أزمة الوطنية العربية وتحدياتها   
الأحد 20/10/1427 هـ - الموافق 12/11/2006 م (آخر تحديث) الساعة 16:24 (مكة المكرمة)، 13:24 (غرينتش)


أكرم البني

لا تزال لغة التوتر والعنف هي اللغة الرائجة في حياتنا حتى ليعتقد المرء أن ثمة سياسة منظمة أو تخطيطا مسبقا يتقصد حقن الخلافات وتأجيجها ودفعها إلى نهايتها القصوى نحو الاقتتال وإزهاق المزيد من الأرواح البريئة، وكأن مناخات التفاهم والتشارك وبرامج الإنقاذ ومشاريع بناء الوطنية العربية قد نضبت تماماً وكأن ليس من خيار لمواجهة ما صرنا إليه إلا العمل على تفكيك مجتمعاتنا وتغذية عناصر التدمير الذاتي فيها.

ولعل نظرة سريعة إلى تطور الصراع السياسي واحتدامه في غير مكان، في العراق وفلسطين ولبنان تدل بالفعل على الفقدان التدريجي لمقومات الحياة المشتركة وتراجع معايير المصلحة الوطنية الجامعة تجاه دور الدولة وتجاه الخارج.

"
نظرة سريعة إلى تطور الصراع السياسي واحتدامه في غير مكان، في العراق وفلسطين ولبنان تدل بالفعل على الفقدان التدريجي لمقومات الحياة المشتركة وتراجع معايير المصلحة الوطنية الجامعة تجاه دور الدولة وتجاه الخارج
"
فبدل أن تكون الدولة غاية ومحط إجماع صارت وسيلة أو مطية يعمل البعض على رفع دورها إلى أعلى المستويات أو يخفضه إلى الأدنى تبعا لما تتطلبه مصلحته السياسية الخاصة، مثلما ينمو الاستعداد لدى البعض الآخر للارتباط وحتى للالتحاق بأحد مراكز التأثير الخارجي مخضعاً دون خجل أو تلكؤ، مستقبل الوطن ومفهوم الوطنية للعبة الصراع الإقليمي والعالمي.

فأي أسباب يمكن أن تبرر اندفاع أبناء الشعب الواحد لقتل بعضهم البعض، دون رأفة أو شفقة، على الهوية الدينية؟ وأي دوافع يمكن أن تفسر هذه الشحنة الهائلة من الحقد والكراهية التي تعم الشارع العراقي ليغدو دم الصديق والجار مباحاً ومهدوراً لمجرد انتمائه إلى طائفة أخرى أو مذهب مختلف؟ ثم أي أسف وأسى يعتمل في النفس حين تصبح إحدى مهمات قوات الاحتلال الأميركي في العراق هي منع اندلاع حرب أهلية؟

وفي فلسطين صارت عبارات التطمين -التي درج استخدامها بأن الاقتتال الأهلي هو واحد من المحرمات- موضع شك وارتياب كبيرين مع ازدياد الاحتقان والتأزم وحضور التعبئة الاقصائية وبعض عمليات التصفية والاغتيال، وكأن العوامل السياسية والأخلاقية التي شكلت ما يسمى "الحصانة الفلسطينية" هي إلى زوال أو إلى إهمال أمام قوة حضور المصالح الحزبية والإصرار الأعمى على حمايتها والدفاع عنها بكل الوسائل المتاحة، وكأن ليس من احتلال إسرائيلي ينكل يومياً بالفلسطينيين ويتوغل كيفما شاء قتلاً وتدميراً، وكأنه لم تعد من قيمة تؤخذ بالحسبان لشدة ما يكابده هذا الشعب المنكوب وسيل التضحيات الغزيرة التي يقدمها.

ثم ها هو الأمل في توصل اللبنانيين إلى صيغة ديمقراطية للتعايش يسير نحو التبدد بسرعة ربما تضاهي سرعة إعادة إنتاج الاحتقانات وأجواء التحدي الطائفي والسياسي.

وبدل أن تعزز اللحمة الوطنية التي عرفها هذا البلد أبان الحرب الإسرائيلية الأخيرة بدأ تفكيكها لصالح إحياء البنى المتخلفة وعلى حساب الثقة بالدولة ومؤسساتها ودورها العمومي في ضمان وحدة البلاد وحماية حدودها وتسوية علاقاتها الخارجية.

ما ينذر باحتمال انفلات الأوضاع وتنامي الأسباب ذاتها التي أججت فيما مضى الاقتتال الأهلي وتحديداً إذا أصرت أطراف لبنانية على وضع مصلحتها الخاصة ومصلحة حلفائها فوق مصلحة البلاد وأهلها.

في البدء كان يمكن تسويغ هذه الظواهر بأنها مخاض لابد أن تمر به هذه البلدان للتخلص من عفنها ونتن ركودها المديد ولبناء الوطنية الحقة، لكن اليوم ونحن نرى النتائج المؤلمة وما يرجح أن تفضي إليه من ترد وانحطاط، ليس ثمة ما يدعو للتفاؤل وتبدو الفرص ضائعة ومبددة لبناء نظام سياسي تعددي على قدر من الصدقية.

"
لا نتسرع أو نبالغ عند القول إن منطقتنا ومع الإقرار بعلاقة التأثير المتبادل بينها وبين محيطها الإقليمي والعالمي، تبدو اليوم أشبه بميدان اختبار تجريبي للصراع بين مشروعين أميركي وإيراني تشتد المنافسة بينهما للسيطرة أو تشارك السيطرة عليها
"
فهناك شرخ كبير لا يزال قائماً بين هذا الحلم الوطني النبيل والواقع، وبرغم أن هناك عوامل متعددة لا تزال مؤثرة وفاعلة وربما حاسمة في تقرير مصير هذه المجتمعات لكن ما كان لصراعاتها أن تبلغ اليوم هذا القدر من التوتر والاحتقان والعنف لولا تضافر سببين رئيسين، موضوعي وذاتي.

موضوعياً، ثمة مصالح ومطامع إقليمية ودولية تحاول توظيف الخلافات المحلية وتفعيلها ودفعها خارج سياق الحلول الطبيعية، وليس خافياً على أحد حضور مشاريع خارجية في اللحظة الراهنة تفرض على بعض القوى المحلية اختيارات ومواقف تأتي غالباً على حساب المصالح الوطنية وتغفل حقيقة الظروف الخاصة التي تعيشها.

ولا نتسرع أو نبالغ عند القول إن منطقتنا ومع الإقرار بعلاقة التأثير المتبادل بينها وبين محيطها الإقليمي والعالمي، تبدو اليوم أشبه بميدان اختبار تجريبي للصراع بين مشروعين أميركي وإيراني تشتد المنافسة بينهما للسيطرة أو تشارك السيطرة عليها، بل وربما يصبو كل منهما للتفرد في رسم صورة لمستقبلها بما ينسجم مع مصالحه وأغراضه، مهدداً مقومات البنية الوطنية في عدد من مجتمعاتها.

المشروع الأميركي لا يزال يمهر بطاقة مروره لتغيير المجتمعات العربية بختم الديمقراطية مغازلاً توق الناس إلى الحرية بعد مكابدة مزمنة من شتى صنوف القهر والاستبداد، لكن أصحابه إذ باتوا يعرفون جيداً النتائج السلبية التي أسفرت عنها هذه الطريقة من نشر شعارات الحرية وحقوق الإنسان والخوض، حرباً أو سلماً، في مساعي تغيير ما هو قائم.

فربما لا يعرفون ما أضافته مثل هذه الشعارات من صعوبات وتعقيدات على شروط عمل الديمقراطيين العرب ومشروعهم للتغيير، والأمر لا يرجع فقط، إلى سمعة السياسة الأميركية وانعدام الثقة بصدق نواياها ودوافعها بسبب احتلال العراق وما رافقه من انهيارات مروعة أو بسبب الدعم غير المشروط للعدو الصهيوني وجرائمه وأخرها تغطية عمليات القتل والتدمير العشوائي في الحرب على لبنان.

وإنما أيضاً، بسبب تاريخ لم ينس كانت فيه الولايات المتحدة الداعم الرئيس لأنظمة الاستبداد والتسلط وحجر عثرة أمام حلم الشعوب العربية وتطلعاتها نحو التقدم والحرية والازدهار, في حين يتوسل المشروع الثاني بالقضية الفلسطينية وراية رفع التمييز والظلم الذي يحيق بالإسلام والمسلمين في محاولة لاستمالة الشعور الشعبي، وطنياً ودينياً، وتغذيته لضمان التمدد والسيطرة.

وإذا كان العزف على وتر معاناة الشعب الفلسطيني وما أحيق به من ظلم تاريخي قد أفضى إلى مكاسب ملموسة في التعبئة والتجييش على قاعدة تعنت وعنجهية العدو الصهيوني وما خلفته مرارة التجربة الإيديولوجية القومية والهزائم المتعددة التي منيت بها، فإن الادعاء بنصرة حقوق الإسلام والمسلمين لم تثمر الثمار ذاتها.

"
إذا كان العزف على وتر معاناة الشعب الفلسطيني وما أحيق به من ظلم تاريخي قد أفضى إلى مكاسب ملموسة في التعبئة والتجييش على قاعدة تعنت وعنجهية العدو الصهيوني, فإن الادعاء بنصرة حقوق الإسلام والمسلمين لم تثمر الثمار ذاتها
"
ربما بسبب خصوصية التميز المذهبي أو ربما بسبب الارباكات والأزمات التي تعاني منها التجربة الإيرانية ذاتها على غير صعيد ولا يغير من هذه الحقيقة هروب قادتها إلى الأمام في سياسة هجومية للالتفاف على هذه الأزمات أو تأجيل معالجتها والعمل على دغدغة مشاعر الناس بطموح إقليمي لإعادة الماضي الإمبراطوري إلى سابق زهوته.

يتجلى الأمر في المجاهدة لامتلاك برنامج نووي يمكن إيران من القول للعالم أجمع إنها القوة العسكرية الأكبر والأقوى في المنطقة ويجب أن يحسب الحساب لوزنها ومصالحها، إلى جانب استمرار سعيها لبسط اليد بعيداً، عبر تأكيد تحالفها مع سوريا والإفادة من أي فرصة لتعزيز دورها في العراق وتداخلها في الوضع اللبناني كما التأثير على بعض الفصائل الفلسطينية، واستخدام كل هذه الأوراق عند اللزوم في صراع النفوذ الإقليمي حتى لو كان الثمن اللعب بمصير شعوب وتقرير مستقبل أوطان.

وطبعاً ما كان لهذين المشروعين أن ينفردا في الصراع على المنطقة لولا حاجتها فعلاً لصياغة مختلفة لأوضاعها وأحوالها بعد انهيار قواعد الحرب الباردة، ولولا الفراغ الكبير الذي وفره استمرار التخلف العربي والتردي على مختلف الصعد، وعجز مختلف الأنظمة عن الانفتاح على شعوبها وعن التكيف مع ما حصل من مستجدات إقليمية وعالمية، ناهيكم عن نجاح القمع والاستبداد في تحطيم القوى الحية وسحق دورها الواعد في المجتمع.

الأمر الذي يقود إلى الأبعاد الذاتية لأزمة الوطنية وفي القلب منها تعدد الأمراض التي تعانيها النخب السياسية والثقافية الفاعلة في المجتمعات العربية، بدءاً من ادعاء بعضها امتلاكه الحقيقة الكاملة التي لا يأتيها الباطل من أمامها أو ورائها، مروراً باندفاع البعض الآخر في سياسات ضيقة وحسابات أنانية همها تسخير الوطن والشعارات الوطنية لتعزيز النفوذ الخاص الذي يحوزه في توازنات السلطة أو المجتمع.

انتهاءًً باستسهال إقامة دويلات خاصة داخل الدولة، يتغذى دورها من شبكة معقدة من المصالح تتمركز داخل الجماعات السياسية، منتهزة فرصة ضعف المجتمع المدني وتفشي حالة من اليأس والإحباط تعم الشارع وتسهل نشر الأحقاد والكراهية والطعن بالآخر.

وبالتالي لا خير يرتجى في معالجة أزمة الوطنية العربية ما دام ثمة سلطات تحكم لا يهمها سوى امتيازاتها وتحويل الوطن إلى ملكية خاصة، وتشجيع اندفاع الناس نحو ملذات متخلفة، طائفية ومذهبية وعشائرية، لتسهيل السيطرة عليهم، وما دام هناك رؤية قاصرة لمفهوم الوطن تختزل فكرته في مقاومة إسرائيل أو المطامع الخارجية، وتهمل جوهره في العمل على صنع أوطان حرة ومتطورة يعتز بها وتشكل موضوعياً رابطاً قوياً بين الإنسان ومجتمعه.

"
نعيش اليوم في واقع لم يعد يستطيع الاستمرار بالصورة التي هو عليها إلا ويجر خلفه مزيداً من البؤس والانحطاط، وبعبارة أخرى فإننا نعيش في مجتمعات تحتاج بالفعل إلى أن تكون جديدة، وتحتاج تالياً إلى إعادة صياغة وترشيد مكوناتها ومقومات تطورها
"
أوطان تثق بأن الخلاص جمعي وأن التقدم لا يتحقق إلا بجهود الجميع، ربطاً بالاستعداد الكامل لتقديم التنازلات المتبادلة في صالح روح التعايش والتوافق وبالتمسك بموقف حازم من المشاريع الإقليمية والعالمية وتداخلاتها أياً كانت نسبة التقاطع الموضوعي مع هذه المشاريع وما يعنيه ذلك من عدم التفريط بالوضع الداخلي لصالح خيار خارجي، وتالياً التقدم لمنح الدولة ومؤسساتها الديمقراطية دورها المركزي والعمومي لإدارة المجتمع وضمان مسار تطوره وتقدمه.

ولنعترف أننا نعيش اليوم في واقع لم يعد يستطيع الاستمرار بالصورة التي هو عليها إلا ويجر خلفه مزيداً من البؤس والانحطاط، وبعبارة أخرى فإننا نعيش في مجتمعات تحتاج بالفعل إلى أن تكون جديدة، وتحتاج تالياً إلى إعادة صياغة وترشيد مكوناتها ومقومات تطورها.

لكن ليس من زاوية إعادة رسم الجغرافيا السياسية، كما يعتقد البعض، أو نشر الفوضى وتأجيج الصراعات المتخلفة والمدمرة كما يسعى البعض الآخر، بل من خلال العمل جدياً على بناء وتعميم رؤية وطنية يكون عمادها الثقة بدور الإنسان وقدرة المجتمعات الحرة على تحصيل حقوقها المسلوبة ومواجهة تحديات التنمية والتطور.

فلم يعد مقبولاً بعد أكثر من عقد ونصف من انهيار الدول الاشتراكية وسيطرة القطب الواحد الأميركي إتباع القواعد ذاتها التي أرستها الحرب الباردة والعيش على أوهام توازناتها، مثلما لم يعد مقبولاً إهمال الخيار الديمقراطي في بناء الوطنية بما هو الثقة بدور البشر في تقرير مصيرهم وتقديم أولوية الحوار والتوافق ضد مظاهر الاقتتال وأعمال العنف.

وهو ما يعني فتح الباب واسعاً أمام زمن جديد لإدارة الصراع سلميا، لا تسلب طعم الحياة فيه ثقافة الإرهاب ومظاهر التدمير المنظم، أو يشوهه خطاب أيديولوجي إقصائي يجد المعادلة المجدية في ممارسة السياسة هي المكاسرة والقوة العارية والتوعد بإلحاق المزيد من القتل والتدمير دون النظر إلى الجدوى أو إلى الثمن الذي قد تدفعه مجتمعاتنا لجهة استنزاف مقدراتها ومحفزات تطورها.

هو خطاب يتقصد إبقاء البلاد في حالة استنفار، أو مأسورة أبداً بوضع استثنائي يشغلها عن مهامها التنموية ومعالجة مشاكلها الداخلية، مسوغاً المحافظة على الواقع القائم وثبات الامتيازات وعناصر الهيمنة والتسلط.

وبمعنى آخر لم يعد مقبولاً فصل مسارات التنمية والتحديات الوطنية عن المسألة الديمقراطية والحداثة السياسية سواء من زاوية مفهوم المواطنة وبناء المؤسسات السياسية الدستورية والتمثيلية وإحلال قيم المشاركة ورفض تهميش الناس ودورها في الحياة العامة، وسواء ببعدها المتعلق بالتوزيع العادل للثروة والاقتصاص من الفساد.

"
المجتمعات المنقسمة على مفهوم الوطن وعماده الدولة الديمقراطية الجامعة والتي ترهن سياساتها ومواقفها لحركة التجاذبات الإقليمية والدولية، هي مجتمعات بلا شك تسير نحو التخلف والانحطاط
"
إن المجتمعات المنقسمة على مفهوم الوطن وعماده الدولة الديمقراطية الجامعة والتي ترهن سياساتها ومواقفها لحركة التجاذبات الإقليمية والدولية، هي مجتمعات بلا شك تسير نحو التخلف والانحطاط.

وتبقى الفرصة الأخيرة المتاحة في أن تبادر مختلف القوى والفعاليات ودون استثناء، للقيام بمراجعة نقدية لسياساتها جوهرها الاستناد إلى هويتها الوطنية المشتركة وفتح آفاق حقيقة للتفاهمات والتوافقات وخاصة لجهة عقد تسويات يتراجع معها الصراع حول الخيارات الإقليمية والدولية لمصلحة الصراع من أجل وطن أفضل وبلد أجمل.

صراع تتنافس خلاله المشاريع الوطنية على تطوير المجتمع وسبل تنمية الدولة العصرية والنظام الديمقراطي وحقوق المواطنين، وعندها يتمكن الحقلان الاقتصادي والاجتماعي من استعادة أهميتهما وحيويتهما على حساب الواقع المشحون أيديولوجياً والمحتقن بالتحزب السياسي الأعمى، وتغدو الشروط أوفر والإمكانيات أنجع لاسترداد الحقوق الوطنية كاملة وغير منقوصة.
ـــــــــــ
كاتب سوري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة