مستقبل النظام الإسلامي في إيران   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)

* بقلم/ طلال عتريسي

تأزم داخلي ومطالب بالتغيير
التغيير الأميركي على الطريقة العراقية

منذ الاحتلال الأميركي للعراق، وإيران عرضة لضغوط شديدة تمارسها واشنطن عليها. وتتركز هذه الضغوط على اتهام إيران بالعمل لامتلاك السلاح النووي وبضرورة خضوعها للبروتوكول الإضافي الذي يسمح لمفتشي وكالة الطاقة الدولية بزيارات مفاجئة إلى منشآتها النووية دون سابق إنذار.

وتقف أوروبا إلى جانب الولايات المتحدة في هذه القضية ما يجعل هامش المناورة ضيقا أمام إيران، وفرص التملص من توقيع تلك الاتفاقية ضعيفة. وتثير هذه القضية خلافا بين الإصلاحيين الذين دعوا على لسان مجموعة من نوابهم، إلى القبول بذلك البروتوكول، تجنبا لأي خلاف مع المجتمع الدولي، في حين رفضت مجموعات أخرى ومن بينها طلاب ينتمون إلى الاتجاه الآخر موافقة إيران، وطالبتها بالانسحاب من معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية.


الانتصار الأميركي الذي أدى إلى الإطاحة بالنظام العراقي والتهديد باستكمال عملية التغيير لتشمل سوريا وإيران شجع على الاعتقاد بالتغيير المرتقب في إيران
تأزم داخلي ومطالب بالتغيير

تتعرض إيران، إضافة إلى الضغوط الخارجية، إلى ضغوط داخلية شديدة يعبر عنها الطلاب وأوساط أخرى اجتماعية وثقافية وصحافية، وإلى استمرار وتصاعد الانقسامات الحادة بين التيارين المعروفين، الإصلاحيين والمحافظين، حول العلاقة مع العالم الخارجي وتحديدا مع الولايات المتحدة، وحول طبيعة الحريات في النظام الإسلامي، وحول صلاحيات رئيس الجمهورية، وصلاحيات مرشد الثورة، ومعه المؤسسات التي يسيطر عليها المحافظون مثل مجلس صيانة الدستور الذي يراقب ما يصدر عن مجلس الشورى لتحديد مدى شرعيته من الناحية الإسلامية، ويشرف على الانتخابات العامة في البلاد ويحدد مدى صلاحية المرشحين وأهليتهم للانتخابات.

هذا التزامن بين الضغوط الخارجية والانقسامات الداخلية بالإضافة إلى الصعوبات الاقتصادية والمشاكل الاجتماعية التي يعيشها الإيرانيون دفع بعض المراقبين والمحللين إلى التساؤل عن مدى قدرة النظام الحالي في إيران على البقاء والاستمرار؟

وتواجه إيران منذ سنوات أوضاعا داخلية لم تعرفها سابقا. فبعد وصول الرئيس محمد خاتمي إلى سدة الرئاسة عام 1997 ثم انتخابه لولاية ثانية تنتهي العام المقبل 2004، بدأ ما سمي بتيار الإصلاح يتشكل حول السيد خاتمي كحالة اعتراضية على ما يقوم به المحافظون داخليا وخارجيا. وقد حصل الرئيس خاتمي في الدورتين على نسبة بلغت نحو سبعين في المائة من الناخبين ومعظمهم من الشباب.

وجاءت تلك النسبة العالية من الأصوات لتجسد حجم التذمر من السياسات الحاكمة التي يقودها رجال الدين، وقيل عنها في حينها إنها لم تكن كلها للسيد خاتمي، وإنما كانت ضد المرشح المحسوب على السلطة الشيخ ناطق نوري، رئيس البرلمان في ذلك الوقت (1997).

كما حقق تيار الإصلاح لاحقا سيطرة شبه كاملة على المجالس البلدية التي بلغت عشرات الآلاف، وحقق أغلبية كاسحة في مجلس الشورى. وقد بدأ الإصلاحيون معركتهم عقب انتصارهم الأول في الانتخابات الرئاسية بمحاولة قوية لتغيير نوعين من "الثوابت" في الدستور وفي السياسة الخارجية. الأول هو صلاحيات "مرشد الثورة" والثاني هو العلاقة مع الولايات المتحدة.

وإذا كانت المحاولة الأولى لم تحقق النجاح المطلوب سواء بسبب التسرع في التصدي لقضية بهذه الأهمية والحساسية بالنسبة إلى المحافظين مما أثار حفيظتهم واستنفارهم المبكر، أو بسبب التضييق الشديد الذي تعرض له الإصلاحيون فإن هذا الطرح نجح في جعل صلاحيات المرشد وولاية الفقيه مادة للنقاش والجدال العلني في الأوساط الجامعية والصحافية، فخرجت بذلك من الدوائر الفقهية الضيقة إلى الدوائر الاجتماعية الأوسع، كما نزعوا عنها صفة القداسة التي رافقتها منذ انتصار الثورة.

وقد تراجع الإصلاحيون عن المطالبة بتغيير هذه الصلاحيات بعد أن أدركوا استحالة تحقيق ذلك مع وجود المؤسسات الأخرى التي تحميها، وكذلك مع تأكيد الدستور نفسه عليها.

وقد استطاع الإصلاحيون في المرحلة الأولى من رئاسة خاتمي أن يوسعوا دائرة الحريات الصحافية والفنية وحتى الشخصية. لكن ذلك لم يستمر طويلا، إذ بادر المحافظون إلى التقاط أي خطأ يقوم به أحد الصحافيين من أجل اعتقاله أو إغلاق الصحيفة التي يعمل فيها. فأقفلت عشرات الصحف وتراجعت مجددا الحريات التي اعتبر الإصلاحيون أنها كانت واحدة من إنجازاتهم.

وقد انتهت الولاية الأولى للرئيس خاتمي والإصلاحيون مزهوون بالانتصار الكاسح الذي حققوه في الانتخابات وهم يطمحون إلى تغييرات كبرى في الدستور وفي ولاية الفقيه.

أما الفترة الثانية التي توشك بدورها على الانتهاء بعد بضعة أشهر فقد كان الإصلاحيون أكثر عقلانية في مطالبهم وطموحاتهم بحيث انتقلوا إلى محاولة تغيير القوانين التي تنظم عمل المؤسسات التي يسيطر عليها المحافظون دون التعرض إلى مقام مرشد الثورة.

وبين الولايتين الأولى والثانية لم يتمكن الإصلاحيون من تحقيق أي تقدم حقيقي على مستوى المطالب الاجتماعية التي تضغط على الجيل الشاب من الإيرانيين وأبرزها البطالة، وغلاء إيجارات السكن، وتأخر سن الزواج، وتدني مستوى المعيشة، وارتفاع نسبة المدمنين في العاصمة طهران، وصولا إلى الحريات الشخصية التي تشغل الشباب وتحركهم أكثر من القضايا الأخرى، مما أدى إلى إحباط شديد عند هؤلاء الذين وقفوا إلى جانب الإصلاحيين ضد المحافظين، وضد رموز السلطة من رجال الدين.

ولعل هذا ما يفسر الشعارات التي رفعت في تظاهرات جامعة طهران الأخيرة في نهاية شهر يونيو/ حزيران 2003 التي تطالب من جهة خاتمي بالاستقالة، وتندد من جهة ثانية بمرشد الثورة.

وقد ذهب البعض إلى الاعتقاد بأن هذه الشعارات التي ترفع للمرة الأولى وما رافقها من دعم أميركي مباشر عبر عنه الرئيس الأميركي وأكثر من شخصية من الإدارة الأميركية هو بداية لحركة أوسع سوف تؤدي إلى الانقلاب الاجتماعي على النظام الحالي في طهران، خصوصا وأن الرئيس الأميركي جورج بوش أعلن أن هذه التظاهرات التي يؤيدها هي بداية لولادة "إيران الحرة"0

وقد تم الربط بين هذا التدخل الأميركي في ما يحصل في الداخل الإيراني وبين التهديدات السابقة لإيران ووجودها ضمن محور الشر الذي جعلته الإدارة الأميركية الحالية هدفا ينبغي مواجهته أو القضاء عليه.

وما شجع على هذا الاعتقاد بالتغيير المرتقب في إيران أن الانتصار الأميركي الذي أدى إلى الإطاحة بالنظام العراقي كان لا يزال ساخنا، وأن بعض الأصوات في الإدارة الأميركية كانت ترتفع وتهدد باستكمال عملية التغيير التي حصلت في العراق لتشمل سوريا وإيران.

كما ارتفعت في الوقت نفسه أصوات إصلاحية من الداخل الإيراني، في رسائل وقعّها نواب ومثقفون، تطالب بالتغيير وبالديمقراطية، أو تحذر من "الفاشية الإسلامية" كما قال الرئيس خاتمي نفسه.


ليس في صفوف الإصلاحيين من يستطيع تحقيق الإجماع الداخلي حوله كما فعل خاتمي مما يعني أن احتمال انشقاق الحركة الإصلاحية إلى تجمعات عدة أمر وارد في المرحلة المقبلة سواء في أثناء معركة الرئاسة أوبعدها
التغيير الأميركي على الطريقة العراقية
اعتبر البعض أن الرغبة الداخلية الإيرانية القوية في الانفتاح على الولايات المتحدة وإقامة العلاقات معها وتجنب المواجهات الإقليمية حفظا للمصالح القومية الإيرانية، أصبحت أكثر أهمية بعد ما حصل في العراق، أي بعد أن أصبحت القوات الأميركية على الحدود الإيرانية مباشرة،
وبعد أن أصبحت إيران "مطوقة" أميركيا من أفغانستان وأوزبكستان وطاجيكستان والخليج، والآن من العراق.

كما اعتبر أن ذلك كله يصب في اتجاه التغيير المرتقب في إيران الذي توفرت عوامله الداخلية والخارجية في وقت واحد، وخصوصا أن الولايات المتحدة بدأت بعد انتهاء حربها في العراق بتوجيه الاتهامات نفسها ضد إيران، تلك الاتهامات التي سبق أن استخدمتها ضد نظام الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين كامتلاك أسلحة الدمار الشامل والسلاح النووي، وتهديد الأمن الإقليمي والسلام العالمي، وتهديد أميركا وحلفائها، وأن المحافظين الجدد في الإدارة الأميركية عازمون على متابعة عملية التغيير في الخريطة السياسية للشرق الأوسط.

على الرغم من أهمية هذه القراءة التي تربط بين تأزم الوضع الداخلي في إيران وبين المطالب الإصلاحية والطلابية بالتغيير، وبين التطورات الإقليمية والاستراتيجية الأميركية الجديدة، فإن هذا الربط مهما قيل في تأثيراته المتبادلة لا يمكن أن يفضي إلى الاستنتاج بأن النظام الإسلامي في إيران بدأ مرحلة التصدع التي ستؤدي إلى الانهيار.

فالأوضاع الداخلية، والمطالب الاجتماعية لا تختلف كثيرا عن الأوضاع والمطالب في كثير من دول المنطقة من حيث الأزمات السياسية والمعيشية. ولا تعني هذه الأزمات بالضرورة الانقلاب على النظام أو سقوطه.

أما بالنسبة إلى مشروع الإصلاحيين فقد وصل هو الآخر بدوره إلى طريق صعب إن لم نقل إنه مسدود على مستوى تغيير القوانين، أو تغيير الدستور. كما أن رهانهم على العلاقة مع الولايات المتحدة كسبيل ممكن سواء للتغيير الداخلي، أو لحل الأزمات الاقتصادية والسياسية وفتح الأبواب لإيران، ارتد سلبا عليهم بعد الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول 2001، وبعد إدخال إيران في محور الشر، وبعد إسقاط النظام العراقي، وبعد الدعم الأميركي المباشر لتظاهرات الطلاب الأخيرة.

هذا بالإضافة إلى أن "ذراع" النظام ومؤسساته لا تزال قوية ومتماسكة، وهي على استعداد لحمايته والدفاع عنه مثل الحرس الثوري وقوات التعبئة ومجلس صيانة الدستور ومجلس تشخيص مصلحة النظام والسلطة القضائية والمؤسسات الإعلامية.

بل حتى الحوزة الدينية على الرغم من وجود التيار الإصلاحي في داخلها فإنها سوف تقوم بالدفاع عن النظام إذا تعرض للتهديد بالقضاء عليه أو باستبداله بآخر غير إسلامي. كما أن التيار الرئيسي داخل الحركة الإصلاحية (حزب جبهة المشاركة) لم يطرح على نفسه مشروع إسقاط النظام أو تغييره.

وسيفقد الإصلاحيون مع انتهاء ولاية خاتمي، الشخصية البارزة التي حققت إجماعا ملحوظا في السنوات الماضية وحظيت بتقدير عال داخليا وإقليميا و دوليا. وليس في صفوف الإصلاحيين من يستطيع أن يملأ هذا الفراغ الذي سيتركه السيد خاتمي، أو أن يحقق هذا الإجماع الداخلي حوله، مما يعني أن احتمال انشقاق الحركة الإصلاحية إلى تجمعات عدة أمر وارد في المرحلة المقبلة سواء في أثناء معركة الرئاسة أوبعدها.

وقد كشفت انتخابات بلدية طهران الأخيرة في مطلع العام الحالي حجم التراجع في شعبية الإصلاحيين وخسارتهم لمعظم المقاعد فيها، كتعبير عن اليأس من وعودهم من خلال التراجع البارز في حجم الاقتراع الذي لم يتجاوز 12 في المائة في هذه الانتخابات.


التغيير الأميركي في إيران على الطريقة العراقية غير وارد لأن الولايات المتحدة لا ترغب في المزيد من العمليات ضدها في الوقت الذي يواجه فيه الرئيس بوش ضغوطا بسبب المعلومات المضللة عن أسلحة الدمار الشامل العراقية
ويبدو التغيير الخارجي الذي يفترض أن تقوم به الولايات المتحدة على "الطريقة العراقية" أمر مستبعد:

أولا لأن الإدارة الأميركية منقسمة حول هذا الموضوع فبينما يدعو البعض فيها إلى استخدام القوة مثل مايكل ليدين وهو أحد منظري اليمين الأميركي البارزين، يفضل نائب وزير الدفاع الأميركي بول وولفويتز ما يسميه "كسب معركة السلام في العراق" كمهمة مركزية في الحرب على الإرهاب. كما يدعو البعض إلى اعتماد النموذج الكوري مع إيران نظرا لقوة النظام في إيران وللوضع الدولي والإقليمي الذي يميز الحالة العراقية عن الحالة الإيرانية. ولعل هذا ما عبّر عنه الرئيس بوش بقوله "إن كل الخيارات مطروحة على الطاولة".

وثانيا لأن القوات الأميركية لا تزال تعاني من المصاعب الميدانية في العراق وتخسر يوميا من جنودها هناك، ومن الصعب عليها أن تبادر إلى حرب جديدة قبل أن تطمئن تماما إلى الوضعين الأمني والسياسي هناك، لأن أي حرب ضد إيران في لأوضاع الراهنة في العراق سوف تدفع إيران إلى التعجيل في تشجيع الشيعة على خيار المقاومة ضد الاحتلال الأميركي الذي لا تزال تتحفظ عليه حتى هذه الساعة. ومن الطبيعي ألا ترغب الولايات المتحدة في المزيد من العمليات ضدها في الوقت الذي يواجه فيه الرئيس بوش الضغوط الحادة بسبب المعلومات المضللة عن أسلحة الدمار الشامل العراقية.

وما يجعل احتمال أي عملية عسكرية ضد إيران مستبعدا أيضا في المرحلة المقبلة أن الانتخابات الرئاسية الأميركية أصبحت على الأبواب مما يعني انصراف الإدارة الحالية إلى التحضير لهذه المعركة وإلى التهدئة خصوصا في منطقة الشرق الأوسط. ومن هنا حرصها على التقدم على المسار الفلسطيني الإسرائيلي وحرصها على التقليل من الخسائر في العراق، وبالتالي عدم دخولها في أي حرب جديدة في المنطقة.

من الصعب القبول إذن بفكرة أن النظام في إيران في حال من التصدع التي ستؤدي إلى الانهيار العاجل. فلا العوامل الداخلية يمكن أن تؤدي إلى هذا الانهيار في المدى المنظور ولا العوامل الخارجية يمكن أن تلعب الدور نفسه. أما الأزمات والتحديات الصعبة التي يواجهها النظام الإسلامي في إيران سواء من الداخل أو من الولايات المتحدة فتشبه إلى حد بعيد ما تواجهه باقي دول المنطقة بعد الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول وبعد تطبيق الحرب الاستباقية على العراق.
__________________
* كاتب لبناني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة