ماذا يعني التضامن مع الأسرى الفلسطينيين؟   
الاثنين 25/2/1434 هـ - الموافق 7/1/2013 م (آخر تحديث) الساعة 10:42 (مكة المكرمة)، 7:42 (غرينتش)
الأسير/ إبراهيم حامد



شهد العام ٢٠١٢ المنصرم في معظم فصوله حركة إضرابات فردية وجماعية أخذت صورة "ماراثونية" غير مسبوقة، ليس فقط في سجون الاحتلال، بل ربما في تاريخ حركات الاحتجاج داخل سجون العالم، الأمر الذي لفت الانتباه إلى ما تمثله حالة الأسرى في المعتقلات الصهيونية.

إضراب الأسرى لم ينجح فقط في إحياء قضيتهم الإنسانية العادلة؛ بل أحيا القضية الفلسطينية أيضا حيث وجدنا دوائر التضامن تتسع مع كل يوم

ورغم انشغال دوائر الإعلام والسياسة عن الشأن الفلسطيني في العامين الماضيين بسبب تحولات الربيع العربي العاصفة، مما أثار الاعتقاد بأن إضراب الأسرى أو أية فعالية نضالية أخرى تتعلق بالقضية الفلسطينية، سوف تتأخر في درجات الاهتمام، فإن المفاجأة تمثلت في أن إضراب الأسرى لم ينجح فقط في إحياء قضيتهم الإنسانية العادلة؛ بل أحيا القضية الفلسطينية أيضا، حيث وجدنا دوائر التضامن تتسع مع كل يوم إضراب جديد خاضه الأسرى في إضرابهم الجماعي في ربيع هذا العام، مما شكل في حينه أحد أهم عوامل الضغط على المؤسسة الأمنية الإسرائيلية لتسعى إلى تلبية مطالب الأسرى.

في الحقيقة شكل الفعل التضامني الذاتي في التجربة النضالية الفلسطينية النواة الأولى التي تؤدي إلى دحرجة أشكال التضامن ومراكمتها، وكانت السبب الجوهري في انفجار ثورات الفلسطينيين وانتفاضتهم، ولربما تأثر بهذه التجربة بقية العرب بعد أن سطر الفلسطينيون النموذج والأمثولة طيلة تاريخ العرب الحديث خلال المائة عام الأخيرة.

وقد لمسنا في إضراباتنا التي لم تتوقف هذا العام حالات تضامن في محيطنا الإسلامي والعربي والإنساني. تعاطفت معنا ومع ما نمثل من قيم تعكس حالة تضامن إنسانية، كما تكشف عن عمق تأثير القضية الفلسطينية في نفوس شعوب المنطقة والعالم.

وفي الحقيقة فإن حالة التضامن مع الأسرى الفلسطينيين إنما تحمل في طياتها مستويات من التضامن الذي طالما كانت القضية الفلسطينية تعيد إنتاجه باستمرار، ويمكننا هنا أن نشير إلى بعض ما يعنيه التضامن مع الأسير الفلسطيني.

أولاً: التضامن مع الأسير الفلسطيني يعني تضامنا مع القضية الفلسطينية التي تمثل ضميرنا والتي ضحى من أجلها المعتقلون بزهرات شبابهم والسنوات الطويلة من أعمارهم التي تجاوزت عند بعضهم الثلاثين عاما. هذه القضية التي لا تزال تحمل جميع عناصرها "رغم ما جرى في النهر من مياه" كقضية حق وعدل في وجه ظلم واغتصاب واستعمار، وقضية مركزية لأجيال العرب والمسلمين رغم زخم الأحداث العاصفة التي تمر بها منطقتنا، والتي تمثل في بعض تجلياتها إحدى مضاعفات القضية الفلسطينية المزمنة.

ربما اعتقد البعض أن تلك الأحداث ستغطي على القضية الفلسطينية وتدعها خلفها، مما جعل الناطقين باسم العدو يدّعون أن قضية صراع المسلمين والعرب معهم ليست هي أساس مشاكل منطقتنا، وأن هناك مشاغل وهموما جديدة أقوى منها غطت عليها.

دوائر التضامن التي واكبت إضراب الأسرى كذّبت جميع التخرصات الإسرائيلية وبرهنت على مركزية وحميمية القضية الفلسطينية في نفوس العرب والمسلمين وبقية أحرار العالم

في الحقيقة أن دوائر التضامن التي واكبت إضراب الأسرى كذّبت جميع تلك التخرصات والافتراضات، وبرهنت على مركزية وحميمية هذه القضية في نفوس العرب والمسلمين وبقية أحرار العالم.

ثانياً: إن التضامن مع الأسرى الفلسطينيين إنما هو في جوهره تضامن مع النفس بالنسبة لكل مسلم وعربي؛ يمليه واجب الأخوة والشعور بالهمّ المشترك والمصير المشترك.

وكم كان مؤثرا ذلك النوع من التضامن الروحي الذي جسده الكثير من إخواننا متطوعي العالم الإسلامي الذين أدوا فريضة الحج أو نافلة العمرة عن إخوانهم الأسرى الفلسطينيين.

إن هذا المستوى من التضامن الروحي يستدعي توسيع حلقاته، وتطوير حالة التضامن التي من طبيعتها أن تتدحرج وتتراكم وتتعاظم كلما مر الزمن، لتشمل الارتقاء إلى واجبات القضية الفلسطينية التي من أجل إنجازها يوجد الأسرى الفلسطينيون في المعتقلات.

إن ما لمسناه من تضامن يدعنا نعتقد أننا مع حالة جديدة لنواة سوف تكبر مع الأيام، ونرجو أن تنضج لنرى ثمارها وقد ارتفع المسلمون والعرب لمستوى طرح الإجابة على التحدي الذي يمثله العدوان الصهيوني المستديم منذ عام ١٩٤٨ واغتصابه لمقدساتهم وترابهم المقدس (فلسطين).

لطالما خرجت صرخات الفلسطينيين جافة ومرة طيلة محطات المحنة التي مروا بها. لقد كانت صرختهم الحائرة عند كل مجزرة تعرضوا لها: أين العرب؟!". طبعا قالت لنا ثورات الربيع العربي إن العرب كانوا مستلبين، لكن مع ذلك، كانت تعني تلك الصرخة رغم جفافها السياسي، إيمانا راسخا في اللاشعور بأن هناك أمة اسمها "أمة العرب والمسلمين".

لعل العرب هذه الأيام يشاركوننا ما كنا متباينين فيه طيلة محنتنا، ونسمع من أفواههم نفس الصرخات التي كنا نطلقها. ولكن الذي تغير هذه المرة، ولأول مرة، أن أصداء صرخاتنا بدأت تُسمع في الميادين والمنابر والضمائر والقلوب.

إن حالة التضامن الآخذة بالتدحرج تقول لنا: إنكم لستم وحدكم، فنحن معكم بأرواحنا وألسنتنا وسواعدنا. إننا نستبشر بهذه الروح التضامنية التي ترتفع وتائرها، ونرجو أن نكون على موعد قريب معها في ميادين الحرية والانعتاق.

إن التضامن مع القضية الفلسطينية يستوجب تحويل المشاعر والعواطف وترجمتها بخطوات عملية من خلال الآتي:

1- قيام جميع المتضامنين من شتى البلدان بحمل حكوماتهم وبرلماناتهم وأحزابهم على إدراج القضية الفلسطينية على رأس برامجهم السياسية والوطنية، وجعلها همّا نضاليا يدخل في نسيج البناء الثقافي والفكري والتربوي والسياسي لكل هيئة سياسية.

2- العمل على اعتماد سياسات في الوزارات ومؤسسات الدولة الرسمية المختلفة لربط سياساتها ومصالحها مع الدول الأجنبية أو الصديقة بحسب موقفها من القضية الفلسطينية.

3- سنّ قوانين وتشريعات وبروتوكولات إدارية وقانونية وتشريعية لتأكيد وترسيخ الالتزام بالقضية الفلسطينية كقضية مركزية لكل قطر عربي.

حالة التضامن مع الأسرى الآخذة بالتدحرج تقول لهم: إنكم لستم وحدكم، فنحن معكم بأرواحنا وألسنتنا وسواعدنا

ثالثا: التضامن مع الأسرى الفلسطينيين يعني أيضا الانتصار لإنسانية الإنسان خاصة عندما يتكشف الأمر عن قصة معاناة إنسانية طويلة ومستديمة، حيث إن العشرات من الأسرى أمضوا أكثر من ربع قرن من الزمان في السجون.

كما أن الأسير الفلسطيني مجرد في العديد من الحالات من أبسط حقوقه الإنسانية، مثل الحق في زيارة ذويه أو مجرد الحق في القراءة والمطالعة. الأمر الذي دعا العديد من الأسرى إلى الدخول في إضرابات "استشهادية" حيث بلغ أحدث هذه الإضرابات مدة تزيد على ١٥٠ يوما، وكان قد بدأها الأخ المجاهد خضر عدنان في بداية العام المنصرم، والذي تمكن من الانتصار وإنهاء معاناته من خلال المثل والنموذج الذي ضربه في الإضراب المفتوح عن الطعام، وهكذا حدث مع بقية إخوانه جماعات وفرادى.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة