حظر الأحزاب الكردية السورية خطوة ضد الاندماج   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)


بقلم/ علي العبد الله

- اعتبارات قومية وأخرى محلية
- ازدواجية التعامل مع الأكراد

في خطوة تصعيدية أقدمت السلطات السورية على حظر نشاط الأحزاب الكردية (12 حزبا), وحذرتها من مخالفة هذا القرار، باعتبار أن ذلك سيعرضها لإجراءات قانونية, دون أن تقدم أي حلول للمشاكل الكردية المعلقة مما يجعل القرار سببا مباشرا في مزيد من الاحتقان بين فئات المجتمع وخطوة سلبية تعيق تحقيق الاندماج الوطني.

اعتبارات قومية وأخرى محلية
بدأت الأحزاب الكردية السورية نضالها منذ عقود، حيث تأسس أول حزب كردي سوري (الحزب الديمقراطي الكردستاني) عام 1958، وقد نشطت على قاعدة الأمر الواقع، حيث لم تحصل ككل الأحزاب السورية على الشرعية نتيجة عدم وجود قانون ينظم الحياة السياسية في سورية، مما دفع أحد المعلقين السوريين النابهين إلى اعتبار حزب البعث الحاكم نفسه حزبا غير شرعي.


بدأت الأحزاب الكردية السورية نضالها منذ عقود، وقد نشطت على قاعدة الأمر الواقع، حيث لم تحصل ككل الأحزاب السورية على الشرعية نتيجة عدم وجود قانون ينظم الحياة السياسية
ارتبط موقف السلطة من الأحزاب الكردية السورية ونشاطاتها باعتبارات إقليمية وأخرى داخلية، حيث تحالفت مع حزب العمال الكردي التركي بقيادة عبد الله أوجلان للضغط على تركيا من أجل تحقيق مكاسب في قضايا سياسية (لواء أسكندرون) وحقوقية (المياه) وسمح بموجبها لهذا الحزب بإقامة بنية أساسية سياسية وتنظيمية وإعلامية على الأرض السورية، والتحرك بحرية في الأوساط الكردية السورية بلغت درجة تسمية مندوبين رسميين في المدن والبلدات والقرى السورية والسماح لهؤلاء المندوبين بتجنيد الشباب الكردي السوري، وباستخدام الترهيب والترغيب، وإرسالهم للقتال في صفوف قوات هذا الحزب في تركيا، بعد تلقي دورة تدريبية في البقاع اللبناني حيث سُمح له بإقامة معسكرات تدريب هناك.

وقد لعب هؤلاء المندوبون دوراً أساسياً (سياسياً وإعلامياً)، حيث كان لدى المندوب إمكانات تقنية تمكنه من التقاط وإعادة بث برامج قناة ميديا التابعة للحزب بحيث يستطيع سكان القرية الفقراء التقاطها بتوجيه لواقطهم العادية باتجاه بيت المندوب ومتابعة برامج القناة من الساعة السادسة مساءً إلى منتصف الليل يومياً.

وقد قاد ذلك إلى إعادة تشكيل الوعي الكردي السوري إزاء مسألة الهوية والوطنية، لأن حزب العمال الكردي التركي صاحب عقيدة قومية تتحدث عن دولة كردية واحدة تشمل أجزاء كردستان التركية – الإيرانية – العراقية – السورية، وكانت خريطة كردستان الموحدة تظهر في شعار القناة.

وهذا أشاع بين الأكراد السوريين -الذي يعانون من مظالم حقيقية ومن تجاهل خدمي وإداري- خطاباً قومياً يَعِد بإقامة دولة تحقق الكرامة والحياة الكريمة، وأحدث تبديلاً جذرياً في نظرتهم إلى أنفسهم وإلى محيطهم الوطني والإقليمي، كما تحالفت السلطة السورية مع الحزبين الرئيسين في شمالي العراق -الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يتزعمه مسعود البرزاني والتحالف الوطني الكردستاني الذي يتزعمه جلال الطالباني- طوال عقد تسعينيات القرن الماضي، على خلفية استخدام الأكراد العراقيين في الصراع مع النظام البعثي الأخ اللدود في العراق.

ولذلك سمحت للحزبين بفتح مكاتب لهما في العاصمة السورية وفي محافظة الحسكة، وباستقبال قيادتهما على أعلى المستويات، مما حول هذه المكاتب إلى محجة للأكراد السوريين وهذا فتح المجال أمامهم للاتصال بهذين الحزبين وبقياداتهما والتعامل معهما سياسيا والاسترشاد بتجربتهما، مما أشاع الثقة بالنفس وبالخطاب القومي الكردي بين الأكراد السوريين أشعرهم بالقوة نتيجة الإحساس بوجود امتداد قومي.

وتزايد هذا الشعور خاصة بعد سقوط نظام صدام حسين وحصول الحركة السياسية الكردية العراقية على حصة كبيرة في إطار مجلس الحكم الانتقالي وفي قانون الحكم المؤقت -الذي أقر مبدأ الفدرالية حتى مع الاختلاف على طبيعتها إدارية أو قومية- بالإضافة إلى تلمس التعاطف الأميركي مع مطالب أكراد العراق، وبإمكانية الاقتداء بالتجربة الكردية العراقية.

ازدواجية التعامل مع الأكراد
وفي حين تم التعاطي مع الأحزاب الكردية السورية ومع حقوق المواطنين الأكراد السوريين وفق مستدعيات سياسة " قومية " عربية صرفة، فمن جهة تعاطف ودعم كبيرين مع الأكراد في تركيا والعراق أشعر الأكراد السوريين بإيجابية السلطة إزاء المشروع الكردي، ومن جهة ثانية التعامل مع الأحزاب الكردية السورية حسب الظرف الإقليمي حيث تنقلت السلطة بين غض النظر والملاحقة والاعتقال مع الإبقاء عليها في دائرة المحظور القومي.


ابتعدت الأحزاب الكردية السورية عن أي تحرك وطني مشترك على خلفية انزعاجها من تجاهل الأحزاب السياسية العربية والمثقفين العرب لوضع الأكراد في سوريا
وهذا أشاع الشك -بين العرب السوريين بعامة وعرب محافظة الحسكة بخاصة- في الأحزاب الكردية السورية التي حصلت على تسهيلات وغض نظر، في حين تعرضوا هم إلى اتهام السلطة لهم بالولاء لصدام حسين والتضييق عليهم مما رتب حذر الأحزاب والمثقفين العرب من هذه الأحزاب -نتيجة "تدليل السلطة لها " كما قال بعض العرب، وتركها تنشط دون إزعاج مباشر في الوقت الذي كان فيه آلاف العرب يتعرضون لقمع شديد ويدخلون السجون لفترات طويلة- وتجاهلهم للمطالب الكردية.

وهذا قاد إلى ابتعاد الأحزاب الكردية عن أي تحرك وطني مشترك، على خلفية انزعاجها من تجاهل الأحزاب السياسية العربية والمثقفين العرب لوضع الأكراد السوريين، كما يقول بعض قادة الأحزاب الكردية السورية، والتركيز على الملفات الخاصة بالمواطنين السوريين الأكراد مثل: ملف المحرومين من الجنسية، الحزام العربي ومصادرة الأراضي الزراعية، تسجيل المواليد والعقارات، الحياة المعيشية، حيث تعرض آلاف الأكراد السوريين إلى الفصل من الوظيفة العامة أو النقل من وظيفة إلى أخرى تحد من احتكاكهم بالمواطنين لاعتبارات سياسية, أو على خلفية الانعزال عن الصف الوطني السوري والبقاء بعيدا باعتبار ذلك أسهل الطرق للحصول على مكاسب خاصة من السلطة، كما يقول بعض قادة الأحزاب العربية، مما ولد حالة انقسام عمودي داخل المجتمع السوري بين عرب وأكراد، حيث لم يعد ممكنا وجود عرب وأكراد في حزب سوري واحد.

ومع اختراق لجان إحياء المجتمع المدني وجمعية حقوق الإنسان أولا ثم أحزاب من التجمع الوطني الديمقراطي منفردة -قبل أن ينفتح التجمع الوطني الديمقراطي ويأخذ قرارا إستراتيجيا بالتنسيق مع الأحزاب الكردية السورية لهذا الانقسام العمودي وانفتاحها على تفاصيل الملف الكردي ووضعها على جدول أعمالها، بما فيها فتح حوارات مع الأحزاب الكردية السورية ودعوتها إلى الاشتراك في صياغة حلول سياسية واقتصادية واجتماعية للمشكلات الوطنية على قاعدة حل وطني ديمقراطي، وتفاعل الأحزاب الكردية السورية مع هذا المتغير الداخلي و مشاركتها بفعالية في هذه الحوارات، وظهور قادتها في مناسبات كثيرة وفي نشاطات سياسية وثقافية علنية في العاصمة السورية جنبا إلى جنب مع قوى المعارضة الديمقراطية- أخذ الملف الكردي السوري مكانه على جدول أعمال الحركة الديمقراطية، وهذا أعطى انطباعا بأن سعي القوى الوطنية الديمقراطية السورية إلى تشكيل قطب موحد في النضال الديمقراطي من أجل الإصلاح والتغيير، بات قاب قوسين أو أدنى، وهذا دفع السلطة التي تراقب الحراك الوطني الديمقراطي وانعكاسه على ميزان القوى الداخلي، إلى اعتماد سياسة "فرّق تسد" لوقفه.

وقد تجلت هذه السياسة أول مرة في مناسبة بارزة يوم 10/12/2003 عندما قامت القوى الوطنية الديمقراطية السورية باعتصام أمام مقر رئاسة الوزراء بمناسبة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وشكلت وفدا من 5 أشخاص -كرديين وثلاثة عرب- تقدم لمقابلة رئيس الوزراء وتسليمه مذكرة تطالب برفع حالة الطوارئ وإلغاء الأحكام العرفية وتطبيق الشرعة الدولية لحقوق الإنسان.

فرفض أمن رئاسة الوزراء السماح للوفد بالدخول، ثم سمح لهم بالدخول إلى بهو المبنى وأبلغهم أن رئيس الوزراء ليس موجودا وطلب أن يسلموا المذكرة للأمن، وعندما رفض الوفد ذلك اختلى بالكرديين شخص كان في البهو وقال لهم لماذا أتيتم مع العرب، لو جئتم وحدكم لكنا استقبلناكم كما حصل في المرة السابقة، واختلى بالعرب وقال لهم لماذا أتيتم مع هؤلاء الأكراد لو جئتم وحدكم لأدخلناكم وقابلتم رئيس الوزراء.


عندما أدركت السلطات السورية أن الملف الكردي قد وجد مكانه على جدول أعمال الحركة الديمقراطية السورية من أجل الإصلاح والتغيير اعتمدت سياسة فرق تسد لوقف هذا التحالف
وقد ساهمت أحداث شغب الملاعب التي وقعت في مدينة القامشلي يوم 12/3/2004 وتداعياتها في تزويد السلطة بذرائع وظّفتها في تكريس هذه السياسة حيث لعب الإعلام الرسمي، عبر الروايات والصور والاتهامات، دورا كبيرا في تشويه صورة المواطنين الأكراد السوريين إلى درجة التشكيك في وطنيتهم وإخلاصهم، وإحداث شرخ بينهم وبين بقية المواطنين السوريين الذين باركوا إجراءات السلطة ضد الأكراد السوريين.

وقد كررت السلطة رسالتها إلى الأحزاب الكردية السورية للابتعاد عن قوى المعارضة الديمقراطية الأخرى عندما رفض مسؤول سوري كبير تسلّم مذكرة من الأحزاب الكردية السورية تطالب بالإفراج عن المعتقلين الأكراد السوريين الذين اعتقلوا على خلفية أحداث الشغب ما لم يشطبوا عبارة "و الوطنيين السوريين الآخرين" من المذكرة، ولما لم تستجب الأحزاب الكردية السورية لهذه الإشارات والرسائل اتخذت السلطة قرار حظر نشاطها.

واللافت في كل هذه "المعركة" أن الحظر جاء بعد شهر من حديث رئيس الجمهورية حول علاقة القومية الكردية بالحياة الوطنية السورية واندماجها الكامل فيها.

ويعكس قرار السلطة حظر الأحزاب الكردية السورية طبيعة العقل السياسي الذي يدير الملفات الوطنية، حيث جاء إعلان الحظر دون وضع الملفات الكردية المعلقة على طريق الحل الذي يمكن أن يطوق الاحتجاج الكردي على قرار الحظر، خاصة أن الأحزاب الكردية مجتمعة قد أصدرت بيانا قالت فيه إنها ستواصل نشاطها السياسي، مما يجعل قرار الحظر أساسا لمزيد من الاحتقان والتوتر قد يقود البلاد إلى منزلقات لا يتمنى مواطن لبلده أن يدخلها, كذريعة التدخل الخارجي لاعتبارات إنسانية (حماية أقلية قومية مضطهدة) وكأن السلطة تستعيد التجربة العراقية بكل مراحلها.
ــــــــــــــــــ

كاتب سوري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة