هل تخطى الإصلاحيون الرئيس خاتمي؟   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)

بقلم/ سالم مشكور

الإصلاحيون والإصلاحيون الجدد
اليأس.. ودوامة الفشل

في يوليو/ تموز 1999 شهدت جامعة طهران حركة احتجاج طلابية واسعة تحولت إلى مظاهرات شعبية تجاوزت نطاق الجامعة إلى شوارع العاصمة.

المظاهرات الأخيرة تعرضت بالهتاف لمرشد الجمهورية آية الله علي خامنئي أعلى مرجعية في السلطة الإيرانية، وهو ما اعتبره البعض مؤشراً خطيراً على تراجع شعبية القيادة الدينية والسياسية العليا المتهمة بدعم المحافظين في مواجهة برنامج الرئيس الإيراني محمد خاتمي المصنف مع الإصلاحيين.

الإصلاحيون والإصلاحيون الجدد

رفسنجاني.. من ليبرالي إلى محافظ

الهتافات التي طالت خامنئي لم تستثن الرئيس الإصلاحي خاتمي. ولئن كانت الاحتجاجات تستهدف خامنئي لدعمه المحافظين فإن الهتاف ضد خاتمي اعتبر إشارة واضحة إلى تنامي تيار أصابه اليأس من قدرة الرئيس خاتمي على تنفيذ الإصلاحات التي وعد بها.

تيار اليأس من قدرة خاتمي على الإصلاح ظهر قبل حوالي عام وهو ينادي "بتخطي خاتمي" بحجة أن الرئيس المنتخب لم يستطع تنفيذ وعوده الإصلاحية بسبب عقبات يضعها أمامه المحافظون. ويعتقد هؤلاء أنه ما دام خاتمي غير مستعد لرفع سقف التحدي في مواجهة خصوم يستغلون ميوله السلمية، فإن المطلوب تخطي خاتمي وتصعيد المواجهة مع المحافظين.

تلك الدعوات أثارت قلق رموز إصلاحية ترى أن مثل هذه الدعوات قد تقود إلى انفلات ومواجهات دامية يكون ضحيتها النظام الإسلامي ككل، في حين أن المطلوب هو إصلاحات كبيرة من داخل النظام.

لكن تلك الدعوات حظيت بدعم فئة أخرى من المنضوين تحت راية التيار الإصلاحي، إذ تريد هذه الفئة بالفعل تغيير النظام من أساسه.

فما يعرف بالتيار الإصلاحي إنما يضم في صفوفه من يتحركون بدوافع متباينة تماماً، بدءاً من المطالبين بالإصلاحات من داخل النظام مع الحفاظ على هويته الإسلامية، إلى الساعين لإسقاط النظام الإسلامي الجمهوري وإعادة الملكية، مروراً بمؤيدي بقاء الجمهورية ولكن بنظام ليبرالي.

كثيرون من معارضي خاتمي قبل وصوله إلى السلطة صاروا من أنصاره للاستفادة من عباءته الإصلاحية في العمل لأهدافهم وبرامجهم الخاصة.

أما أنصار خاتمي من الإسلاميين فهم في غالبيتهم من رموز وكوادر الثورة الذين ظهروا في بداية الثمانينات كثوريين متطرفين لكنهم معتدلون دينيا وهو ما عرف باليسار الإسلامي، هذ التيار هو الذي شارك في احتلال السفارة الأميركية في طهران ودعم الحركات الثورية في المنطقة. كما أن العديد من كوادره لعب دوراً كبيراً في قيادة جموع المتطوعين في الحرب مع العراق في الفترة 1980 - 1988.


الحركة الإصلاحية شملت الجانب الثقافي والفكري والفني، فانطلقت عشرات الصحف والمجلات ومست بعض ما كان يعتبر من الثوابت الدينية

شكل أنصار وأعضاء اليسار الإسلامي غالبية الجسم الحكومي إبان الحرب مع العراق، وقبضوا على أهم مفاصل السلطة. غير أن تيارا أكثر اعتدالا سياسيا لكنه أكثر محافظة دينيا، ظهر على السطح وبدأ بالزحف على المناصب الحكومية بعيد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية عام 1988. واتخذ التيار الجديد من رئيس مجلس الشورى آنذاك هاشمي رفسنجاني -المعروف آنذاك كمعتدل وليبرالي- جسراً للاستفادة من قوته في النظام.

ولم يلبث التيار الجديد أن انقلب على رفسنجاني بمجرد حصوله على الغالبية في البرلمان ومجلس صيانة الدستور والحكومة بتحالفه مع تيار أكثر تشددا في القضايا الدينية وهو ما أنتج التيار المعروف حاليا بالتيار المحافظ.

سعى المحافظون للتحكم بسياسة رفسنجاني الذي انتقل من رئاسة البرلمان (مجلس الشورى الإسلامي) إلى رئاسة الجمهورية بانتخابات شعبية مباشرة.

لكن رفسنجاني ابتعد عن هذا التيار تماما عام 1997 عندما دعم بقوة ترشيح خاتمي لرئاسة الجمهورية خلفاً له، بعد أن حال الدستور دون توليه الرئاسة لفترة ثالثة (الدستور الإيراني ينص على حق الرئيس بالترشيح لولايتين فقط مدة كل منهما أربع سنوات).

وتدخل رفسنجاني شخصياً لمنع عمليات تزوير محتملة للانتخابات قيل إن المحافظين الممسكين بمقاليد السلطة يعدون لها، وكانت النتيجة فوز خاتمي بـ70% من أصوات الناخبين الذين اندفعوا بقوة إلى صناديق الاقتراع تجذبهم شعارات خاتمي الإصلاحية، وكانت فيما سبق مطالب يصعب الإعلان عنها.

رفسنجاني اضطر للعودة من جديد إلى أحضان المحافظين بعدما انقلب عليه الإصلاحيون وعرقلوا ترشحه للبرلمان، وأثاروا ضده سلسلة اتهامات حسرت شعبيته التي كانت طاغية ذات يوم.

أما خاتمي الذي حاول بعض المقربين منه إقناعه بصعوبة الترشح للرئاسة، فقد وجد غالبية الشارع الإيراني تعلنه زعيماً ورمزاً لتيار واسع ينشد التغيير، خصوصاً جيل الشباب الذين لا يجدون في خطاب الطاقم الحاكم وسياسته ما يلبي تطلعاتهم، في حين كان الاقتصاد الإيراني يعاني من تراجع ويترك آثاره على حياة المواطن العادية.

ولم تتوقف الحركة الإصلاحية التي بات خاتمي رمزاً لها عند الاقتصاد والسياسة فحسب، وإنما شملت الثقافة والفكر والفن أيضاً.

اليأس.. ودوامة الفشل

تظاهرات طلابية.. ثم ماذا؟

ارتكزت أفكار الإصلاحيين الدينية على حقيقة أن النص الديني ثابت، لكن المعرفة الدينية -وهي تفسير للنص الديني- متغيرة باعتبارها تتأثر بظروف الزمان والمكان وبمستوى وعي المفسر، وبالتالي فإن قدسية النص لا يمكن أن تنسحب على التفسير.

ومن هنا طرحت نظرية "القراءات المتعددة للدين"، وهو ما اعتبرته مراجع دين تقليدية انحرافاً عقائدياً ورفضت وجود أكثر من قراءة واحدة للنص الديني، بل إن هذا الأمر استغل في تحريك الشرائح الشعبية ذات الالتزام التقليدي، مثل مليشيات "الباسيج" وحرس الثورة الملتصقة عاطفياً برجال الدين والهوية الإسلامية للنظام، وهي مليشيات قدمت تضحيات خلال الثورة الإسلامية للحفاظ عليها فيما بعد.

وجرى تصوير التيار الإصلاحي أمام هؤلاء كما لو أنه يريد سلب إسلامية النظام والقضاء على الجمهورية الإسلامية، وهو ما يفسر العنف الذي يستخدمه أفراد هذه المليشيات في مواجهة أي حركة اجتماعية تصب في مصلحة الإصلاحيين كما جرى في جامعة طهران عام 1999، وكما يجري الآن في الجامعة وخارجها.

عندما وصل خاتمي إلى الرئاسة وهيمن الإصلاحيون على الحكومة (السلطة التنفيذية) كان هدفهم التالي السلطة التشريعية (البرلمان) وهو ما حصلوا عليه في أول انتخابات برلمانية جرت، مسجلين نفس النسبة التي فاز بها خاتمي في انتخابات الرئاسة ثم فازوا في انتخابات المجالس البلدية، وكانوا يأملون أن يهيمنوا على المؤسسات الدستورية المفصلية بالتدريج. لكن تركيبة الحكم في إيران لم تمكنهم من السيطرة بشكل حقيقي على السلطة.

فرغم أغلبيتهم الحالية في البرلمان، فإن الإصلاحيين عاجزون عن تمرير أي قانون لا يرضي المحافظين الذين يهيمنون على مجلس صيانة الدستور صاحب الحق في رفض أي قانون يصدر عن البرلمان بحجة مخالفته للشريعة أو الدستور. وإذا ما تكرر رفض قانون ما مرتين، تجري إحالته إلى مجلس آخر يسمى "مجمع تشخيص مصلحة النظام" ومسؤوليته البت في القوانين العالقة بين البرلمان ومجلس صيانة الدستور.

و"المجمع" مؤلف من غالبية محافظة ويرأسه رفسنجاني الذي ابتعد عن الإصلاحيين ليعود إلى صف المحافظين، موحياً بأنه يمثل تياراً يسمى "المحافظون الجدد". وطبيعي أن يقوم هذا "المجمع" بالبت لصالح ما يريده المحافظون، بل إنه أعطى لنفسه مؤخراً حق ممارسة عملية التشريع وليس فقط البت في القوانين العالقة، وتشريعه يعتبر قطعياً غير قابل للرد.

من جانبه يمارس القضاء -الذي يعين رئيسه بقرار من المرشد- ضغوطاً على الإصلاحيين من خلال إغلاق صحفهم واعتقال الصحفيين والرموز الفكرية والسياسية. ووصلت عمليات الاعتقال إلى أعضاء البرلمان الذي رفض القضاء الاعتراف بأي حصانة قضائية لهم رغم أن الدستور الإيراني ينص على هذه الحصانة.


وجود خاتمي صمام أمان للمحافظين، وانهيار الصمام لا يصب في مصلحة النظام ككل. وبعض الإصلاحيين دخل على خط التهدئة كي لا يعطي المحافظين ذريعة لقمع التيار الإصلاحي
من هنا تبدو الصورة كالتالي: مؤسسات دستورية بالانتخاب يسيطر عليها تيار خاتمي، ومؤسسات تنصيبية يسيطر عليها المحافظون وباستطاعتها تعطيل عمل المؤسسات الأولى تماماً. وبالتالي فإن الغالبية الشعبية التي دعمت خاتمي ترى أن دورها معدوم بسبب طبيعة السلطة وتوزيع الصلاحيات بين مؤسساتها، الأمر الذي يحتاج إلى تعديل الدستور. هذا ما نادى به الإصلاحيون في البرلمان عبر الدعوة إلى استفتاء عام وتوسيع صلاحيات رئيس الجمهورية وتحديد صلاحيات مجلس صيانة الدستور، وأعدوا مشاريع قوانين صدرت عن البرلمان بهذا الخصوص، إلا أنها رفضت من جانب مجلس صيانة الدستور أيضاً، وعادت الأمور إلى نقطة الصفر.

الشارع الإيراني بات يشعر في ظل وضع كهذا بوجود حالة "انسداد سياسي"، وهو ما ضاعف من الإحباط واليأس الذي دفع إلى مقاطعة كبيرة للانتخابات البلدية الأخيرة (بعض المدن شارك 10% فقط من الناخبين فيها) وساهم في تنامي التيار الذي يدعو إلى تخطي خاتمي وتصعيد المواجهة مع المحافظين.

وقبيل الحرب الأميركية الأخيرة على العراق، شعر بعض المعارضين بالأمل بأن تؤدي التحولات الجديدة في المنطقة إلى دفع المحافظين نحو تعديل سياساتهم وإرخاء قبضتهم وإفساح المجال لمزيد من الانفتاح مما سيمكن خاتمي من تنفيذ وعوده.

ومع انتهاء الحرب سريعا وما أبداه العراقيون من إحجام عن مقاومة القوات الغازية بسبب المعاناة من قمع النظام السابق، صدرت في طهران دعوات من الإصلاحيين إلى الاتعاظ بالدرس العراقي والمسارعة إلى اتخاذ خطوات جديدة لرأب الصدع وتضييق الهوة بين الشعب والحكم، من أجل تحصين الساحة الداخلية وإلغاء أي ثغرة يمكن أن ينفذ منها الأميركيون كما فعلوا في العراق.

لكن هذه الدعوات لم تلق آذانا صاغية، ربما لأن المحافظين كانوا يواصلون في جنيف حوارا مع الجانب الأميركي وتوصلوا معه إلى تفاهم حول الموضوع العراقي. ويبدو أنهم ظنوا أن هذا التفاهم كفيل بدرء الخطر الأميركي عنهم، مستندين إلى تاريخ العلاقات الأميركية مع أنظمة دول العالم الذي يعتمد المصلحة وليس مدى ديمقراطية هذه الأنظمة.

لكن الموقف الأميركي من إيران تغير بمجرد انتهاء الحرب وسقوط النظام العراقي وإحكام القوات الأميركية قبضتها على كامل الأراضي العراقية، إذ بدأت التحذيرات توجه إلى طهران واتهمتها واشنطن بتطوير أسلحة نووية وإيواء عناصر من تنظيم القاعدة، وحذرتها من أي محاولة للتدخل في الساحة العراقية الداخلية. تزامن هذا مع توقف الحوار بين الجانبين في جنيف، وبدء الحديث الأميركي المباشر عن جهود تحريضية لزعزعة الوضع الداخلي الإيراني.

في هذه الأجواء، جاءت الاضطرابات في طهران والتي تحولت خلال ساعات إلى احتجاجات شعبية عامة بدت وكأنها تنفيس عن كبت بسبب السياسة التي يمارسها المحافظون. والجديد في هذه الاضطرابات أن المشاركين فيها هتفوا مطالبين باستقالة خاتمي، وأنها جاءت في ظروف إقليمية جديدة تشهد هيمنة أميركية على المنطقة، مما جعل مرشد الجمهورية يتهم المحتجين بالمرتزقة والعملاء.

لكن الرئيس خاتمي لزم الصمت فهو إن دافع عن مطالب المحتجين دخل في مواجهة مع المرشد، وإن وقف ضدهم فإنه سيفقد ما تبقى من مصداقية كرمز إصلاحي رغم فشله في إبداء الحزم المطلوب.

إن وجود خاتمي كان بمثابة صمام أمان حتى للمحافظين، وانهيار هذا الصمام ربما لا يصب في مصلحة النظام ككل، وهذا ما جعل رموز بعض الاصلاحيين يدخلون على خط التهدئة وإقناع الطلاب بوقف احتجاجاتهم خوفا على النظام كله، وخشية أن يتخذها المحافظون ذريعة لاتخاذ إجراءات قمعية حاسمة ضد التيار الإصلاحي.
________________________
باحث متخصص في الشؤون الإيرانية

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة