء مواقفها على نتنياهو، بشكل يقلص من قدرته على المناورة السياسية في مواجهة الخارج. وقد بلغت هذه المجموعة من القوة لدرجة أنها أحبطت قبل خمسة أشهر خطة لنتنياهو لتعيين أحد مقربيه رئيساً للجنة التنفيذية لليكود.

الفلسطينيون يدفعون الثمن
لقد أعلنت أحزاب الوسط واليسار أنها معنية بجعل الحملة الانتخابية تدور بشكل أساسي حول القضايا الاقتصادية والاجتماعية، وذلك لأنها تدرك أن هذه القضايا تمثل نقطة ضعف كبيرة لليكود ولنتنياهو.

فبعد تفجر ثورات التحول الديمقراطي في العالم العربي وسقوط نظام مبارك، اضطر نتنياهو لزيادة النفقات الأمنية بشكل كبير، مبرراً ذلك بالقول إن التحولات الدراماتيكية التي شهدها العالم العربي تفرض على إسرائيل إعادة بناء قوتها العسكرية. وحتى لا تؤدي الزيادة في النفقات الأمنية إلى التضخم والعجز في الموازنة العامة للكيان الصهيوني، فقد عمد نتنياهو إلى فرض ضرائب جديدة وتقليص الخدمات المقدمة للجمهور الإسرائيلي وضمنه الطبقات الضعيفة، وإلى رفع أسعار سلع أساسية.

وتزعم المعارضة بأن هدف نتنياهو من تبكير الانتخابات هو توفير الأرضية لفرض مزيد من الضرائب ورفع أسعار المزيد من السلع.

وفي المقابل، فإن نتنياهو معني تماماً بتحويل مسار الجدل العام خلال الحملة الانتخابية من القضايا الاقتصادية والاجتماعية إلى المحور الأمني، مستغلاً للحساسية الكبيرة التي ينظر بها الإسرائيليون للقضايا الأمنية.

من هنا، فإن نتنياهو سيواصل خلال الحملة الانتخابية حمل لواء التصدي لخطر امتلاك السلاح النووي. لكن إن كان طرح الموضوع الإيراني خلال الحملة الانتخابية لن يتجاوز تقديم التعهدات والوعود، فإن الورقة التي يمكن لنتنياهو توظيفها في مسعاه لاستقطاب الإسرائيليين هي استعراض العضلات في مواجهة الفلسطينيين عسكرياً وسياسياً، مستغلاً تفوق إسرائيل العسكري وحالة الانقسام الفلسطيني الداخلي.

وعلى هذا الأساس، فإنه بالإمكان الافتراض أن نتنياهو سيأمر بتصعيد العمليات العسكرية ضد المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، عبر استغلال عمليات إطلاق القذائف على المستوطنات اليهودية المحيطة بالقطاع.

اليمين يرى أن أهم استنتاج يجب التوصل إليها بعد الثورات العربية هو ضرورة الاهتمام بتعزيز القوة العسكرية الإسرائيلية والحرص على مراكمة الردع في مواجهة العالم العربي

وفي الوقت ذاته، فإن نتنياهو سيحرص على استرضاء جمهور ناخبيه من اليمين عبر تكثيف الاستيطان والتهويد، مع العلم أن اللوبي المناصر للمستوطنين في الحكومة والكنيست قد أعد قائمة طويلة من المطالب بشأن توسيع البناء في المستوطنات، وزيادة وتيرة العمل في المشاريع الهادفة لتهويد مدينة القدس.

واللافت، أن نتنياهو ليس الوحيد الذي سيستغل توسيع الاستيطان والتهويد من أجل تعزيز قوته عشية الانتخابات، بل أيضاً شركاؤه في الائتلاف الحاكم، مما يعني أن جميع مركبات هذا الائتلاف ستتنافس فيما بينها على استرضاء جماهير الناخبين في اليمين عبر إلحاق أكبر أذى ممكن للفلسطينيين بواسطة الاستيطان والتهويد.

فعلى سبيل المثال تسيطر حركة "شاس" المتدينة على وزارة الإسكان، وهي الوزارة التي تتولى إصدار مناقصات البناء في المستوطنات والقدس، وهذا ما مكن وزير الإسكان الحاخام ميخائيل إتياس من التباهي أمام جمهور حركته في مستوطنة "بيت شيمش" بأنه سيكثف البناء في الأحياء اليهودية في القدس الشرقية.

في الوقت ذاته، فإن زميله ورئيس حركته الحاخام إيلي يشاي، وزير الداخلية، وعد بتكثيف عمليات هدم منازل الفلسطينيين في القدس بحجة عدم الحصول على تصاريح للبناء.

تصعيد التوتر مع العالم العربي
لقد اعتبرت النخب اليمينية في إسرائيل أن ثورات الربيع العربي أضفت صدقية على خطابها السياسي الذي يرفض الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة مقابل التوصل لاتفاقات تسوية مع الأنظمة العربية، بزعم أن هذه الاتفاقات مرشحة للسقوط بسقوط الأنظمة العربية التي توقع عليها.

وفي الوقت ذاته، فإن اليمين يرى أن أهم استنتاج يجب التوصل إليها بعد الثورات العربية هو ضرورة الاهتمام بتعزيز القوة العسكرية الإسرائيلية والحرص على مراكمة الردع في مواجهة العالم العربي.

من هنا فإن تكريس حكم اليمين في إسرائيل المتوقع بعد الانتخابات القادمة يعني أن حكومة اليمين القادمة ستكون أكثر استعداداً لتوتير العلاقات مع العالم العربي.

قصارى القول، الفلسطينيون سيدفعون الثمن الذي يراه نتنياهو مناسباً لإقناع الجمهور الإسرائيلي بـ "أهليته" كقائد يمكن الوثوق به، ومزيد من التوتر ينتظر علاقات إسرائيل بالعالم العربي تجسيداً لنظريته في التعاطي مع الربيع العربي.. فماذا العرب فاعلون؟

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة