مسلمو تايلند ضحايا الإستراتيجية الأميركية بعد أحداث سبتمبر   
الأحد 7/11/1425 هـ - الموافق 19/12/2004 م (آخر تحديث) الساعة 15:27 (مكة المكرمة)، 12:27 (غرينتش)


بقلم كمال حبيب


أستخدم هنا حالة مسلمي تايلند كتعبير عن أوضاع كل الأقليات المسلمة في العالم لا نستثني منهم أحدا للتعبير عن تأثير المفاهيم والسياسات الجديدة التي أطلقتها الإدارة الأميركية بعد أحداث سبتمبر/أيلول 2001 على أوضاع العلاقات بين المسلمين وغيرهم ممن يشاركونهم نفس الوطن.

 

فإطلاق ما أسماه بوش الحرب على الإرهاب وما عبرت عنه وثيقة الأمن القومي الأميركي الجديدة عن الحرب الاستباقية وممارسة مفهوم صدام الحضارات على الأرض، وشن حملة واسعة على المسلمين وعلى الإسلام نفسه باعتباره خطرا صلبا لا يقبل التكيف مع المتطلبات الأميركية لإعادة صياغة العالم من جديد وفق مقولة فوكوياما "نهاية التاريخ"، ومنذ الحملة الأميركية العسكرية على العالم الإسلامي التي اتخذت أبعادا إعلامية ضد الدين الإسلامي والمسلمين، والعالم الإسلامي يضع يده على قلبه والدول الإسلامية لا تعرف على من سيكون الدور.

 

وانعكس ذلك بشكل واضح على أوضاع الأقليات المسلمة هي الأخرى في كل الدنيا، بصرف النظر عن اختلاف النظم السياسية والحضارية التي تعيش في ظلها تلك الأقليات.

 

فهناك حالة من التهديد وعدم الأمن تعيشها الأقليات المسلمة جراء ذيوع المفاهيم الأميركية الجديدة التي حرضت الحضارات والنظم المختلفة على المسلمين، وأشعلت في الواقع حالة من الحرب الباردة الحضارية بين الدول التي يعيش فيها المسلمون كأقليات وبين غالبية مواطنيهم.

 

واليوم صرنا إزاء مواقف حادة من نظم كان معروفا عنها الاستنارة والتسامح من ذلك الموقف الفرنسي من الحجاب وفرض منعه، والمحنة التي يواجهها المسلمون في أميركا ذاتها حيث يواجهون يوميا حملات عنصرية في كافة مجالات الحياة، وفي ألمانيا حيث يواجه المسلمون تضييقا عليهم وينظر إليهم بحسبانهم خطرا ديموغرافيا.

 

"
خطر السياسات الأميركية الجديدة يتجلى في شيوع حالة كونية عامة تجعل من المسلمين كبش فداء وضحية لنزعات عنصرية ذات طابع أصولي قومي وديني تروج لها الولايات المتحدة الأميركية بعد أحداث سبتمبر/أيلول
"
وهناك الحديث عما أطلق عليه الباحث الفرنسي جيل كيبل "الحدود الجديدة لدار الإسلام في أوروبا"، وهناك بالفعل حالة من صعود التيارات اليمينية في أوروبا وآسيا بشكل خاص تعبر عن مزاج ذي طابع عنصري عدواني ضد المسلمين فيما يعرف بعلوم الأقليات "بكبش الفداء" حيث تتخذ الأغلبية ضحية تجعل منها  كبش فداء لإحباط وتغير مزاجها الخاص والعام.

 

لكن خطر السياسات الأميركية الجديدة يتجلى في شيوع حالة كونية عامة وليست محلية فقط تجعل من المسلمين كبش فداء وضحية لنزعات عنصرية ذات طابع أصولي قومي وديني تروج لها الولايات المتحدة الأميركية بعد أحداث سبتمبر/أيلول.

 

فمن هنا والأقليات المسلمة بخاصة والعالم الإسلامي كله يواجه حالة يمكن أن نطلق عليها خلق مزاج كوني معاد للإسلام تقوده أكبر قوة في العالم، وهذا المزاج هو نفسه الذي روجت له النظم الفاشية قبل الحرب الثانية على اليهود والغجر والشعوب الملونة باعتبارهم تهديدا للحضارة البيضاء النقية  ذات الطابع المسيحي.

 

وفي حالة مسلمي تايلند نحن أمام أقلية مسلمة يبلغ تعدادها حوالي 6 ملايين مسلم يتركز أغلبها في مناطق الجنوب حيث وجدت مملكة فطاني المسلمة منذ القرن العاشر الهجري والتي تمثل عاصمة لثلاثة أقاليم أخرى هي جالا وبنغارا وستول، وتتواصل هذه الأقاليم جغرافيا مع الهلال الإسلامي الذي يمتد عبر أرخبيل الملايو وحتى جنوب الفلبين.

 

كما تتواصل حضاريا مع سكان هذا الهلال الذين يتكلمون نفس اللغة المالاوية، ويتشاركون نفس الدين والعادات والتقاليد، وقبل أن تكون الدول القومية في قارة آسيا بصورتها الراهنة تقلبت على هذه الممالك الإسلامية تحديات وضغوط مرعبة لضمها مع موجات الاستعمار المختلفة (البرتغالي والبريطاني والياباني) للدول القومية غير المسلمة.

 

وفي حالة فطاني فإنها انضمت بشكل نهائي بالقوة إلى مملكة  تايلند عام 1906 وظلت الأنواء السياسية تتقاذفها حتى تأكد هذا الوضع بعد الحرب الثانية بموجب اتفاق بين بريطانيا وتايلند.

 

وصارت مملكة فطاني والأقاليم المسلمة الأخرى جزءا من تايلند ما بعد الاستعمار والتي قامت الحكومات فيها متأثرة بنزعة قومية سادت آسيا والعالم الثالث وهي بناء الدولة القومية الذي يعني دمج الأقليات وتأميم تطلعاتها لصالح هذه الدولة.

 

وتعرض المسلمون للاضطهاد والتمييز والحرمان من حقوقهم السياسية والاجتماعية والثقافية، وهو ما حفز الحركات المقاومة على الظهور في الإقليم الجنوبي ضد عنف الدولة وبطشها لطمس الهوية الثقافية والاجتماعية للمسلمين لصالح الدولة البوذية القومية.

 

"
التحول الدرامي في التعامل مع الأقلية المسلمة في تايلند جاء بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول حيث أطلقت الولايات المتحدة ما أسمته الحرب على الإرهاب
"
وعرفت فترة الخمسينيات حركات مقاومة عديدة لكن كان أهمها في أواخر الستينيات واستمرت حتى الثمانينيات وهي "الجبهة المتحدة لتحرير فطاني" التي تعرف اختصارا بـ"بولو" (
Pulo)، ومعظم مطالب الحركة كانت تتبلور حول المطالب المتصلة بالثقافة والهوية مثل الحق في التعليم باللغة المحلية وتطبيق قوانين الأحوال الشخصية الإسلامية وبناء المدارس والخدمات المختلفة عبر الحكم الذاتي الداخلي.

 

ويبدو أن الحكومة في تايلند توصلت مع جبهة تحرير فطاني لاتفاق تم بموجبه حل الجبهة ومنح المسلمين بعض حقوقهم لمواجهة الخطر الشيوعي في ذلك الوقت.

 

وظلت الأمور هادئة وإن كانت المنطقة الجنوبية تواجه تمددا للتوجه البوذي عبر عمليات التوطين وإعادة الهندسة الجغرافية التي تتسم بها الدول الآسيوية في تعاملها مع أقلياتها.

 

لكن التحول الدرامي في التعامل مع الأقلية المسلمة في تايلند جاء بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول حيث أطلقت الولايات المتحدة ما أسمته الحرب على الإرهاب –وتقصد به الإسلام– وكانت أول محطات هذه الحرب على نظام طالبان في أفغانستان، حيث اعتبرت أميركا دول جنوب شرق آسيا ليست مجرد شريك في هذه الحرب وإنما هي مسرح وهدف لها.

 

ونما تصور داخل الإدارة الأميركية يعتبر أن هذه المنطقة هي ميدان حرب متقدم على الإرهاب لوجود جماعات إسلامية فيها زعمت أميركا أن لها صلة بتنظيم القاعدة مثل الجماعة الإسلامية التي تنشط في إندونيسيا وماليزيا بشكل رئيسي، ومثل جماعة أبو سياف في الفلبين وهي جماعة صغيرة وليس لها وزن يذكر.

 

وتبنت الولايات المتحدة الأميركية إستراتيجية تعظيم الاعتماد على الدول التي لا توجد بها أغلبيات مسلمة في آسيا في هذه الحرب، ورحبت هذه الدول بالإستراتيجية الأميركية الجديدة  وأعادت إنتاج السيناريوهات الأميركية في سياساتها الداخلية مع أقلياتها.

 

وتايلند هنا تمثل حالة نموذجية في هذا السياق، فهي تسعي للقيام بدور إقليمي في منطقة جنوب شرق آسيا على حساب إندونيسيا مستغلة العنوان الأميركي الأثير الحرب على الإرهاب.

 

وهي تعتبر الأقلية المسلمة الكبيرة مقصودة بالحرب على الإرهاب، وأن كل شخص فيها موضع شك باعتباره وفق المعايير الأميركية مشروعا لإرهابي.

 

وبدأت في القبض العشوائي على كل من يبدي ميولا إسلامية ظاهرة مثل إطلاق اللحى أو لبس الملابس البيضاء أو ارتداء النساء الحجاب أو الانخراط فيما يعتبر نموا عاديا لظاهرة التدين في العالم ومنها الدين الإسلامي مثل بناء المساجد أو الحج أو القيام ببعض الأنشطة الاجتماعية والثقافية المعروفة.

 

"
الأقلية المسلمة الكبيرة في تايلند مقصودة بالحرب على الإرهاب وكل شخص فيها موضع شك باعتباره وفق المعايير الأميركية مشروعا لإرهابي
"
ولم تسمع تايلند لمطالب المسلمين في الإقليم بعدم التوسع في المشاريع السياحية التي تهدد تقاليد المنطقة التي تحترم الدين والعادات، هذا فضلا عن جهدها في التعاون مع المخابرات الأميركية بشأن القبض علي مطلوبين إسلاميين يتجولون في المنطقة الواسعة أو حتى اصطناع قضايا ذات طابع إرهابي لتقديم نفسها كرقم إقليمي مهم وحليف لا يمكن الاستغناء عنه.

 

وفي نفس الوقت استجابة للضغوط الأميركية التي ترى أن جنوب تايلند هو منطقة تعمل فيها الجماعات الإسلامية التي تصنفها أميركا كجماعات إرهابية.

 

في الواقع عودة العنف الرسمي المدعوم بالمطالب الأميركية من ناحية والذي يخدم الإستراتيجية الجديدة لتايلند كفاعل إقليمي من ناحية أخرى قاد إلى إحياء "الجبهة المتحدة لتحرير فطاني"، كما قاد إلى مزيد من تصاعد موجات التمسك بالهوية الإسلامية في المنطقة كآلية دفاع ورد على محاولات المملكة السيامية التي تهدد الوجود الإسلامي في جنوب تايلند.

 

وبدأ ما يمكن أن نطلق عليه "ميلاد دورات العنف" حيث يسعي المسلمون للقيام بمظاهرات للمطالبة بمطالب عامة لدفع سياسة الدولة الجديدة أو إيقافها خاصة مع مجيء رئيس الوزراء الحالي تاكسين شيناواترا للحكم عام 2001 والذي غذى موجات أصولية ذات طابع بوذي بين قطاعات واسعة من الشعب التايلندي ضد المسلمين في الجنوب.

 

وهذا ما نلاحظه في مشاهد العنف المريعة التي يرتكبها الجيش والشرطة بحق المسلمين، فالتقديرات تشير إلى أن ضحايا العنف الرسمي من جانب الدولة بلغ 400 قتيل منذ يناير/كانون الثاني الماضي.

 

وشهدت ولاية فطاني في شهر أبريل/نيسان الماضي مذبحة داخل أحد المساجد راح ضحيتها 32، وفي أواخر شهر أكتوبر/تشرين الأول الماضي قتل داخل الحافلات المغلقة أكثر من 80 مسلما بسبب القبض عليهم في مظاهرة احتجاجا على اعتقال مسؤولين محليين بدعوى دعم الجماعات المسلحة في المنطقة.

 

وقتل في نفس المظاهرة سبعة مسلمين برصاص الجيش الذي أطلق الرصاص المباشر على الأجساد وليس فوق الرؤوس، وكان ذلك في شهر رمضان.

 

وتحدث رئيس الوزراء عن الواقعة فقال إن المسلمين قتلوا بهذا الشكل بسبب ضعفهم البالغ لأنهم كانوا صائمين، واعتبر ما قامت به قوات الجيش والشرطة عملا رائعا.

 

والعنف، الذي وصف من جانب المنظمات الحقوقية العالمية وفي تايلند ذاتها بأنه مستوى مريع من استخدام القوة غير المبررة على المسلمين، سوف يولد موجات عنف مضادة، ستعزز المطالب الانفصالية في الإقليم خاصة وأن أقاليم مجاورة مثل ميندناو في الفلبين وحتى آتشيه في إندونيسيا تطالب بالانفصال.

 

"
الدول التي توجد بها أقليات مسلمة تعتبر التوجه الأميركي إشارة مفتوحة لانتهاك حقوق هذه الأقليات وقمعها في مقابل الاندماج في الإستراتيجية الأميركية
"
كما أنه بالأمس القريب استقل إقليم "تيمور الشرقية" الكاثوليكي عن إندونيسيا المسلمة بدعم غربي أوروبي وأميركي، خاصة وأن فطاني والأقاليم المسلمة في الجنوب هي تعبير عن وحدة سياسية لها طابع مستقل بشكل كامل عن تايلند.

 

إن ذلك سوف يقود في تقديرنا إلى انفجار ما يمكن أن نطلق عليه "صداما حضاريا" حقيقيا بين المحيط الملاوي المسلم كله وبين المحيط البوذي الذي ينتشر في دول عديدة.

 

السيناريوهات الأميركية العدائية الجديدة في علاقتها بالعالم الإسلامي والتي ترفع شعار الحرب على الإرهاب تضع الأقليات المسلمة في مأزق، لأن الدول التي توجد بها هذه الأقليات تعتبر التوجه الأميركي إشارة مفتوحة لانتهاك حقوقها وقمعها في مقابل الاندماج في الإستراتيجية الأميركية، مما سيفتح الباب واسعا لقلاقل واضطرابات وربما فوضى لا حدود لها.

 

فأميركا طبقت مقولة هنتنغتون عن التحالف بين المسلمين والحضارة البوذية في مواجهة الغرب بالمقلوب ودشنت هي تحالفا مع هذه الحضارات ضد عالم الإسلام، وهو أمر يضع العالم كله على أبواب خطر حقيقي قد يضع الحضارة الإنسانية كلها في الميزان.
______________
كاتب مصري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة