تذبذب السياسة الأميركية تجاه العراق   
الأحد 1425/8/18 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:10 (مكة المكرمة)، 17:10 (غرينتش)

بقلم/ غراهام فولر

بعد عدة أشهر تخللتها لغة عنيفة جدا من البيت الأبيض ضد الرئيس العراقي صدام حسين، نشر قبل يومين مقال غير عادي في كل من نيويورك تايمز وواشنطن بوست يقول إن كبار قادة الجيش الأميركي أوصوا الرئيس بقوة بأن يؤجل غزوا أميركيا للعراق حتى العام القادم أو حتى يغض الطرف عن المسألة تماما. ويعكس هذا التصريح آلية تفكير القيادة العسكرية في البنتاغون وليس القيادة المدنية فيه من أمثال وزير الدفاع رمسفيلد ونائبه وولفوتز.


يقدر الجيش الأميركي حاجته لأكثر من 200 ألف جندي لغزو العراق والإطاحة بنظام الرئيس صدام حسين وهو أحد أسباب تردد الإدارة الأميركية في ضرب بغداد إضافة إلى المخاوف من استخدام الرئيس العراقي لأسلحة بيولوجية وكيمياوية ضد القوات الأميركية
ويقول المقال أن الجيش الأميركي يعتقد أنه بحاجة إلى قوة غزو ضخمة من 200 ألف جندي، وهو عدد يزيد كثيرا جدا عما يعتقده بعض صناع السياسة (والواقع أن بعض الساسة ومحللين من الجناح اليميني كتبوا يقولون إنهم يعتقدون بأن الحملة للإطاحة بصدام حسين لن تكون أصعب بكثير من العملية التي أطاحت بحركة طالبان، وأعتقد أن ذلك غير صحيح). كما أعرب الجيش عن مخاوفه من أن صدام حسين ربما يستخدم كل الأسلحة المتوفرة لديه إذا ما اضطر للقتال دفاعا عن نفسه بما في ذلك الأسلحة الكيمياوية والبيولوجية من أجل الحفاظ على نظامه، على عكس ما حدث في عام 1991 عندما كان الهدف هو إخراجه من الكويت فقط. كما يخشى الجيش الأميركي أن حملة كهذه قد تنتهي بقتال من منزل إلى منزل داخل بغداد نفسها، وهو ما سينتج عنه خسائر كبيرة في صفوف القوات الأميركية والمدنيين العراقيين. وعلى الرغم من أن المقال لم يذكر ذلك صراحة، فإن الجيش الأميركي يعي تماما حالة العداء التي سيجابهها في حالة هجومه على العراق من جانب غالبية دول الخليج التي يحتاج البنتاغون إلى تعاونها معه في أي عملية واسعة ضد الرئيس العراقي.

وهذا التقرير الذي من الواضح أن الجيش هو الذي سربه، تقرير غير عادي لأنه يعارض علنا القرارات السياسية في البيت الأبيض، فمثل هذا النقاش في العادة يظل داخل أروقة البنتاغون، لكن تسريب هذه الآراء يدل على وجود خلاف كبير حول السياسة الأميركية بشأن العراق وتعارض آراء الرئيس بوش.

وواجه الرئيس بوش من دون شك معارضة قوية لخططه بشأن العراق من القادة الأوروبيين خلال جولته الحالية في أوروبا. وحتى رئيس الوزراء البريطاني توني بلير الذي يعتبر داعما قويا لغالبية خطط الرئيس الأميركي في الحرب على الإرهاب، طالب بأن يكون أي هجوم على العراق من خلال الأمم المتحدة.

وبالطبع فإن القرار النهائي بشأن العراق لا يعتمد على الجيش الأميركي وإنما على الرئيس نفسه. إلا أن هناك الكثير من المؤشرات على أن بوش ليس لديه خطط مبكرة للتحرك ضد صدام حسين، مع أنه يرغب بذلك، فمنطقة الشرق الأوسط تظل مشتعلة وقليل من الحلفاء يدعمون هذه الخطط، كما أنه لا يوجد تخطيط جدي لمرحلة ما بعد نظام صدام. وكل ذلك يقود في النهاية إلى الرأي القائل بأن خطط إدارة بوش بشأن الشرق الأوسط تظل غير واضحة وغير محددة الاتجاه. ويبدو أن الرئيس يرسم السياسات بدون أن تتضح له الرؤية على المدى البعيد. وقد يكون واضحا من حيث رغبته في وقف كل أشكال الإرهاب لكن العالم يثبت أنه معقد أكثر مما يتمناه الرئيس ولذلك فإن هذا العالم يضع قيودا ومعوقات أما حرية بوش في العمل.


خطط ضرب النظام العراقي من الداخل لم يكتب لها النجاح في الماضي ومن غير المحتمل نجاحها في أي محاولة جديدة، والاعتماد على السي آي أي وحدها في هذا الجانب مسألة غير واقعية
إن أحد جوانب النقاش داخل الإدارة الأميركية يدور حول إمكانية الإطاحة بصدام حسين بطرق غير عسكرية مثل دعم انقلاب من داخل العراق، أو دعم قوة عسكرية متمردة تتحول تدريجيا إلى حملة عسكرية إما من شمال العراق أو جنوبه وتلقى الدعم على الأرض وتشجع وحدات من الجيش العراقي على التخلي عن صدام حسين والانشقاق ثم الانضمام إلى جانب المعارضة. إلا أن مثل هذه الخطط لم تنجح في الماضي وتبدو صعبة التطبيق اليوم، كما أن تحميل المخابرات المركزية الأميركية مسؤولية كاملة في التخلص من نظام الرئيس صدام يبدو هو الآخر عملا غير واقعي.

وفي نفس الوقت، هناك على الأقل جهتان عربيتان رئيسيتان تؤيدان أهداف الإدارة الأميركية ضد الرئيس صدام: الأولى جميع الكويتيين تقريبا والذين يفضلون الإطاحة بصدام حسين الذي يعتقدون أنه مازال قادرا على غزو الكويت مرة أخرى، وهم يعتقدون ضرورة ألا تتأخر الحملة الأميركية ضد صدام حسين.

أما الجهة الثانية فهي عدد كبير من العراقيين في الخارج، في الشرق الأوسط وبريطانيا والولايات المتحدة والذين يريدون التحرك بأسرع وقت ممكن ضد صدام. ويشعر هؤلاء بالإحباط نتيجة تأجيل الولايات المتحدة تنفيذ خططها. وقد تناقشت معهم بشأن هذه المسألة في مؤتمر كبير عقد في واشنطن الأسبوع الماضي عن كيفية بناء عراق ديمقراطي في المستقبل. وكما قلت في مقالات سابقة، فإنني أعتقد أن الشرق الأوسط سيكون مكانا أفضل بسقوط نظام الرئيس صدام وعائلته، لأنه ببساطة أسوأ من كثير من الأنظمة الديكتاتورية التي تمنع العالم العربي من التطور نحو مجتمعات قوية ومستقرة وديمقراطية مسؤولة في المستقبل. لكني أعتقد أن عملية الإطاحة بصدام حسين ليست ممكنة الآن بسبب المشكلة الفلسطينية التي تأخذ أولوية أكبر من حيث ضرورة حلها بأسلوب عادل قبل أن تقوم الولايات المتحدة بأي عمل آخر في الشرق الأوسط. والواقع أن الولايات المتحدة لن تكون لها مصداقية في الشرق الأوسط دون أن تعمل على إقامة حل عادل.

لكن هؤلاء العراقيين يجادلون أن معاناتهم كشعب ليست أقل من معاناة الفلسطينيين ويتساءلون لماذا ينبغي أن يكون حل الموضوع العراقي مرهونا بالتوصل إلى تسوية في فلسطين. وهم مهتمون في إعادة بناء عراق جديد ديمقراطي ومزدهر كأولوية لهم، وقد تحدثوا عن حاجات العراق بالمقام الأول وليس الحاجة إلى "الوحدة العربية". إن جميع هؤلاء العراقيين تقريبا الذين يعيشون في الخارج، في الغرب والشرق الأوسط على وجه الخصوص، أوضحوا نقطة أعتبرها مهمة، فهم يقولون إن العرب يمارسون سياسة المعايير المزدوجة في نقدهم للمعاناة العربية في المنطقة. إنهم يقولون إن الإعلام العربي يتحدث كثيرا عما يحدث للفلسطينيين. ومع أنهم يتفهمون ذلك، إلا أنهم يتساءلون لماذا لا يتحدث الإعلام العربي أيضا عن مقتل عشرات آلاف العراقيين على يد نظام صدام حسين. إنهم يشيرون إلى وجود صمت مطبق في العالم العربي بخصوص جرائم صدام.

هناك بعض الحقيقة في هذه التهمة، لكن عندما يتهم الناس الولايات المتحدة بازدواجية المعايير بخصوص كثير من القضايا في الشرق الأوسط- وأنا أتفق معهم في ذلك- لابد أن يعرفوا عن وجود ازدواجية في المعايير في الشرق الأوسط بشأن العراق، فلماذا تلزم وسائل الإعلام العربية الصمت تجاه سياسات النظام العراقي؟

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة