الأزمات تلاحق العالم الرأسمالي   
السبت 7/12/1434 هـ - الموافق 12/10/2013 م (آخر تحديث) الساعة 17:39 (مكة المكرمة)، 14:39 (غرينتش)
سلامة كيلة



اليونان تحركت قبل الثورات العربية بقليل، وكانت مؤشراً على أن وضعاً عالمياً جديداً يتشكل، يتسم بالثورة.

وبعيد الثورتين في تونس ومصر وتوسعهما إلى بلدان أخرى، بدأت احتجاجات تتصاعد في إسبانيا وإيطاليا والبرتغال مع استمرار الحراك في اليونان، وبعض هذا الحراك ظهر وكأنه "تقليد" للثورات العربية، مع ميل عالمي للنظر بإعجاب إلى هذه الثورات.

والآن، نشهد حركات احتجاج كبيرة في تركيا، وأخرى في البرازيل، وأيضاً شهدنا ذلك في ماليزيا، لكأن العالم يسير نحو انفجار كبير، ولكأن الثورات العربية ليست مقطوعة الجذور عن وضع العالم.

وربما كان انفجار هذه الثورات وتحقيقها تغييرات في بعض البلدان نتاج "ظرف خاص" حكم المنطقة منذ عقود، وأفضى إلى أن ينسحق الشعب إلى الحد الذي دفعه إلى تفجير ثورة قبل غيره من شعوب العالم.

ربما ينظر إلى ما يجري في بلدان جنوب أوروبا وما يحدث الآن في تركيا والبرازيل، من زاوية على أنه عابر، أو أن بإمكان تلك البلدان تجاوزه، لكن الأمور أعمق من ذلك، وهي أكبر من أن تقف عند حدّ حدوث احتجاجات عابرة.

ربما ينظر إلى ما يجري في بلدان جنوب أوروبا، وما يحدث الآن في تركيا والبرازيل أنه عابر، أو أن بإمكان تلك البلدان تجاوزه، لكن الأمور أعمق من ذلك، وهي أكبر من أن تقف عند حد حدوث احتجاجات عابرة

ما يحدث يؤشّر على اختلال هائل في التكوين الرأسمالي، وعلى أننا مقبلون على نهوض عالمي ضد الرأسمالية.

فالاقتصاد الرأسمالي ليس في حالة جيدة، ونسبة نموه ضئيلة، وهو يغرق في أزمات قديمة وملاصقة للنمط الرأسمالي، مثل أزمة فيض الإنتاج التي تفضي إلى الكساد والركود، وانهيار صناعات وشركات وبنوك، وأزمات جديدة نشأت عن التشكل الجديد للرأسمال، وتحوّل كتلة هائلة منه إلى النشاط المضارب، وبالتالي اختلال العلاقة بين الرأسمال المنتج والمال البنكي لمصلحة الأخير، وهو الأمر الذي فرض نشوء أزمات جديدة أكثر تعقيداً من الأزمات الدورية التي كانت تمرّ بها الرأسمالية.

ولقد انفجرت الأزمة الأخيرة يوم 15 سبتمبر/أيلول 2008 وما زالت مستمرة رغم كل محاولات تجاوزها.

وفي سياق السعي لتجاوزها تجري محاولة حلها على حساب الشعوب، شعوب الأطراف أولاً، وشعوب البلدان الرأسمالية الطرفية ثانياً، وشعوب البلدان الرأسمالية عموماً ثالثاً.

هذا الحل هو الذي يفجر الاحتجاجات، حيث تقوم الدول التي راكمت مديونية هائلة خلال العقود الثلاثة الأخيرة باتباع سياسة تقشفية تنهك العمال والفئات الوسطى.

فقد تقلصت المقدرة الشرائية لقطاع كبير منهم نتيجة ثبات الأجور وزيادة الأسعار، أو حتى نتيجة تخفيض الأجور وزيادة أعداد العاطلين عن العمل، فالتقشف يعني تقليص مصروفات الدولة عبر تقليص الإنفاق الاستثماري، ودعم الضمان الاجتماعي والتعليم، وفرص العمل.

وفي تركيا والبرازيل -والأولى تعتبر دولة "بازغة" تسير نحو التحوّل إلى "قوة عالمية" من القوى الكبرى، بينما تسير الثانية نحو تطور وضعها الاقتصادي وتسعى أيضاً للتحوّل إلى "قوة عالمية"- نشهد ديناميكية اقتصادية كبيرة، لكنها ترتبط بديناميكية هائلة لتمركز الرأسمال وتوسّع الفروقات الطبقية، ومع توسّع الأزمة الاقتصادية العالمية تلمس الميل لانحطاط وضع أعداد متزايدة من العمال والفئات الوسطى والفلاحين.

وإذا كانت الثورات قد بدأت في البلدان العربية، فإن السبب هو الضغط العنيف الذي مارسته الإمبريالية الأميركية خلال العقود الأربعة الماضية (أي ما بعد الناصرية) لفرض هيمنتها وتحكمها بالاقتصاد ونهبه.

فقد عملت على تدمير القطاع المنتج في الاقتصاد (أي الزراعة والصناعة) ودفعت لإعادة تشكيل الاقتصاد كاقتصاد ريعي يقوم على الخدمات والعقارات والسياحة والاستيراد والبنوك.

وأدى ذلك إلى تهميش 80% من الشعب (هم من العمال والفلاحين والفئات الوسطى)، ودفع جزءاً كبيراً منهم إلى "حافة الموت جوعاً"، ولهذا كان عمق النهب الممارس والتشويه الكامل للبنية الاقتصادية هما أساس هذا التفجر الثوري، وتصاعده واستمراره.

هذا المنظور يجعلنا نرى الثورات العربية في سياق نهوض عالمي ثوري، ونتلمس وصول هذه الثورة إلى البلدان الرأسمالية مروراً ببلدان الأطراف المتخلفة، وأطراف الرأسمالية، وربما يطال بلدانا رأسمالية (حتى أميركا وروسيا وفرنسا ليست بعيدة عن هذا السياق).

وهذا المنظور كذلك يفرض علينا أن نتلمس الأزمة العميقة التي باتت الرأسمالية غارقة فيها، والتي ربما لن تستطيع الخروج منها حتى وإنْ طال الزمن الذي يودي بها، والذي ربما يكون زمن تعفن وتفكك.

بمعنى أن الصراع الطبقي الذي بدأ في البلدان العربية ويتوسع عالمياً مرتبط بأزمة الرأسمالية، الأزمة الاقتصادية التي تفجرت عام 2008 ولم يستطع المركز الإمبريالي (أميركا) حلها فقررّ العمل على إدارتها لكي لا توصل إلى انهيار شامل.

لقد ارتبط توسع الرأسمالية وفرض سيطرتها العالمية بتحقيق الاستقرار الطبقي في المراكز نتيجة أن الطبقة الرأسمالية استطاعت "تقديم تنازلات" للعمال جعلتهم يميلون إلى "الحوار"، ووسعت من الطبقة الوسطى، ووسعت السوق الداخلي عبر زيادة مطردة للأجور.

 توسع الرأسمالية وفرض سيطرتها العالمية ارتبط بتحقيق الاستقرار الطبقي في المراكز نتيجة أن الطبقة الرأسمالية استطاعت تقديم تنازلات للعمال، ووسعت من الطبقة الوسطى، ووسعت السوق الداخلي عبر زيادة مطردة للأجور

وعبر ذلك نهبت العالم، وأسست لثورات في الأطراف. لكنها اليوم، مع استمرار نهب الأطراف، تعود إلى خرق "الستاتيك" الذي أوجدته في المراكز، والذي قام على ما أسمي "المساومة التاريخية" بين العمل والرأسمال.

ويظهر ذلك أن نهب الأطراف لم يعد كافياً، وبالتالي تجب العودة إلى نهب العمال في المراكز، ويجب التخلي عن السياسة التي أسست لاستقرار طويل في المراكز، وهو الأمر الذي بات يعني تصاعد أعداد العاطلين عن العمل، وانحطاط الوضع المعيشي للعمال والفئات الوسطى.

فأزمة المديونية التي راكمت الثروة بيد طغم مالية باتت تُحل عبر نهب المجتمع، وبهذا يزداد التراكم المالي لدى تلك الطغم وينحدر وضع العمال والفئات الوسطى.

والمديونية شكل مهم من أشكال التوظيف المالي في الرأسمالية "الحديثة"، حيث باتت "استثماراً" يحقق الأرباح الأعلى (طبعاً دون أن يحقق أي فائض في القيمة).

وقد كانت المديونية مدخل الطغم الإمبريالية للتحكم في المسار الاقتصادي لبلدان الأطراف التي أُغرقت في مديونية كبيرة ذهبت إلى جيوب مافيات سلطوية، وفُرض عليها من ثم تغيير النمط الاقتصادي لكي يتواءم مع آليات النهب الجديدة التي نشأت في الرأسمالية الأحدث (خصوصاً بعد أزمة عام 1971)، تلك الأزمة التي فرضت على الإدارة الأميركية فك الارتباط بين الذهب والدولار لكي يتسنى لها طباعته دون احتياط من الذهب، بعدما أصبح التراكم المالي أضخم من أن يوظف في "الاقتصاد الحقيقي"، أي الصناعة والزراعة والتجارة والخدمات، وبات بحاجة إلى مجالات توظيف "جديدة"، وجدت في ديون "العالم الثالث" هذا المجال الذي عنى نهب كل التراكم الذي حصل في "مرحلة التحرر"، بالشراكة مع فئات في النظم الطرفية ذاتها.

لكن هذا النهب زاد في التراكم المالي، وفرض زيادة الميل إلى التوظيف في هذا القطاع نتيجة الربحية الأعلى، وفي البحث عن أشكال جديدة للتوظيف الذي يستوعب المال المتراكم ويدرّ ربحاً أعلى، وهذا ما فتح الباب على أشكال جديدة من النشاط المالي سميت المشتقات المالية.

منذ عام 1971 إلى عام 2008 كان المسار الاقتصادي للرأسمالية يشير إلى أن القطاع المنتج في تعثر كبير، وأن القطاع المالي هو الذي يسير في تصاعد متسارع، إلى حد أن كل التقديرات تشير إلى أن 90% من الحركة اليومية للرأسمال تتمركز في القطاع المالي، وبالتالي فإن الاقتصاد الحقيقي لا يحظى إلا بنحو 10% من النشاط المالي.

وهذا الأمر فرض أن تتحكم الطغم المالية بمجمل الاقتصاد، وبالسلطة في الدول الرأسمالية، وأن تفرض منطقها عالميا، لكنه فرض كذلك أن تصبح آليات النهب هي السائدة في مجمل النمط الرأسمالي، ومن ثم يصبح الشكل الريعي هو الشكل "الطبيعي" في الأطراف، وأن يعود مبدأ "الإفقار المطلق" هو الشكل المهيمن من جديد في المراكز الإمبريالية (تخفيض الأجور، والتخلي عن الضمان الاجتماعي والصحي والتعليم المجاني، وزيادة العاطلين عن العمل).

وإذا كانت أزمة فيض الإنتاج قد عادت بعد نهوض أوروبا واليابان من جديد، ووضعت الاقتصاد الحقيقي في أزمة عميقة، فقد أوجد الشكل الجديد للرأسمال بهيمنة الطغم المالية (التي تنشط في المضاربات والمشتقات المالية وأسواق الأسهم والمديونية) أزمة أخطر، هي تلك المتعلقة بتضخم القيم دون وجود فائض قيمة، والذي يتمثل في تصاعد قيم المواد (وهنا العقارات والأسهم والعملة وحتى السلع الغذائية) بشكل تضخمي نتيجة المضاربات المالية.

دخلت الرأسمالية في دائرة الأزمات المستمرة، وفي وضعية إدارة الأزمة دون التفكير في إمكانية حلها، بالضبط لأن حلها يفترض شطب الطغم المالية ذاتها، وحرق تراكم مالي هائل بات عبئاً على الاقتصاد الحقيقي

إن ضخ الكتلة المالية الهائلة في شكل مضارب يرفع القيم بشكل متسارع، ويؤدي إلى أرباح خيالية تفرض امتصاص الرأسمال من الاقتصاد الحقيقي إلى هذا القطاع، لكن الأمر يؤدي إلى "انفجار الفقاعة"، وبالتالي حدوث انهيار مالي كبير يؤثر على مجمل الاقتصاد، بما فيه الاقتصاد الحقيقي طبعاً.

وهذا التصاعد الهائل في القيم لا يتناسب مع قدرات الاقتصاد الحقيقي، فيصل التضخم إلى لحظة لا بد من أن ينفجر فيها، ليحدث انهياراً مالياً هائلاً كما شهدنا في أزمة الرهن العقاري بالولايات المتحدة، وقبلها أزمة تقنية المعلومات (عام 2000).

وسبب تمركز الانفجارات في أميركا هو أنها باتت المركز المالي، أي أن بنوكها باتت مركز تراكم كل المال الفائض الذي كانت بحاجة إلى استقدامه من أجل تعديل "الميزان التجاري" بعدما باتت تستورد أكثر بكثير مما تصدر.

وهذا ما جعل القطاع المالي الذي ينشط في المديونية والمضاربة وأسواق الأسهم والمشتقات المالية هو القطاع الأساسي في الاقتصاد الأميركي، ومن ثم أصبحت أميركا مرتع الطغم المالية، وباتت في وضع أسوأ من كل البلدان الرأسمالية، وتقف على "شفير انهيار كبير".

هذا التشكل للرأسمالية -وهو التشكل الأحدث الذي يتسم بسيطرة الطغم المالية- يؤشّر على أنها باتت تعاني من تضخم سرطاني لا علاج له، لهذا دخلت في دائرة الأزمات المستمرة، وفي وضعية إدارة الأزمة دون التفكير في إمكانية حلها، بالضبط لأن حلها يفترض شطب الطغم المالية ذاتها، وحرق تراكم مالي هائل بات عبئاً على الاقتصاد الحقيقي، ولهذا سنشهد أزمة مستمرة متصاعدة، مع انهيارات متتابعة بين الحين والآخر يمكن أن تطيح بدول.

إن هذه الوضعية باتت تفترض "تضخم التمركز" المالي -وبشكل متسارع- على حساب كل المجتمعات، في الوقت الذي يقود فيه إلى انهيارات مالية مستدامة، ومدمرة. ولهذا يتعمم الإفقار بشكل متسارع حتى في بلدان المراكز التي شهدت استقراراً طبقياً طويلا، ومن ثم يتحضر العالم لتصاعد في الصراع الطبقي سيفرض نشوء ثورات كبيرة في كثير من مناطق العالم.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة