التغيير في العراق   
الأحد 19/8/1425 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:10 (مكة المكرمة)، 17:10 (غرينتش)

بقلم: غراهام فولر

سيكون هذا ثاني مقالات ثلاث بشأن المشكلة العراقية وأريد أن أناقش فيه طبيعة المشكلة العراقية واعتراضات العالم العربي على تغيير النظام في العراق. وكما عرفتم من مقالي الأول قبل أسبوعين في هذا الموضوع فإنني أعتقد بصراحة بوجوب التخلص من صدام حسين على الرغم من أنني أعارض بشكل عام فكرة التدخل العسكري الأميركي في الشرق الأوسط بالإضافة إلى المعارضة الكبيرة لمثل هذا العمل من جانب العالم العربي، فما هي الاعتراضات الرئيسية في المنطقة على تغيير النظام في بغداد؟

لقد تحدثت عن احتمال عمل من جانب إدارة بوش للإطاحة بصدام حسين في العراق. وقد أعربت في ذلك المقال عن شكوكي في أن يحاول الرئيس بوش تغيير النظام العراقي في المستقبل القريب، وقلت إن المناخ السياسي في العالم العربي اليوم لن يسمح بعمل من هذا النوع، فأميركا لن تحصل على دعم من أي دولة عربية تقريبا، كما أن تركيا وإيران تعارضان الفكرة أو على الأقل في الوقت الحالي. وأعتقد أن المشكلة الفلسطينية يجب أن تحل بشكل مرض للجميع قبل أي خطوة لتغيير النظام في بغداد. إن الوضع في فلسطين الآن يزداد سوءا ولا يتحسن في الوقت الذي اتخذ فيه بوش منحى جديدا وخطيرا في دعم إستراتيجية شارون التي تجعل من الإرهاب، وليس الاحتلال الإسرائيلي، لب المشكلة.

وهكذا نرى أن الوضع الدولي الآن غير مشجع على التدخل العسكري في العراق، فهناك الكثير الذي يجب عمله على الساحتين السياسية والدبلوماسية والذي يشمل خططا لتشكيل حكومة واسعة بعد إزاحة حزب البعث وذلك قبل أن تبدأ واشنطن أي حملة عسكرية للقضاء على صدام حسين.



هل تكون الإطاحة بصدام حسين في مصلحة العرب، مثلما أنها في مصلحة إسرائيل؟

هناك أولا عداء عام للتدخل العسكري الأميركي في المنطقة لأسباب يمكن فهمها. وهناك مخاوف من أن مثل هذا التدخل يحدث في العادة لدعم المصالح الإسرائيلية أكثر من دعمه للمصالح الأميركية نفسها. إنني اتفق مع الرأي القائل إن الإطاحة بالرئيس العراقي يصب في مصلحة إسرائيل لأن صدام يعمل على تطوير أسلحة دمار شامل يمكن أن تستخدم ضد إسرائيل. ولكن التساؤل الذي يطرح نفسه هو هل من الممكن أن تكون الإطاحة بصدام في مصلحة العرب إضافة إلى كونها في مصلحة إسرائيل؟ أما المسألة الثانية فهي أن غالبية العرب لا يريدون للأجانب أن يتدخلوا في الشؤون العربية، ومع ذلك ما الذي كان باستطاعة المنطقة أن تفعله بشأن العراق في السنوات العشرين الأخيرة؟

دعونا نناقش الظروف غير المواتية لصدام حسين. الأمر الأول هو هل يريد الشعب العراقي صدام حقيقة؟ كلا بالتأكيد، فصدام يضطهد شعبه بطريقة أسوأ من أي نظام عربي آخر في التاريخ الحديث من حيث عدد المسجونين والذين أعدموا أو قتلوا .. إلخ. إن هذه حقيقة يعرفها غالبية العرب. ولذلك فإن الشعب العراقي سيكون أحسن حالا بكثير بدون صدام حسين وحزب البعث الذي أوجد هذا النوع من النظام الستاليني. والأمر الثاني أن صدام جر بلده إلى حربين رهيبتين وغير مبررتين ضد جيرانه المسلمين مما أدى إلى مقتل مليون عراقي، فالشعب العراقي لا يحتاج إلى هذا النوع من المغامرة القاتلة. والمسألة الثالثة أن صدام حسين منع العراق من القيام بدور رئيسي في العالم العربي. إن الشعب العراقي من أكثر الشعوب العربية تعليما وتقدما بوجود نسبة عالية من المتعلمين والمثقفين، ولكم أن تتخيلوا ما سيبلغه حال العراق إذا أمكن تطوير البلد في جو من الحرية والانفتاح وأصبح لاعبا مهما في العلاقات الدولية، ليس من الناحية العسكرية فقط وإنما أيضا من النواحي السياسية والاقتصادية والثقافية.

إن المشكلة المتعلقة بأسلحة الدمار الشامل لا تتمثل في الأسلحة ذاتها وإنما في الذي يملك هذه الأسلحة، فكيف يستخدم صدام هذه الأسلحة؟ وهل جيران صدام مطمئنون إليه وإلى سياساته؟ هل هو جار جيد؟ وهل يمكن الثقة به؟ من هم الضحايا المحتملون لأسلحته؟ إنه من المفارقات القول إن الغرب ربما يكون أقل خوفا من امتلاك العراق لهذه الأسلحة إن كانت هناك قيادة جيدة في العراق غير القيادة الحالية، فواشنطن قبلت على مضض فكرة وجود أسلحة نووية في باكستان. إن الخوف الكبير من باكستان لا يكمن في وجود أسلحة نووية لديه وإنما في احتمال وقوع هذه الأسلحة بأيدي قيادة خطيرة مثل بعض المنظمات الإسلامية الجهادية الراديكالية المستعدة لشن حرب على الهند. وهكذا من الممكن أن تتضاءل المعارضة الدولية الحالية لقوة العراق العسكرية وترسانته التسليحية إذا ما أطيح بالرئيس صدام حسين وجيء بحكومة جيدة في بغداد.



وجود القوات الأميركية في منطقة الخليج يعتبر عامل عدم استقرار فيها وتشجع على ظهور أشخاص من أمثال أسامة بن لادن. ومن المفارقة أن تكون العراق وإيران- الدولتان الأكثر عداء لأميركا- هما اللتان تسببتا في مجيء القوات الأميركية إلى الخليج

كما أن باستطاعتكم أن تتخيلوا قوة دول الخليج إذا تمكنت من إدارة شؤون أمنها بنفسها دون تدخل غربي. فإذا ما جاءت حكومة جيدة في العراق وفي إيران فقد يظهر نوع من الناتو الخليجي تستطيع بموجبه دول الخليج من التعاون فيما بينها بشأن المسائل الأمنية دون الحاجة إلى قواعد عسكرية أميركية أو وجود عسكري أميركي في المنطقة. وسأكون سعيدا جدا لرؤية القوات الأميركية تغادر منطقة الخليج، لأنني أعتقد أنها عامل عدم استقرار في المنطقة وتشجع على ظهور أشخاص من أمثال أسامة بن لادن. أما اليوم ومع وجود حاكم كصدام لا توجد طمأنينة في أي مكان في المنطقة. ومن المفارقة أن تكون العراق وإيران- الدولتان الأكثر عداء لأميركا- هما اللتان تسببتا في مجيء القوات الأميركية إلى الخليج. فبدون صدام وبوجود إيران مسالمة ليس للولايات المتحدة أي عذر أو حاجة لإقامة قواعد عسكرية في المنطقة.

وأخيرا لماذا هذه التوترات بين العراق والدول المجاورة له؟ لماذا التوتر بين العراق وسوريا- الدولتين اللتين لا تتوقفان عن الحديث عن الوحدة العربية-؟ لماذا هذا العداء الشديد بين حزبي البعث العربي الوحدوي في سوريا والعراق اللتين تحدان بعضهما ولماذا هذه الشكوك بينهما؟ فلو كان في بغداد حكم جيد ومنفتح وديمقراطي لكان العداء بين الدولتين أقل ولربما رأينا انفتاحا في العالم العربي. إن العراق اليوم عبارة عن "دولة مخابرات" كلاسيكية تهيمن فيها المخاوف الأمنية على سياسة النظام. إن مثل هذه الأنظمة تتطلب "حذرا" لا ينتهي من "أعداء الدولة" ومن "خونة القضية العربية" المدعومين من الخارج. إنني أعتقد أن هذا هو أحد الأسباب الرئيسية للضعف العربي اليوم والعراق ليس وحده في هذا المجال. وقد تكون قوة العراق العسكرية على المستوى الإقليمي كبيرة، لكن الدولة في الحقيقة ضعيفة وهشة تفتقر إلى المؤسسات القوية والدعم الشعبي. كما أن المجتمع العراقي ضعيف ويفتقر إلى الثقة. ولا يمكن للعراق أن يكون قائدا في أي شيء باستثناء الحرب. إن ما يحتاجه العالم العربي هو القوة الحضارية التي تأتي من خلال مجتمع منفتح يشجع مواطنيه على الولاء للوطن وينمي مواهبهم.

ولذلك هل من المهم الادعاء بأن إسرائيل قد تكون المستفيدة من الإطاحة بصدام حسين؟ إن السؤال الحقيقي هو: هل سيستفيد العرب من مثل هذا العمل؟ قد يظن بعض القراء أنني أقدم هنا "دعاية" للإسرائيليين أو للرئيس بوش، لكن ذلك غير صحيح، فأنا متعاطف مع سعي العرب من أجل القوة والكرامة والتقدم الحضاري. إنني أعتقد أن صدام حسين أحد أكبر العوائق التي تحول دون تحقيق العرب لمستقبل أفضل. كما أن صدام ليس هو الوحيد، فهناك أنظمة عربية أخرى تحتاج لسياسة الانفتاح والتحرر والديمقراطية، إلا أن النظام العراقي هو الحالة الأسوأ بين هذه الأنظمة.

أكرر مرة أخرى إنني لا أحبذ ضرب العراق اليوم كجزء من الحرب على الإرهاب، كما أنه يجب عدم تنفيذ أي عمل ضد النظام العراقي قبل إيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية. لكن مشكلة صدام حسين تبقى ولذلك يجب على الجميع في المنطقة دراسة هذه المشكلة الخطيرة بصراحة. وسيكون من الأفضل لو أن المنطقة نفسها هي التي تقوم بهذا التغيير وليس قوة قادمة من الخارج.

للمشاركة بالرأي والتعليق

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة