العنصرية في روسيا.. جريمة بلا عقاب!   
الأحد 1425/11/1 هـ - الموافق 12/12/2004 م (آخر تحديث) الساعة 16:13 (مكة المكرمة)، 13:13 (غرينتش)
 
دخل الطالب الإثيوبي تادل جبرائيل إلى قسم شرطة في العاصمة الروسية غارقا في دمائه بعدما اعتدى عليه العنصريون الروس طالبا النجدة، فبادره الضابط المسؤول: ماذا تريد أيها الأسود؟ ألا تدري أننا لا نوزع هنا موزا على القرود؟!
 
الحادثة السابقة رواها الضحية بنفسه لمراسل BBC الناطقة باللغة الروسية (يوم 8/2/2004) وذلك في تغطية الشبكة لظاهرة تتفشى كالسرطان في المجتمع الروسي اصطلح الباحثون على تسميتها بالفاشية الجديدة.
 
قبل التفاصيل، لابد أن نعود إلى مطلع سبتمبر/ أيلول الماضي حينما انتهت مجزرة بيسلان بمئات القتلى، فحينها حذر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من أن الحادثة ستؤدي إلى تناحر عرقي بين القوميات في شمال القوقاز.
 
وكان مفهوما ما الذي تخبئه كلمات الرئيس الروسي. وانتظر المراقبون وقوع صدام عرقي في شمال القوقاز بين الشيشان والأوسيت أو صدام ديني بين المسيحيين والمسلمين في الجمهورية التي شهدت المذبحة. ولكن الأسابيع التي تلت أثبتت خلاف ما لمح إليه بوتين.
 
فقد وقع التناحر بين القوميات في روسيا حقيقة، ولكن ليس في شمال القوقاز بل في أكبر المدن الروسية: موسكو وسان بطرسبرغ ويكاترنبرغ، حيث تمكن المتطرفون الروس منتصف أكتوبر/ تشرين الأول الجاري من قتل ثلاثة من قوميات آسيوية في أسبوع واحد وذلك بعدما أحرقوا خمسة محال تجارية للقوقازيين في مدينة يكاترنبرغ وسط روسيا.
 
وبهدوء لا يتناسب مع وحشية الجريمة، تناقلت وسائل الإعلام الروسية كيف قامت مجموعة من الشباب الروس بذبح طالب فيتنامي وتقطيعه إربا إربا، وهو مصير مشابه لما لقيه أوزبكي وصيني على يد نفس الجناة وفي ذات الأسبوع.
 
وحينما عرضت صحيفة أزفيستيا لحوادث القتل الثلاث عرجت على ما وقع في مارس/ آذار الماضي للطالب السوري الذي دفعه النازيون أسفل عجلات القطار حينما كان يقف مسالما على رصيف المحطة فتحول إلى أشلاء في لحظات.
 
وقبلها بشهر واحد لم تكن دماء الطفلة الطاجيكية قد جفت حين ذبحها النازيون الروس أمام أعين أبيها الذي سقط مغشيا عليه.
 
يمكننا أن نسترجع مسلسلا لا ينتهي من مصارع وجروح مئات المهاجرين في روسيا على يد النازيين الذين شحنتهم عنصرية إرهابية لا تثأر لقضية وإنما تحركها كراهية للون بشرة حملها أبرياء جاؤوا للدراسة أو للعمل من دول إسلامية وأفريقية وآسيوية. أما الجناة فما زالوا يعيثون في الأرض فسادا، يتربصون بضحيتهم القادمة.
 
"
سكوت السلطة الروسية عن ملاحقة العنصرية يأتي لإحلال التوازن في المجتمع الذي يريد الثأر لمقتل أبنائه
"
بين الرهبة والإرهاب
من الناحية النظرية يمكن أن تكون النشاطات العنصرية وليدة الخوف من تكاثر الأغراب في الدولة، فيتم مقابلة الخوف بالتخويف وإرهاب الأغراب لترك البلاد. لكن السؤال الآن: ما هي المخاوف التي دفعت بتيار من الحركة القومية الروسية إلى إرهاب الأجانب؟
 
لعل أكثر الدوافع التي يعول عليها الباحثون هي ظاهرة القوقازوفوبيا، أي الخوف من الأعداد المتزايدة من القوقازيين المتغلغلين في الحياة التجارية بالمدن الكبرى لدرجة أنهم يحتكرون تجارة التجزئة، وهو حضور يتجاوز مدلوله الاقتصادي إلى أبعاده النفسية والاجتماعية حيث يصطدم بهم المرء في كل ركن صغير في المدن الكبرى.
 
وتقدر صحيفة مسكوفسكي كومساموليتس (يوم 18/10/2004) أن هناك 15 مليون مهاجر بمهارات عمل عالية ومن جنسيات مختلفة تغرق سوق العمل الروسي في قطاعات مختلفة تعميرية وتجارية تتصدرهم الجالية القوقازية.
 
ويرتبط بالقوقازوفوبيا ظاهرة أكثر تفصيلا وهي الشيشانوفوبيا. ويقصد بها الخوف من الانتقام الشيشاني سواء بقتل الجنود الروس في أرض الشيشان أو بقتل عشرات المدنيين الروس في المدن الرئيسية.
 
وهنا قد يصدق البعض فكرة سكوت السلطة الروسية عن ملاحقة العنصرية لإحلال التوازن في المجتمع الذي يريد الثأر لمقتل أبنائه.
 
وتنضوي الظاهرتان السابقتان تحت رداء أكثر اتساعا مرتبط بالخوف من الإسلام أو الإسلاموفوبيا، وذلك في ظل مبالغة مقصودة تشي بتنامي مكانة الإسلام في المجتمع الروسي وتضاعف دوره السياسي.
 
ولعل واحدة من أكثر المشكلات التي تواجه القوميين المسيحيين في روسيا ذوي التوجهات المتطرفة ما يعلن عن تزايد عدد معتنقي الإسلام من السلافيين.
 
ففي حديث لموقع BBC الروسية على الإنترنت (15/10/2004) صرح ممثل مجلس الإفتاء الروسي الشيخ نفيع الله عشيروف أن ما بين 2500 و20 ألفا من أصول روسية اعتنقوا الإسلام خلال العام المنصرم فى مدينة موسكو وحدها. ويقدر الموقع الإسلامي الروسي "إسلام.رو" أن نصف هذا العدد من النساء.

وعلى هامش ثلاثية الخوف السابقة تقبع ظاهرة النيغروفوبيا، أي الخوف من تغلغل السود من الأفارقة والآسيويين في المجتمع الروسي وتزايد حالات الزواج والصداقة بينهم وبين الفتيات الروسيات.
 
"
تنامي الحركات المتطرفة يشكل تهديدًا للأمن القومي الروسي
"
وهنا تتداخل عوامل اجتماعية كالكبرياء العرقي لدى المتطرفين واستحقار الملونين لتدفع برياح إضافية في أشرعة الحركة العنصرية.
 
وترتبط أهمية العناصر السابقة بالأزمة الديمغرافية في الدولة، فعدد السكان يتناقص بمعدل يكاد يقترب من المليون نسمة سنويا سواء لأسباب تناقص المواليد (تأخر الزيجات، تفضيل الصداقات على الزواج وتعطيل الإنجاب، عدم الاستقرار الأسري والاجتماعي..إلخ)، أو الهجرة إلى أوروبا والولايات المتحدة وإسرائيل. وفي المقابل يتدفق على روسيا سنويا عدد لا توجد عنه إحصاءات ولو تقريبية.
 
ورغم وجود أسس أيدولوجية للتطرف القومي في روسيا، بعضها مرتبط بمبادئ التنظيم العنصري العالمي المعروف باسم "الدم والشرف" (Blood & Honor) فإن ذلك لا يخفي حقيقة هامة بسيطة وهي وجود خواء عقائدي وأخلاقي لم تفلح أية شعارات في ملئه بعد سقوط الشيوعية وبعد الكنيسة، ولا منعه من التغلغل الفعلي في المدرسة أو الجامعة.
 
يضاف إلى ذلك الخواء ترد اجتماعي يتصدره تفكك أسري وغياب مراقبة، ناهيك عن الفراغ المقترن بالفقر لدى قطاع واسع من الشباب الذي يستهويه تقليد العنف المتلفز والمقروء.
 
"
تاريخ روسيا تاريخ اعتماد إن لم نقل استغلال للقوميات الأخرى التي ضمت قسرا إلى حدودها
"
تطور الظاهرة
من خلال متابعة الظاهرة خلال إقامتي في روسيا حتى نهاية التسعينيات ومراقبة الشؤون الروسية خلال السنوات الماضية، يمكن القول إن العنصرية الروسية مرت بمرحلتين:

المرحلة الأولى (1996-2000)، وفيها ظهرت الحركة العنصرية مموهة تحت حزب قومي روج لنفسه إعلاميا، ثم شبت عن هذا الحزب جماعات عرفت باسم جماعات حليقي الرؤوس  أعلنت عن وجودها بمظهر مميز (سترات جلدية سوداء، رأس حليق، التسلح بالمدى والعصي، السير في مجموعات صاخبة) وبشعارات تصل إلى كل مكان تعلن "روسيا للروس فقط".
 
ثم تطور النشاط إلى إرسال خطابات تهديد بالقتل إلى نزل الطلاب ومساكن المهاجرين، ثم التحرش بالغرباء في الطرقات والجامعات والاعتداء عليهم بالسب، لتنتهي هذه المرحلة باعتماد الاعتداء الجسدي أسلوبا لترجمة الأفكار العنصرية.
 
المرحلة الثانية (2000-2004)، وفيها تأكد المتطرفون من غض السلطات الروسية الطرف عن نشاطهم فقويت قلوبهم وانتقلوا إلى مستوى قتل الضحايا وحرق أسواق الأجانب التجارية ونبش قبور المسلمين وحرق بعض مساجدهم.
 
وهكذا تمكن الفاشيون الجدد خلال هذه الفترة من قتل ما يزيد عن 100 شخص وجرح نحو ألف آخرين. وفي هذه المرحلة تكاثر عدد أفراد الجماعات الفاشية من أقل من 10 آلاف إلى 50 ألفا (جاء الرقم الأخير على لسان السفير الأميركي في موسكو أثناء نقده لتنامي العنف على أسس عرقية في روسيا).
 
كما توسعت الرقعة الجغرافية للمناطق التي ينتشر فيها الفاشيون الروس من أومسك في سيبيريا شرقا إلى كالينغراد في أقصى الغرب، لتمثل بهذا أكبر مساحة جغرافية ترتع فيها العنصرية في العالم.
 
وتطورت الأهداف من الأفراد إلى نزل الطلاب، فتمكن العنصريون –حسب شهادات الناجين- من إضرام النار في 250 طالبا مغتربا سقطوا بين قتيل وجريح في نوفمبر/ تشرين الثاني 2003 في حادث أعلنت السلطة الرسمية أنه تم بتماس كهربائي ولا علاقة له بالنشاط العنصري.
 
القومية وتفكيك الدولة الروسية
من لم يقرأ روائع دستيوفسكي عن دقائق حياة المجتمع الروسي في القرن التاسع عشر ربما يعرف مقولته المعبرة عن التعددية الثقافية في روسيا بقوله إن هذا البلد دوما يبدو أوروبيا للآسيويين وآسيويا للأوروبيين.
 
ويمثل الشعار الرسمي للدولة الروسية بعد سقوط السوفياتية طائرا له رأسان يرنو بأحدهما نحو الشرق ويتطلع بالآخر نحو الغرب، في دلالة بليغة على قبول التعدد في دولة أوروآسيوية تحتضن أكثر من مائة عرق وتعيش بين جوانحها عشرات الألسنة والمعتقدات.
 
أما اليوم فالصورة جد مختلفة، إذ تفيد استطلاعات الرأي التي أجرتها مؤسسات صحفية وأكاديمية (كمؤسسة "الرأي العام" الروسي) ارتفاع نسبة الشباب المتعاطفين مع الحركة العنصرية إلى 37%، وأن 16% من الشباب الروس مستعد  للمشاركة في حركة الفاشية الجديدة سواء بمقابل مادي أو اقتناعا بأيدولوجيتها.
 
ويجب ألا يغيب عنا ما تمثله القدوة السياسية لهؤلاء الشباب من أهمية كبرى، فأثناء حملته الانتخابية للرئاسة منافسا لبوتين في مارس/ آذار الماضي صرح نيقولاي خريتانوف بأن موسكو "يجب أن تطهر من الأغراب".
 
أما البرلماني الشهير جيرونيفسكي صاحب التوجهات القومية فحينما سئل في برنامج حواري على قناة RTR في الصيف الماضي عن التعددية الثقافية في روسيا والتي أفرزت شعراء عظاما مثل بوشكين، أجاب "ومن بوشكين هذا؟ ذلك الأسود الذي لا نعرف من أين جاء إلى روسيا!".
 
كما أن الرئيس الروسي لم يعد يوجه في خطبه للشعب الروسي أي نقد للجماعات العنصرية، وهو الذي أعلن في أبريل/ نيسان 2002 أن "تنامي الحركات المتطرفة يشكل تهديدا للأمن القومي الروسي، وأن المشتركين في إشعال العنف في البلاد وضرب وقتل الأجانب سينالون عقاباً كذلك الذي يناله أعضاء الجرائم المنظمة".
 
"
شعار "روسيا للروس فقط" هو الفرصة التي تنتظرها عشرات القوميات للاستقلال عن دولة تنتشر بها إرهاصات التفسخ وتعلق في سمائها سحب الحرب الأهلية
"
وإذا أضفنا إلى ما سبق تقاعس الشرطة عن ملاحقة هذه الجماعات وإطلاق يدها فيما تقوم به من أعمال إجرامية، فلن نستغرب عندئذٍ جواب زعيم الحركة العنصرية في مدينة يجينفسك (وسط روسيا) على سؤال صحيفة أزفيستيا واسعة الانتشار عن موقفه من حادثة ذبح الطفلة الطاجيكية في سان بطرسبرغ، حين قال "وما الغريب في هذا؟! السؤال هو: ماذا يفعل الطاجيك على أرضنا؟".
 
وفي النهاية لا يمكن إلا أن نقرر أنه رغم الذروة التي وصلتها الحركة العنصرية الروسية الآن فإنه مكتوب عليها الفشل في المستقبل المنظور، فما ينادي به القوميون من جعل روسيا للروس فقط هو مطلب يغالط مسار تاريخ روسيا وجغرافيتها في آن واحد.
 
فتاريخ روسيا تاريخ اعتماد إن لم نقل استغلال للقوميات الأخرى التي ضمت قسرا إلى حدودها، وجل الثروات النفطية والمعدنية التي تعتمد عليها روسيا الآن هي لدى  قوميات غير سلافية.
 
كما أن أهم المواقع الإستراتيجية لروسيا تقع في جمهوريات لا تسكنها أغلبية روسية كالقوقاز الشمالي والشرق الأقصى على الحدود الصينية واليابانية ومناطق الحدود مع فنلندا..إلخ).
 
إن شعار "روسيا للروس فقط" هو الفرصة التي تنتظرها عشرات القوميات للاستقلال عن دولة تنتشر بها إرهاصات التفسخ وتعلق في سمائها سحب الحرب الأهلية.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة