المشهد المصري عام 2007   
الأحد 24/12/1427 هـ - الموافق 14/1/2007 م (آخر تحديث) الساعة 8:14 (مكة المكرمة)، 5:14 (غرينتش)

كمال حبيب

لم يكد عام 2006 ينصرم حتى كانت لدينا معركة دينية كبيرة تمثلت في الأزمة التي أثارتها تصريحات وزير الثقافة فاروق حسني حول الحجاب واعتباره عودة إلى الوراء.

ثم كانت أزمة طلاب جامعة الأزهر من الإخوان الذين استعرضوا ضمن نشاط طلابي بعض قدراتهم الرياضية كجزء من احتجاجهم على حرمانهم من حق الترشح في الانتخابات الطلابية الرسمية ولجوئهم إلى ما عرف باسم "الاتحاد الطلابي الحر" فحصلوا على الأغلبية فيه، وما تبع ذلك من تداعيات انتهت باعتقال نائب المرشد العام وعدد من كوادر الجماعة المهمة وأعداد كبيرة من الطلاب جاوز المائة.

"
التعديلات الدستورية التي يجري الإعداد لها في مصر جزء من ذخيرة الدولة المصرية في مواجهة جماعة الإخوان بشكل رئيسي وغيرها من الجماعات التي تفكر في خوض حلبة السياسة على أرضية إسلامية
"

وبقدر ما أظهرت المعركة الأولى أن الدين عميق في الحياة المصرية وأنه لا يمكنه فصله عن السياسة، وأن الدولة في المسائل ذات الطابع الاجتماعي والثقافي التي ينازعها الديني والسياسي تنحاز لخيار الأغلبية الديني لتأكيد إسلاميتها، فإن المعركة الثانية أشارت إلى عنف الدولة وغضبها بل وعصبيتها حين نازعتها الشرعية جماعة من المجتمع لها حضورها وتواجدها الذي لا يمكن إنكاره.

وربما يفسر هذه الغضبة المضرية التي لا تتناسب مع حجم ما حدث من مجموعة هم في النهاية من الطلاب، كون هذه الجماعة وهي "الإخوان المسلمون" تستند إلى الدين الإسلامي في خطابها ومرجعيتها.

المسألة في الواقع تعود إلي جذور أعمق في السياسة المصرية وهي المتعلقة بمفهوم الدولة وشرعيتها وعلاقة الديني والسياسي في رؤيتها، وتنظيم هذه العلاقة وحدود تأثيرها وكيفية استخدامها لتحقيق الاستقرار والأمن من ناحية، وحاجة الناس الروحية التي لا تمكن مدافعتها إلى الدين من ناحية أخري.

الدولة المصرية دولة يختلط فيها السياسي بالديني بحيث لا يمكننا القول إنها علمانية كما هي الحالة التركية مثلا أو الحالة التونسية، كما لا يمكن القول إنها دينية، لأن دستورها ينص في مادته الثانية على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع.

ومن ثم لا يجوز أن يناقض قرار أو ممارسة للنظام السياسي هذه المادة، ولكن الواقع يشير إلى أن هناك ممارسات علمانية في الإعلام والتعليم والثقافة لا تضع المرجعية الإسلامية للدولة في اعتبارها.

بل ويمكن أن تتحداها كما حدث في منع المحجبات من الظهور علنا في التلفزيون المصري، وكما يحدث في طباعة روايات تتحدى الشريعة والإسلام كما حدث مع "وليمة لأعشاب البحر" التي أحدثت أزمة كبيرة في حينها تشبه ما نحن بصدده اليوم.

وعلى مستوى الجماعات التي تتحرك سياسيا على أرضية إسلامية فإن الدولة لا تتورع عن أن تستخدم أقصى ما تستطيع من العنف لردعها وتحجيمها.

حدث هذا بين الدولة المصرية في عهد عبد الناصر وبين الإخوان (صيغة الاستئصال)، وفي عهد السادات حدث ذلك مع القوى الإسلامية، وإن بمراوحة مختلفة (المزاوجة بين غض الطرف والحظر).

وفي عهد مبارك جمع بين السياستين: الاستئصال، في مواجهة جماعات العنف، والمزاوجة بين غض الطرف والحظر، مع الجماعات التي تمارس السياسة بعيدا عن العنف على أرضية إسلامية.

تبدو التعديلات الدستورية التي يجري الإعداد لها في مصر جزءا من ذخيرة الدولة المصرية في مواجهة جماعة الإخوان بشكل رئيسي وغيرها من الجماعات التي تفكر في خوض حلبة السياسة على أرضية إسلامية.

فهذه التعديلات التي اقترحها الرئيس على مجلس الشعب والتي تبلغ 34 مادة سيجري إقرارها خلال الأشهر الثلاثة القادمة، تهدف بشكل رئيسي إلى منع الأحزاب التي تمارس السياسة على أساس ديني، وفي نفس الوقت تتبنى صيغة القائمة النسبية الحزبية التي تفرض على كل من يخوض الانتخابات أن يكون منتميا لحزب سياسي.

"
الدولة المصرية عازمة على مواجهة التيارات الإسلامية عن طريق النصوص الدستورية إذ لا تسعفها النصوص ولا موازين القوى الراهنة لاستخدام صيغة الاستئصال مع التيارات السياسية الإسلامية التي لا تستخدم العنف
"

وهنا تبدو الدولة المصرية عازمة على مواجهة التيارات الإسلامية عن طريق النصوص الدستورية إذ لا تسعفها النصوص ولا موازين القوى الراهنة لاستخدام صيغة الاستئصال مع التيارات السياسية الإسلامية التي لا تستخدم العنف.

ووفق مؤشرات العلاقة الراهنة بين الدولة والإخوان فإن هناك استخداما محسوبا للقوة ضد مؤسسات الجماعة وبناها التحتية من جانب الدولة ولكنه يتجه للاتساع والامتداد والنفاذ للعمق.

ومن المحتمل وفق مقولة تداعيات السلوك العنفي أن يجر ذلك لموجات غير محسوبة النتائج والعواقب إلى استخدام القمع والعنف، ومن ثم فتح الباب على مصراعيه لاحتمالات عنف مضاد يضع البلاد والعباد في مهب الأقدار.

التعديلات الدستورية المقترحة تريد الإبقاء على نص المادة الثانية التي تقول "الدين الإسلامي هو الدين الرسمي للدولة والشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع" وذلك لتعطي الدولة لذاتها هوية روحية أشبه ما تكون "بالدين المدني" في الدول العلمانية الذي يجعل من الدين مرجعية ذات طابع احتفالي (في المناسبات والأعياد) مقصورا على ممارسة الشعائر التعبدية في الحياة الفردية.

وفي نفس الوقت تمنع الدولة قيام الأحزاب على أساس الدين أو الأصل أو العرق، (مادة 40)، وتتبنى ما أطلق عليه عالم السياسة الأشهر ديفد أبتر "الدين السياسي" الذي به تحتكر الدولة لذاتها الفضاء العام بالكامل باسم العلمانية التي تعني "الفصل بين الدين والدولة".


وهذه العلمانية التي تخفي وراءها ديناً سياسياً هي علمانية ذات طابع أصولي تكون الدولة فيه "إلها" أو مقدساً لا يجوز الاقتراب ممن يمثله أو يتحدث باسمه.

ومحنة العلمانية الكمالية في تركيا نموذج واضح لذلك، ولأن العلمانية أصبحت سيئة السمعة في العالم العربي والإسلامي اتجه قطاع مهم من المتجادلين حول الديني والسياسي في مصر (من غير الإسلاميين) إلى تفادي استخدام تعبير "العلمانية" واستبداله بتعبير "مدني".

فهم يتحدثون عن دولة مدنية لا دولة علمانية، ومن الواضح أنهم يقصدون أن الدولة المدنية هنا لا تنفي الدين أو لا تقف في مواجهته باعتباره عدوا.

وما يطالبون به هو أن يكون هناك دستور يحترم حقوق الإنسان وحقوق كل المواطنين ويفصل بين السلطات ويضع قواعد للرقابة والشفافية والمحاسبة ويكون هناك تداول على السلطة، مما يمكن وصفه بالإجراءات والقواعد السياسية للنظم الديمقراطية.

وعلى الجانب الآخر من التيار الإسلامي فإنهم جميعا (الإخوان والوسط والإسلاميون المستقلون) يتحدثون عن دولة مدنية بمرجعية إسلامية لأنهم يرون أن المشكلة ليست في القواعد والإجراءات، ولكن في المرجعية أو ما قبل القواعد والإجراءات والممارسة ذاتها.

هنا المرجعية الإسلامية التي هي روح الدولة وهويتها يرى الإسلاميون أنها ضرورية، كما أن الأساس الفلسفي الكامن وراء الأطروحة المدنية أو العلمانية الذي يتجلى بالضرورة في الممارسة السياسية يجعل من الإنسان مركز الكون وينفي أي مقدس أعلى من ذاته، إذ هو يمثل في عقله والعلم الذي يبدعه والتقدم الذي ينتجه المرجعية الأعلى.

وهذا ما أورث الإنسان الغربي الحيرة وعدم اليقين والخواء الروحي والاغتراب الذي عبر عنه هربرت ماركيوز مبكرا عام 1964 "بالإنسان ذو البعد الواحد".

أما الأطروحة الإسلامية فهي ترى أن الإنسان ليس مركز الكون ولكنه خليفة الله في الأرض، وهو أكرم خلق الله ولكنه عبد لله، لأن هناك إلها خلقه وهناك وحيا أنزله هذا الإله، وهذا الوحي واجب الاتباع.

"
غياب أي حوار حقيقي بين القوى الاجتماعية والسياسية المصرية بكل فصائلها بما في ذلك الحزب الحاكم نفسه إزاء مسألة الديني والسياسي والمدني سيجعل التنازع على هذه القضايا وربما تفجرها أحد الملامح الرئيسية للمشهد السياسي المصري عام 2007
"

ومن ثم الفصل الواضح بين اللاهوت والناسوت أو بتعبير علماء العقيدة الإسلامية "الألوهية" والعبودية".

وحقيقة وجود الوحي يجعل كل ما يأتي من مناشط في الحياة مرتبطة بهذا الوحي وغير متعارضة معه (ليست بالضرورة متطابقة مع النص).

ويرى الإسلاميون أن الدولة الإسلامية أو الحزب الإسلامي ليس دينيا (بالمعنى الثيوقراطي الذي عبرت عنه الكنيسة الكاثوليكية في العصور الوسطي)، ومن ثم فالقول بعدم ممارسة الإسلاميين للسياسة أو تأسيس أحزاب لكونهم ينطلقون من أرضية إسلامية هو تعبير عن "علمانية أصولية متشددة" وعن "دين سياسي" بمعنى احتكار الدولة وحدها للدين لكي تنفرد بالتعبير عنه في المجال العام كلما اشتدت حاجتها إليه، وبمعنى فرض عقيدة استبدادية في الفضاء العام الواسع والذي هو في الواقع مجال السياسة وفعلها الحقيقي لاستئصال الخصوم الدينين (الإسلاميين) من الحياة السياسية.

ويجادل الإسلاميون بأنهم يحتكمون لإرادة الشعب باعتبارها مصدر السلطات، وأنهم يقبلون بتداول السلطة واحترام حقوق غير المسلمين، واحترام الحريات العامة وحقوق المواطنين ولكن في سياق المرجعية الإسلامية.

بل إنهم يذهبون إلى أنهم مع دستور يلبي حاجات ومطالب كل أطياف القوى السياسية في مصر بشرط أن تكون هناك مرجعية تحترم غالبية الشعب المصري.

وهم يرون أن "المادة الثانية من الدستور بوضعها الحالي كافية لتكون تعبيرا عن هذه المرجعية، والإخوان المسلمون وغيرهم من الطيف الإسلامي لديهم تحفظات كبيرة على التعديلات الدستورية المقترحة ويرون أنها اتجاه نحو مزيد من تعميق الاستبداد والديكتاتورية.

يستشهد الإسلاميون في جدالهم مع النخب العلمانية حول الديني والسياسي والمدني بأطروحات غربية ذهبت إلى أن نموذج الحداثة الذي رأى أن العلمانية شرط لتحقيق التقدم والنهضة أثبت عجزه وفشله.

كما أن أطروحة هذا النموذج في أن المزيد من التحديث يعني أفول الدين أو نهايته تأكد أنه وهم، وأن تحيز هذا النموذج الحداثي هو الذي طرح الترابط الوثيق بين العلمانية والحداثة ونهاية الدين وتراجعه، وأن الاجتهادات الجديدة في علم الاجتماع الغربي ترى أن الدين جزء أساسي من الوعي الذاتي للإنسان.

ولما كان هدف الدولة والسياسة هو تحقيق الأمن والسعادة لمواطنيها فإن ذلك لا يمكن تحقيقه باستبعاد الدين (راجع مثلا السفر الضخم سوسيولوجيا الدين لدانيال هيرفيه ليجيه وجان بول ويلام).

ويبقى غياب أي حوار حقيقي بين القوى الاجتماعية والسياسية المصرية بكل فصائلها بما في ذلك الحزب الحاكم نفسه حول مسألة الديني والسياسي والمدني للوصول إلى قواعد حاكمة ومستقرة لهذه المسائل الحساسة، تعبيرا عن القفز على القضايا الحقيقية والضرورية لما قبل الممارسة السياسية.

وسيظل التنازع حول هذه القضايا وربما تفجرها أحد الملامح الرئيسية للمشهد السياسي المصري في عام 2007 الذي ينبئ بأنه لن يكون عاما سهلا.
_________________
كاتب مصري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة