سياسة أميركا في الشرق الأوسط   
الجمعة 1437/2/9 هـ - الموافق 20/11/2015 م (آخر تحديث) الساعة 23:43 (مكة المكرمة)، 20:43 (غرينتش)
سلامة كيلة


كل الحديث يجري عن غياب الإستراتيجية لدى إدارة أوباما تجاه سوريا، كما يجري التركيز على فشل سياسته في الحرب ضد داعش (تنظيم الدولة الإسلامية) رغم مرور أكثر من عام على بدء هذه الحرب، خاصة ارتباك سياسته بعد التدخل العسكري الروسي في سوريا.

وفي كل الحالات يظهر أوباما كأنه بلا سياسة ولا رؤية، وكأنه هو الذي يحدد السياسة الأميركية.
ربما من لا يريد فهم السياسة الأميركية في سوريا -خاصة- هو الذي يتعلق بأفكار كهذه، حيث يظن أن السياسة المفترضة لأميركا تتمثل في التدخل العسكري وحسم الصراع ضد داعش، ولهذا يفاجأ بأنه "لا سياسة" لأميركا في سوريا خصوصا. وهذا إصرار على عدم فهم السياسة الأميركية بعد الأزمة المالية التي حدثت سنة 2008، وما نتج عنها بعد ذلك. وكذلك على تعلق بأنْ يكون لأميركا قرار الحسم في الصراع "ضد داعش".

بالتالي، يجب أولا تحديد سياسة أميركا قبل الحديث عن فشلها أو ارتباكها، لأن فهم هذه السياسة هو المحدد الأول لمعرفة إشكالاتها في سوريا والعراق.

يجب فهم السياسة الأميركية التي تقررت بعد الأزمة، خاصة بعد التوصل إلى نتيجة ألا حل لها، حيث أفضى ذلك إلى إعادة موضعة أميركا عالميا في شكل مختلف عن السياسة التي جرى اتباعها منذ الحرب الباردة، وفي مرحلة سيادة أحادية القطب بعد انهيار الاتحاد السوفياتي

أولا- يجب فهم السياسة الأميركية التي تقررت بعد الأزمة، خاصة بعد التوصل إلى نتيجة ألا حل لها، حيث أفضى ذلك إلى إعادة موضعة أميركا عالميا في شكل مختلف عن السياسة التي جرى اتباعها منذ الحرب الباردة، وفي مرحلة سيادة أحادية القطب بعد انهيار الاتحاد السوفياتي.

فأميركا لم تعد تفكر في أن تكون أحادية السيطرة، لأن قدراتها الاقتصادية وما تفرضه تلك الأحادية على صعيد القدرات العسكرية، لم يعد يتيح لها سيطرة عالمية أحادية؛ فهي في وضع مأزوم اقتصاديا، ومهدد بانهيارات مستمرة، وبالتالي لم تعد قادرة على تمويل حروب كثيرة في مختلف بقاع العالم.

هذا الأمر أرغمها على تحديد أولوياتها بشكل مختلف عما كان في السابق، وهذا ما فرض عليها أن تعد منطقة آسيا والمحيط الهادي هي الأولوية، وفق توقعاتها بتصاعد الخطر الصيني. الأمر الذي فرض انسحابها من "الشرق الأوسط"، مع الحفاظ على سيطرتها على الخليج العربي وضمنه العراق.

في هذه الإستراتيجية الجديدة أصبح من غير الممكن التدخل البري في "الشرق الأوسط"، ويمكن فقط استخدام الطيران كما يجري الآن، فهي لم تعد معنية جديا بالوضع في المنطقة، دون أن يعني ذلك الانسحاب السريع وعدم التدخل، بل يعنى أن المنطقة باتت محل مساومة مع قوى دولية أخرى، وهنا بالضبط يشار إلى روسيا.

ثانيا- قادت الإستراتيجية سالفة الذكر إلى ألا ترى أميركا سوريا مهمة لها، وبالتالي لم تعد معنية جديا بوضعها، سوى أنها ورقة مساومة مع روسيا؛ لهذا تمثلت السياسة الأميركية منذ بداية سنة 2012 في "تعهيد" سوريا لروسيا، أو في بيع سوريا لروسيا. وكان كل نشاطها يتمثل في ضمان هيمنة روسيا على سوريا، ولقد قامت بخطوات عديدة في هذا المجال، سواء بكبح حسم الصراع عسكريا عبر تسليح الكتائب المسلحة، أو بترتيب معارضة تقبل الحل الروسي. وبالتالي كانت سياستها تهدف إلى أن يستطيع الروس ترتيب نظام جديد تابع لهم، وكان دورها المساعدة في ذلك، وليس التنافس مع روسيا على السيطرة على سوريا.

ولهذا كانت تركز جهدها على التنسيق المستمر مع روسيا، وعلى ترتيب حل متوافق عليه برعاية روسية. ولقد قامت بكل ما اعتقدت أنه مفيد للتوصل إلى ذلك، رغم أن الروس لم يستطيعوا التقاط الفرصة والتقدم لتحقيق حل يبدأ بإبعاد بشار الأسد، وهو ضرورة من أجل نجاح الحل وليس لأنها شرط أميركي مسبق ، ولقد راوغت أميركا في هذا الأمر، وتراجعت أكثر من مرة عن الموقف الداعي لإبعاد الرئيس وحاشيته، وما زالت تراوغ في هذا المجال، حيث وافقت على إخراج البحث في مصير الأسد من المفاوضات.

لم تكن أميركا تريد هزيمة داعش، ولا خاضت حربا حقيقية ضدها، بل خاضت معارك من أجل إضعاف "القوة الإيرانية" في السلطة العراقية؛ ومن ثم فإن استمرار الصراع أكثر من عام لا يعني الفشل الأميركي في هزيمة داعش، بل يعنى عدم القدرة بعد على تغيير وضع السلطة العراقية

ثالثا- لم تكن الحرب ضد داعش تعني هزيمته، ومن يعتقد ذلك لن يكون قادرا على استيعاب الوضع، فما تريده أميركا من إعلانها الحرب هو تحقيق أهداف سياسية إستراتيجية، وداعش هي "البعبع" الذي يستخدم من أجل الوصول إليها.

والأهداف تتعلق بإعادة السيطرة على العراق بعد أن قرر باراك أوباما الانسحاب وفق الاتفاق الموقع، بعد أن رفض البرلمان العراقي إعطاء حصانة للقوات الأميركية التي كان يجب أن تبقى في العراق (وعددها بين عشرة آلاف و15 ألفا). وهنا ليست الحرب ضد داعش، بل داعش هي الوسيلة التي تستغلها أميركا من أجل تغيير موازين القوى في الدولة العراقية، وفرض سلطة تابعة من جديد، ووجود جيش كما كان مقررا سابقا.

بهذا لم تكن أميركا تريد هزيمة داعش، ولا خاضت حربا حقيقية ضدها، بل خاضت معارك من أجل إضعاف "القوة الإيرانية" في السلطة العراقية؛ ومن ثم فإن استمرار الصراع أكثر من عام لا يعني الفشل الأميركي في هزيمة داعش، بل يعنى عدم القدرة بعد على تغيير وضع السلطة العراقية، وربما تستمر الحرب تحت عنوان داعش إلى أن تفرض أميركا تغييرا جديا في بنية السلطة العراقية.

وإذا كان هناك حديث عن "فشل" فهو فشل عن أن تغير وضع السلطة العراقية بعد أكثر من عام على "الحرب ضد داعش"، رغم أنها حققت تقدما مهما في هذا السياق، ربما تظهر نتائجه في الفترة القادمة.

ولا شك أن ما فرضته الإستراتيجية الجديدة من عدم استخدام القوات البرية في "الشرق الأوسط" سيجعل الصراع أطول، لأنه يعتمد على القصف الجوي فقط، لكنه يعتمد خلال ذلك على استقطاب قوى سياسية لتوظيفها في تغيير وضع السلطة، وضمن ذلك تسليح السكان في غرب العراق (أي المنطقة السنية التي ترفض المليشيات الشيعية تسليحها).

لهذا لا يمكن القول بفشل السياسة الأميركية، فهي تتقدم في تغيير وضع السلطة العراقية، وهو ما تريده بالأساس، لأنها ترى العراق جزءا من دول الخليج العربي الذي شُمل بمبدأ كارتر الذي يعدها جزءا من الأمن القومي الأميركي.

أما في سوريا، فقد أربك التدخل العسكري الروسي التكتيك الأميركي، حيث كان المطلوب هو التوصل إلى حل سياسي متوافق عليه منذ إقرار مبادئ جنيف1 في الثالثين من يونيو/حزيران 2012، وأيضا ميل روسيا للتدخل في الوضع العراقي.

أميركا مستمرة في الحرب ضد داعش من أجل إعادة السيطرة على السلطة العراقية التي بدت ضعيفة، حيث تصدع "التحالف الشيعي"، وأخذت مجموعة إيران تتهمش، وحسم هذه الحرب يرتبط بتحقيق هذا الهدف بالتحديد، لأن أميركا تريد الهيمنة على العراق من جديد

ولعل هذا ما فرض على أميركا -كما يبدو- أن تغير تكتيكها، بحيث تسعى إلى "الحسم" مع داعش، وهو ما يظهر من خلال ما يجري في العراق وفي سوريا، سعيا لسحب ورقة "التدخل الروسي" وإرباك تكتيكات بوتين، الذي يحاول أن يظهر بوضع الذي يفرض مصالح روسيا بالقوة وليس بالتوافق هذا من جهة، ومن جهة أخرى تسعى أميركا أيضا للاستمرار في تحقيق الحل السياسي، وقد تحققت خطوات في هذا الطريق، ربما تؤشر إلى إمكانية الوصول إلى نتيجة.

فأميركا إذن تحقق في العراق ما أرادت، وهي مستمرة في "الحرب ضد داعش" من أجل إعادة السيطرة على السلطة العراقية التي بدت ضعيفة، حيث تصدع "التحالف الشيعي"، وأخذت مجموعة إيران تتهمش، وحسم هذه الحرب يرتبط بتحقيق هذا الهدف بالتحديد، لأن أميركا تريد الهيمنة على العراق من جديد.

أما في الجانب السوري، فتسعى لوضع روسيا في "الزاوية" من خلال حسم وضع داعش، و"تسليم" الأرض التي كانت تسيطر عليها لقوات سلحتها، وربما إذا تشددت روسيا أكثر، تميل إلى تسليح المعارضة بأسلحة "متطورة"، خاصة صواريخ مضادة للطائرات.

لكن يبدو أن الأمور تسير نحو تحقيق الحل السياسي، كما ظهر في فيينا1 وفيينا2، حيث وُضعت "الخطط العملية" من أجل الوصول إلى نهاية. رغم أن ما هو مطروح لا يتناول وضع بشار الأسد، بل يؤكد على حكومة انتقالية كاملة الصلاحية، لا يكون لبشار الأسد دور فيها خلال المرحلة الانتقالية.

بالتالي، فإن السياسة الأميركية لم تكن مشوشة، ولا يمكن أيضا القول إنه لم تكن هناك سياسة أصلا، بل إنها نشطت ضمن الشروط التي يفرضها وضع أميركا الجديد، وضمن المنظور الجديد الذي لا يرى أن لها مصالح في سوريا، بل إنها "عنصر مساومة" مع روسيا في إطار تقاسم العالم الذي بتنا نعيشه. فقد فرض تراجع وضع أميركا تقاسما جديدا بين الإمبرياليات، خاصة بينها وبين روسيا التي تطمح إلى فرض مناطق نفوذ وسيطرة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة