العرب ومجلس الحكم العراقي.. علاقة التردد والانفصام   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:10 (مكة المكرمة)، 17:10 (غرينتش)

* بقلم/ خليل العناني

كما كان الحال إبان الاستعداد للحرب على العراق، اختلفت المواقف العربية إزاء "مجلس الحكم الانتقالي" فيه، واتسم أغلبها بالتردد والحيرة دون تحديد موقف واضح من هذا المجلس سواء بالسلب أو الإيجاب، ولم يخرجها من هذه الحال سوى البيان الذي أصدرته جامعة الدول العربية ورفضت فيه الاعتراف بالمجلس الجديد.


رفض جامعة الدول العربية الاعتراف بمجلس الحكم لم يكن مطلقا بدليل أنها ربطت بين تمثيل العراق في الجامعة وإيجاد حكومة شرعية منتخبة تمثل كل أطراف اللعبة السياسية في العراق
ورغم ترحيب بعض البلدان العربية بخطوة تشكيل المجلس باعتبارها مجرد بداية لاستعادة الاستقرار في العراق مثل السعودية ومصر والأردن، إلا أن الموقف العربي من المجلس باعتباره سلطة شرعية لقيادة العراق تحت الاحتلال الأميركي اتسم بالحذر والتردد، وهو ما أظهرته مباحثات وزراء الخارجية العرب في مؤتمرهم الوزاري أوائل أغسطس/ آب الجاري.

فقد دعت معظم دول الخليج للاعتراف بالمجلس كسلطة عراقية شرعية، لكن دولا أخرى مثل السعودية ومصر وسوريا ولبنان رفضت الاعتراف بسلطة المجلس واعتبرته مسألة سابقة لأوانها. بينما لم تعترف مجموعة ثالثة من الدول العربية بالمجلس صراحة، لكنها أكدت على التعاون معه من منطلق مساعدة الشعب العراقي في استعادة حياته الطبيعية، وهو ما عبر عنه الموقف الأردني بشكل جلي.

وتنبع حقيقة هذا الموقف العربي من مجلس الحكم الانتقالي من ثلاثة أبعاد أساسية، يتعلق أولها بالتخوف من أن يكون المجلس بداية لتكريس الاحتلال الأميركي للعراق، ومحاولة تلوينه بالطابع المحلي تمهيدا لإضفاء الشرعية على هذا الاحتلال.

وثاني الأبعاد هو أن الاعتراف بالمجلس يعني قبول العرب لشروط المحتل الأميركي وإعلان الموافقة الضمنية على هذا الواقع الجديد، باعتبار أن المجلس نبت أميركي خالص، حيث جاء وفق إرادة المحتل وليس بناء على اختيار الشعب العراقي ذاته ورغبته، فضلاً عن اللغط الذي يثيره أغلب أعضاء المجلس الجديد نتيجة لعلاقتهم السابقة بالإدارة الأميركية، ما قد يمثل عنصر ضغط على النظم العربية.

ويتأتى البعد الثالث من حقيقة هامة مفادها أن الاعتراف بالمجلس قد يمهد الطريق نحو الموافقة على إرسال قوات طوارئ عربية لحفظ الأمن والاستقرار في العراق، وهو ما يعني ضمنيا الوقوف في وجه المقاومة العراقية المتأججة، ولعل هذا ما ترغب به واشنطن وتضغط باتجاهه.

بيد أن الرفض العربي للاعتراف بمجلس الحكم الانتقالي لم يكن مطلقاً، فعلى المستوى القطري رحبت العديد من البلدان العربية ترحيبا حذرا بهذا المجلس وعلى رأسها السعودية، واعتبرته خطوة نحو تهدئة الأوضاع في العراق. وكذلك الأمر بالنسبة لجامعة الدول العربية، فرغم رفضها الاعتراف بالمجلس فإنها اعتبرته بداية نحو إقامة حكومة شرعية في العراق ووضع دستور جديد للبلاد، وذلك بدليل أنها عبرت عن دعوتها لأعضاء المجلس الانتقالي لمناقشة الوضع في العراق، والوقوف على ما يجب عمله خلال المرحلة القادمة، وربطت بين تمثيل العراق في الجامعة وإيجاد حكومة شرعية منتخبة تمثل جميع أطراف اللعبة السياسية في العراق.

ولعل ما يلفت النظر في الموقف العربي الرافض للمجلس هو أن هذا الرفض لم يقترن بأفعال مادية واضحة من قبيل المساهمة في صياغة المستقبل العراقي، أو طرح رؤية عربية حقيقية يمكن أن تكون بديلا أو عوضا عن هذا المجلس.

وكان يمكن للعرب اتخاذ موقف أكثر إيجابية وجرأة من مجرد رفض الاعتراف بالمجلس، وفي هذا الصدد تبرز الخطوات التالية:

  • دعوة أعضاء مجلس الحكم الانتقالي لاجتماع عام ومناقشة أهم الخطوات التي يجب اتخاذها من أجل استعادة الاستقرار في العراق وعودة الأمور لطبيعتها، وهو ما كان يمكن أن يسهم في ذوبان جليد العلاقة بين المجلس وأبناء الشعب العراقي أنفسهم.
  • محاولة الضغط، ولو بشكل جزئي، على الإدارة الأميركية من أجل تحويل المجلس من هيئة معينة إلى هيئة منتخبة، وذلك من أجل إكساب المجلس للشرعية المفقودة واحترام رأي الشعب العراقي في اختيار ممثليه.
  • البدء بتشكيل لجنة للاتصال بالمجلس ووضع رؤية عربية عامة وواقعية تدفع نحو اعتبار المجلس الخطوة الأولى نحو إنهاء الاحتلال الأميركي للعراق واستعادة العراقيين لزمام الأمور هناك.

وتنطلق الخطوات السابقة من حقيقة هامة مفادها أن الاحتلال الأميركي للعراق بات أمرا واقعا يصعب تغييره، على الأقل في الفترة الحالية، وبالتالي لا بد من وجود قدر من الواقعية والعقلانية والتأني في مناقشة مسألة الاعتراف بالمجلس من عدمه.

فالحجج التي تذرعت بها الجامعة العربية لرفض الاعتراف بالمجلس غير مقنعة ولا تعدو كونها مجرد ترديد لعبارات الشجب والإدانة التي تعتنقها النخب العربية، حيث قامت في جزء كبير منها علي عدم شرعية "مجلس الحكم"، وهو وإن كان سببا منطقيا، إلا أنه أفضل ما يمكن التوصل إليه في الوقت الراهن.


بعض الأوساط العربية المثقفة رأت في المجلس بادرة جيدة نحو استعادة زمام الأمور في العراق واعتبره البعض انتصارا للديمقراطية المنشودة في العالم العربي
كما أن هذا الرفض جاء استجابة لضغوط الرأي العام العربي، وخوفا من زيادة الضغط الشعبي على الحكومات العربية، أكثر منه ارتباطا بإستراتيجية أو رؤية قد تشكل بديلا لهذا الرفض. فضلا عن هذا كله فإن الرفض العربي يعبر في جزء منه عن التخوف العربي من التورط في علاقة عضوية مع إدارة الاحتلال الأميركي للعراق يصعب فكها مستقبلا، ويكون الاعتراف بالمجلس هو الجسر نحو تدشينها.

ويواجه هذا الرفض العربي لمجلس الحكم الانتقالي ببعض الضغوط التي قد تحد من وجاهته، ويمكن إجمالها في ثلاث نقاط أساسية، يتعلق أولها بالضغط الأميركي على الحكومات العربية للاعتراف بالمجلس، خاصة في ظل الاحتياج الأميركي المتزايد لهذا الاعتراف لإضفاء الشرعية المفتقدة على وجودها في العراق، وهو ما يمكن أن يعرض علاقة بعض العواصم العربية التي ترتبط بعلاقات تحالفية مع واشنطن للتوتر والانشقاق.

وثاني الضغوط هو موقف الأمم المتحدة من المجلس نفسه والذي جاء مرحبا بالمجلس رغم عدم الاعتراف المباشر به، وهو ما قد يضع الدول العربية في مأزق حقيقي نتيجة لعدم الاعتراف بالمجلس الجديد، خاصة أن القرار الجديد لمجلس الأمن رقم 1500 قد أعطى الأمم المتحدة دورا أكبر في إدارة شؤون العراق مقارنة بالقرار 1483.

أما ثالث الضغوط وأهمها فهو أن الرفض العربي للاعتراف بالمجلس قد يواجه بنظرة غربية غير بريئة، حيث يفسره البعض على أنه تخوف من اعتراف النظم العربية الحاكمة بالنموذج الديمقراطي المزمع تدشينه في العراق، ما قد يفرض عليها ضغوطا شعبية للمطالبة بالمزيد من الديمقراطية والانفتاح السياسي.

ومن هذا المنطلق فقد وجدت النظم العربية نفسها واقعة بين مطرقة شعوبها التي تطالب بضرورة وضع حد لما يحدث للعراق، ورفض الاعتراف بالمجلس الجديد باعتباره "صناعة أميركية" خالصة، وسندان العلاقات الإستراتيجية مع الولايات المتحدة التي قد يعكر صفوها هذا الرفض العربي للمجلس الجديد.

وعلى المستوي العربي غير الرسمي فقد وضح أن هناك انقساما في الموقف من المجلس الجديد وإن مال في أغلبه لرفض الاعتراف بالمجلس كونه تعبيرا عن إرادة المحتل. بيد أن بعض الأوساط العربية المثقفة رأت في المجلس بادرة جيدة نحو استعادة زمام الأمور في العراق واعتبره البعض انتصارا للديمقراطية المنشودة في العالم العربي. بل والأكثر من ذلك فقد نظر البعض للمجلس الجديد باعتباره السيف الذي قد يصلت علي رقاب النخب العربية الحاكمة بهدف دفعها لإدخال الإصلاحات السياسية والفكرية المنشودة.

وقد عبرت حال الانقسام هذه في جزء منها عن حالة الإحباط العربي السائدة لدى قطاعات عريضة من شعوب المنطقة، خاصة في ظل عدم الاتفاق حول إستراتيجية محددة تجاه ما يحدث للعراق، وتعود هذه الحال في واقع الأمر لعاملين أساسيين، يرتبط أولهما بالطبيعة العامة للعقل العربي التي يسيطر عليها الفكر التآمري، حيث تنظر الشعوب العربية للمجلس باعتباره "نسخة مكررة" من مجالس الحكم الاستعمارية التي مارستها الدول الغربية الإمبريالية إبان الحقبة الاستعمارية، خاصة أن أغلب أعضاء المجلس المذكور عاش خارج البلاد وجاء عبر اتصالات أميركية غداة التدشين لحملة الحرب على العراق، ما أثار شكوكا مشروعة حول ولائهم الحقيقي.

أما العامل الثاني فيتعلق بعدم وضوح الرؤية لدى النظم العربية نفسها نتيجة لحال الانفصام التي تعيشها هذه النظم منذ أكثر من ثلاثة عقود وانفراط عقدها عقب الغزو العراقي للكويت أوائل تسعينيات القرن الماضي، وهو ما أفقد الآمال في قدرتها على اتخاذ إجراءات جدية حول ما يجري في العراق. وبمعنى آخر بات هناك إحساس عام لدى المواطن العربي بعدم قدرة النظم على اتخاذ قرارات مصيرية في ما يخص قضاياها ومشاكلها، وبالتالي لا مانع من الاستعانة بالخارج لإصلاح الداخل.


المجلس الانتقالي في العراق اختبار حقيقي لقدرة الدول العربية على التجاوب مع متغيرات الواقع وفهم مؤشراته، ويفرض عليها تحديات جديدة تتطلب منها رؤى وإستراتيجيات غير تقليدية للتعاطي معها

غير أن ما يهمنا في هذا الصدد هو موقف الشعب العراقي نفسه من هذا المجلس، وباختصار شديد يمكن القول إن موقف العراقيين لم يبتعد كثيرا في مجمله عن الموقف العربي حيث اتسم بالحيرة والترقب، فقد وجد العراقيون أنفسهم محاصرين بين مآس ومصائب خلفها النظام السابق من ناحية، والمحتل الجديد وتسلطه من ناحية أخرى.

وفي هذا الإطار تراوحت ردود الفعل العراقية بين القبول الحذر والرفض القاطع للمجلس ولكل فريق حجته ومنطقه، فأولئك الذين قبلوا بالمجلس استندوا إلى عاملين أساسيين هما: إنهاء حال الفوضى وعدم الاستقرار التي خلفها اختفاء النظام السابق، والرغبة في ملء الفراغ السياسي الناجم عن ذلك، وثانيهما أن أي حكومة جديدة ستكون أفضل بكثير من نظام الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين، وبالتالي ليس هناك بد أمام هذا الفريق سوى الانتظار حتى يتلمس نتائج هذا المجلس.

وأما فريق الرافضين فينطلق في رفضه من حجتين أساسيتين هما: أن المجلس لا يكتسب أي شرعية حقيقية سواء شرعية الوجود نفسها أو شرعية السلطات المخولة له، باعتباره لم يأت وفق اختيار الشعب نفسه، وهي حجة منطقية في جانب كبير منها. والحجة الثانية الأقرب للواقع هي التيقن من أن المجلس إنما جاء ليطفئ وميض المقاومة وما هو إلا محاولة لبتر ساقها، خاصة في ظل ارتفاع حجم الخسائر في صفوف القوات الأميركية يوما بعد يوم.

ويبقى المحك الأساسي في قبول المجلس أو رفضه هو مدى قدرته على التعاطي مع ثلاث إشكاليات هامة وهي:

  • الإشكالية الأولى هي قدرة المجلس على كسب ثقة الشعب العراقي، وذلك بهدف إضفاء الشرعية بشقيها العراقي والعربي على أعماله، وهو ما يمكن تحقيقه عبر آليتين أولاهما الإسراع بوضع الدستور العراقي وتحديد شكل نظام الحكم الجديد، وثانيهما البدء في أعمال الإعمار وإعادة البناء الاقتصادي والاجتماعي لانتشال الشعب العراقي من حالة التدهور المتواصلة منذ أكثر من عشر سنوات هي فترة الحصار السابقة.
  • أما الإشكالية الثانية فهي تلك المتعلقة بقدرة المجلس الجديد على التحول إلى هيئة منتخَبة تحوز على رضا الشعب العراقي وتنفي صفة التدخل الأميركي في تحديد هوية ممثلي الشعب.
  • وتتلخص الإشكالية الثالثة في قدرة المجلس على التواصل مع بقية النظم العربية بحيث يخلق جوا من الثقة في العلاقات بين الطرفين، وبحيث يعود العراق للحظيرة العربية، وهو ما يتطلب جهودا حثيثة من أعضاء المجلس الحالي لتحقيق ذلك.

وخلاصة القول أن المجلس الانتقالي في العراق هو اختبار حقيقي لقدرة الدول العربية على التجاوب مع متغيرات الواقع وفهم مؤشراته، يفرض تحديات جديدة تتطلب منها رؤى وإستراتيجيات غير تقليدية للتعاطي معها.
__________________
* كاتب مصري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة