أزمة في العلاقات الأميركية السعودية (1/2)   
الأحد 1427/8/17 هـ - الموافق 10/9/2006 م (آخر تحديث) الساعة 15:37 (مكة المكرمة)، 12:37 (غرينتش)

بقلم: غراهام فولر

وصلت العلاقات بين السعودية والولايات المتحدة الأميركية إلى حد الأزمة بصورة لم يسبق لها مثيل. وقد وصلت إلى الحد الذي تريد السعودية من الولايات المتحدة سحب قواتها العسكرية في المملكة وهو ما يعتبر تطورا دراماتيكيا. وقد نتجت هذه الأزمة الجديدة بين البلدين من مجموعة من العوامل المختلفة المحلية والدولية على حد سواء.


ما يحدث الآن بين الرياض وواشنطن أشبه بالدعاية الحربية التي لم نسمعها من قبل، وقد تظل العلاقة بين البلدين متوترة لفترة طويلة غير محددة.

كانت هناك توترات بالطبع بين البلدين تظهر من فترة لأخرى على مدى عدة عقود، إلا أنه كان يتم تجاوزها بنجاح، لكن الضغوط اليوم تتزايد على الطرفين بصورة كبيرة، فللمرة الأولى تفتح أبواب النقد العام للبلدين على مصاريعها ومن غير المحتمل إغلاقها مرة أخرى. والواقع أننا نلحظ ما يشبه الدعاية الحربية التي لم نسمعها من قبل. إن كلا البلدين بحاجة للآخر إلى الدرجة التي لا يمكن معها حدوث قطيعة حقيقية في العلاقات، لكن هذه العلاقات قد تبقى متوترة بشكل خطير لفترة طويلة من الزمن أو فترة غير محددة، فالانقسامات في المصالح بين الجانبين أصبحت اليوم أكثر وضوحا من أي وقت مضى.

إن هذا هو أول مقالين لتحليل العلاقة السعودية الأميركية بناء على المعطيات الجديدة. ويسلط هذا المقال الضوء على التوترات السياسية بين البلدين فيما سيناقش المقال الثاني قضايا إستراتيجية في الخليج ومسألة القواعد الأميركية في السعودية.

لقد ظلت العلاقات السعودية الأميركية قوية وحميمة لعدة عقود. وكان أساس هذه العلاقة المهم قدرة السعودية على المساعدة في الحفاظ على أسعار ثابتة ومستقرة للنفط نسبيا، وهي مسألة هامة لاقتصاديات الغرب واليابان والتي تساعد أيضا على استقرار الاقتصاد العالمي. كما أسهمت الحكومة السعودية في تحقيق عدد من الأهداف الأميركية الإستراتيجية في المنطقة من خلال تقاسمهما العداء للاتحاد السوفياتي وبعد ذلك لإيران والعراق. وقد تعاون البلدان في المساعدة على طرد الاتحاد السوفياتي من أفغانستان وتحسين عملية السلام بين العرب وإسرائيل التي تراوح الآن مكانها.

وقد أسهمت الولايات المتحدة في بناء الجيش السعودي ومقابل ذلك كانت الأسلحة الأميركية تلقى أفضلية من خلال العقود السعودية لشراء أسلحة من الخارج بمليارات الدولارات. وظلت الاستثمارات السعودية في الولايات المتحدة تسهم في دعم الاقتصاد الأميركي، والاستثمارات الأميركية في المملكة منتشرة، كما أن مشتريات السعودية من البضائع الأميركية بلغت مستويات عالية. ويرسل السعوديون عشرات الآلاف من أبنائهم للدراسة في الولايات المتحدة.

وتكمن أعظم فائدة تحصل عليها الحكومة السعودية من هذه العلاقات القوية في حرية الوصول إلى البيت الأبيض ونفوذها في واشنطن. والسفير السعودي في واشنطن الأمير بندر هو عميد السلك الدبلوماسي الأجنبي وهو يتمتع منذ عقود بحرية شخصية استثنائية في الاتصال بالرؤساء الأميركان. وكان الأمير بندر أكثر الشخصيات فعالية في محاربة نفوذ اللوبي الصهيوني في واشنطن ويتمتع بعلاقات جيدة حتى مع الجماعات اليهودية في الولايات المتحدة والتي لا تؤيد كلها السياسات الإسرائيلية تأييدا أعمى.

لقد أسهمت العلاقة السعودية الخاصة مع واشنطن في تعزيز الدور السياسي للمملكة في العالم العربي. ولم تنعم أي دولة عربية أخرى بما فيها مصر بمثل هذه العلاقة الخاصة مع الولايات المتحدة.

كما أسهمت الصداقة بين الرياض وواشنطن في حماية السعودية من هجوم واسع عليها في الصحافة الأميركية وأعطتها نوعا ما من الامتياز في هذا الجانب. وكان اللوبي الصهيوني في واشنطن يعارض باستمرار مبيعات الأسلحة الأميركية الكبيرة للسعودية من خلال الكونغرس، لكنه كان يفشل في العادة في منعها لأن الإدارة الأميركية كانت تستعمل كل نفوذها للحصول على تأييد تلك المبيعات. وكان الصوت السعودي هو الصوت الرئيسي بواشنطن في إحداث توازن ضد القوى المؤيدة لإسرائيل في الكونغرس وفي الإعلام ولأن كثيرا من الأميركان اليهود يرون في السعودية دولة صديقة. وعلى الرغم من أن كثيرا من الأميركان يمكن أن ينتقدوا السياسات السعودية لأسباب عديدة ومختلفة، فإن مناخ الصداقة العام ساعد في حماية السعودية من هجمات إعلامية أوسع. ومع أخذ كل ما سبق بعين الاعتبار فإن كلا البلدين استفاد من التحالف بينهما في الماضي، لكني أعتقد أن الولايات المتحدة كانت هي المستفيدة من هذا التحالف أكثر من السعودية.

واليوم يتغير هذا الوضع الودي تغيرا كبيرا، فكل من البلدين يشتكي من الآخر وخصوصا بعد هجمات 11 سبتمبر على مركز التجارة العالمي وما تلا ذلك من الحرب التي أعلنتها إدارة بوش على الإرهاب. كما أن كلا منهما راغب في الحديث عن هذه الخلافات علنا بطريقة لم نعهدها من قبل.


تعاون السعودية مع مكتب التحقيقات الفدرالي الأميركي في انفجار الخبر لم يكن يرضي الأميركان إذ اعتبرت الرياض كثيرا من أسئلة المكتب تطفلية ومحرجة.

فقد ظهرت في البداية مسألة العدد الكبير من المواطنين السعوديين "المتورطين" في هجوم 11 سبتمبر التي قام بها تنظيم القاعدة بقيادة بن لادن. وكان الدليل على هوية هؤلاء الأفراد واضحا جدا ونتيجة لذلك أصبحت السعودية تحت المجهر. كما أن تعاون السعودية مع الولايات المتحدة في مسائل الإرهاب لم يكن يرضي مكتب التحقيقات الفدرالي حتى قبل 11 سبتمبر وخصوصا في تحقيقات انفجار الخبر. والحقيقة أنه في مثل هذه الأحوال لا يبدي مكتب التحقيقات الفدرالي تفهما كبيرا في العادة لمسألة سيادة الدول الأخرى أثناء التحقيق في القضايا التي تخص المصالح الأميركية. ومن الواضح أن السعودية اعتبرت كثيرا من أسئلة الإف بي آي تطفلية ومحرجة. كما أن الانتقادات وجهت للحكومة السعودية بعد 11 سبتمبر بسبب عدم تعاونها الواسع في التحقيقات الجديدة. وقد ادعت واشنطن أن الحكومة السعودية لم تعترف بتورط كثير من المواطنين السعوديين في الهجمات، كما أن هذه الأمور مازالت حساسة بين البلدين على الرغم من محاولات الإدارة الأميركية التقليل من الخلافات علنا. أما في المجالس الخاصة فقد سمحت بتسريب هذه الخلافات للصحافة.

أما المسألة الثانية فهي الانتقادات الأميركية للسعودية بسبب ترددها في السماح للقوات الأميركية باستخدام قاعدة الملك خالد الجوية في الهجمات على أفغانستان. وسأبحث هذا الموضوع بتفصيل أكثر في مقال الأسبوع القادم.

وأخيرا فقد أصبح الدعم السعودي الطويل للحركات الوهابية في أفغانستان وباكستان وأماكن أخرى محط اهتمام جديد في الولايات المتحدة بسبب السياسات الراديكالية والمعادية للولايات المتحدة التي تدعو لها المساجد والمدارس الدينية التي يوجهها الوهابيون في العديد من الدول المسلمة. وللمرة الأولى تهاجم الصحافة الأميركية الحركة الوهابية باعتبارها حركة دينية غير متسامحة ومصدر الحركات الجهادية في العالم. وقد زعم بعض الناقدين أن الأيدولوجية السعودية تنشئ كثيرين على شاكلة بن لادن. وعلى الرغم من وجود بعض الصحة في بعض هذه الانتقادات، فإن المراقبين الأميركيين لا يفهمون سوى القليل عن الإسلام وعن مضمون التجديد الإسلامي في السياسة الإسلامية، فكثير من الانتقادات لا تميز بين الإرهاب والإسلام السياسي الذي يسعى لتحقيق مزيد من الديمقراطية والإصلاح وحقوق الإنسان في الأنظمة المستبدة. إن كل ما في الإسلام السياسي ينظر له في الولايات المتحدة باعتباره معاديا وخطيرا.

كما أن الحرب على الإرهاب أثرت أيضا على العلاقات الشخصية. فالزوار السعوديون للولايات المتحدة، مثل كثير من العرب، واجهوا مشاكل أمنية جديدة في الحصول على التأشيرات عند دخولهم الولايات المتحدة وهو جو جديد أقل وداً للعرب. كما أن رجال الإف بي آي استجوبوا طلابا سعوديين ومسلمين آخرين في الولايات المتحدة خصوصا بعد اكتشاف أن بعض خاطفي الطائرات في هجمات 11 سبتمبر تلقوا تدريبات في مدارس طيران داخل الولايات المتحدة. كما أن التمييز العنصري حسب المظهر شمل المسلمين وخصوصا أن أعضاء القاعدة التي تصف نفسها بأنها حركة إسلامية كانوا مسلمين ولم يكونوا من السود أو الآسيويين أو من أميركا الجنوبية. إن هذا إرث محزن بالنسبة للمسلمين في الغرب بسبب عمليات القاعدة.

إن ذلك كله فتح الباب أمام انتقادات جديدة للسعودية في الصحافة الأميركية. ولم تعد الإدارة الأميركية راغبة في استخدام نفوذها لوقف مثل هذه الهجمات والانتقادات. والواقع أن بعض المسؤولين في هذه الإدارة قد يكونوا شجعوا مثل هذه الانتقادات بغرض إيقاع الضغط على المملكة لحملها على التعاون القوي ضد طالبان والارتباطات السعودية مع القاعدة. ونتيجة لذلك شهدنا ارتفاعا ملحوظا في عدد المقالات التي تنتقد السعودية في الصحف الأميركية. وقد اشتكت قائدة طائرة نفاثة أميركية محترمة تعمل في السعودية من أنها أجبرت على تغطية جسمها كله عندما كانت تخرج من القاعدة الجوية ولم يكن يسمح لها بقيادة السيارة. كما ظهرت انتقادات جديدة من أن "المطوعين" السعوديين لا يسمحون بأداء الشعائر الدينية المسيحية أو بوجود أشجار عيد الميلاد حتى في المنازل الخاصة. وهناك الآن مقالات تشتكي من وجود أقسام خاصة للرجال وأخرى للعائلات في مطاعم ماكدونالد وهو ما يعتبر تمييزا جنسيا. كما أن هناك الآن اهتماما جديدا وتركيزا على قطع الرؤوس والأيدي في السعودية. إن كل تلك الحقائق كانت معروفة من قبل لكنها لم تكن أبدا تلقى الكثير من الدعاية لأن العلاقات بين البلدين كانت جيدة.


إدارة الرئيس بوش أسهمت في استياء الحكومة السعودية من السياسات الأميركية في المنطقة وخصوصا الدعم الذي تقدمه لإسرائيل

وقد أسهمت واشنطن نفسها وبشكل كبير في زيادة الاستياء السعودي. فالدعم المتزايد وغير المحدود تقريبا الذي تقدمه إدارة بوش لإسرائيل وافتقار هذه الإدارة للتوازن في معالجة الانتفاضة والاحتلال الإسرائيلي جعل السعودية تتحدث بشكل أكثر انفتاحا وعلنية عن انحياز في السياسة الأميركية الخارجية. ثم كان هناك الحادث الذي وقع عندما رفض عمدة نيويورك الشيك الكبير الذي قدمه الأمير الوليد بن طلال للمدينة لأن الوليد عبر عن أمله بتحقيق توازن أكبر في السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط. إن ذلك الحادث أهان السعوديين الذين رأوا في ما فعله الأمير الوليد بادرة حسن نية. وقد شجعت الحكومة السعودية كتابة مقالات في الصحف السعودية تنتقد الولايات المتحدة أكثر مما كان يحدث من قبل. كما أن السعوديين غاضبون من أن الحرب على الإرهاب ستنتقل لتهاجم دولا عربية.

وفي نفس الوقت أظهرت الحكومة السعودية عدم ارتياح متزايد من السياسات الأميركية بشكل عام، وهي الآن ترى الارتباط الوثيق بواشنطن عبئا وليس عاملا مساعدا لها. فالعلاقات العسكرية هي التي دفعت بن لادن إلى إصدار فتاواه المبكرة ضد الولايات المتحدة، وهي مسألة مثيرة للجدل والخلاف بين علماء السعودية. وقد بدأ ولي العهد الأمير عبد الله النأي ببلاده عن الولايات المتحدة في العديد من المجالات إذ قال إن مصالح البلدين متباعدة وأن كل بلد "يجب أن يذهب في سبيله". ومعروف عن الأمير عبد الله تقديره الكبير لمواقف مواطنيه من المسائل الدولية.

في الأسبوع القادم سنبحث مسألة القواعد العسكرية الأميركية في السعودية والموقف السعودي الجديد الذي تطلب الرياض فيه من الولايات المتحدة سحب قواتها من البلاد، وهو الموقف الذي قد تكون له تبعات خطيرة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة