ما دور اللاعب الرئيسي في المعضلة الصومالية؟   
الأحد 22/9/1429 هـ - الموافق 21/9/2008 م (آخر تحديث) الساعة 21:05 (مكة المكرمة)، 18:05 (غرينتش)


محمد شريف محمود

منذ التوقيع على اتفاقية جيبوتي الأولى في التاسع من يونيو/حزيران الماضي المتعلقة بوقف المواجهات المسلحة وانسحاب القوات الإثيوبية من الصومال، والاتفاقية الثانية الخاصة بإنشاء آليات تنفيذ الاتفاقية الأولى، التي نجم عنها تكوين اللجنة السياسية ولجنة الأمن، جرت مياه كثيرة في النهر.

بادئ ذي بدء أود أن أعرب عن تفهمي وتأييدي لهذه المبادرة السياسية من قبل التحالف من أجل إعادة التحرير، رغم اختلاف الرؤى بين الأطراف الموقعة على هاتين الاتفاقيتين والجهات الضامنة لهما.

"
في الوقت الذي يرى فيه التحالف أن اتفاقية جيبوتي تفتح أفقا لحل سياسي للمشكلة الصومالية وتتيح الفرصة لانسحاب القوات الإثيوبية، فإن الطرف الآخر يرى أن هذه الاتفاقية تمهد الطريق لإثارة الفتنة والشقاق بين مكونات التحالف
"
ففي الوقت الذي يرى فيه التحالف أن الاتفاقية تفتح أفقا لحل سياسي للمشكلة الصومالية، وتتيح الفرصة لانسحاب القوات الإثيوبية، وتسمح بالمصالحة الوطنية وإعادة بناء الدولة الصومالية ومؤسساتها وتضع الأسس لاستعادة الوحدة الإقليمية والسياسية للبلاد، فإن الطرف الآخر يرى أن هذه الاتفاقية تمهد الطريق لإثارة الفتنة والشقاق بين مكونات التحالف، وتكرس لدعم قوة الحكومة المؤقتة وإعطائها شرعية شعبية وتنفيذ مخططات القوى الإقليمية والدولية بالوسائل السلمية بدلا من الوسائل العسكرية التي فشلت فيها.

وليس أدل على ذلك من أن إثيوبيا والولايات المتحدة لم تغيرا إستراتيجيتهما، فالأولى تعتبر الصومال المستقل الموحد خطرا يهدد أمنها ولذلك فإنها تمد المليشيات الخاضعة لها بالأسلحة والعتاد لكي تلعب دورا تخريبيا بعد انسحابها. أما الولايات المتحدة فتمول مليشيات خاصة بها، وإن كانت ترتدي زي الحكومة المؤقتة، فإنها مستقلة عنها ولا تأتمر بأمرها، ودورها هو مطاردة وملاحقة العناصر التي تعتبرها الولايات المتحدة ضالعة في الإرهاب في إطار سياستها العالمية التي ترى أن الصومال بؤرة للإرهاب (كين مينهاوس في مقاله الذي عنوانه "بلد في خطر وسياسة كابوسية" الذي نشره مركز "كفاية" للدراسات الإستراتيجية، وهو مؤسسة بحثية أميركية أوروبية محايدة).

ومع علمي بنوايا الطرف الآخر، فإنني أرى أن هذه الاتفاقية رغم التحفظات التي يبديها بعض الفصائل الأخرى من المقاومة، أنها خطوة إيجابية تفتح الطريق لأول مرة منذ سقوط السلطة المركزية أمام تكوين حركة سياسية ناضجة تتمتع بالشرعية الوطنية وبالاعتراف الدولي مؤهلة لتقود البلاد إلى تحقيق أهدافه نحو تقرير المصير وبناء الدولة، بغض النظر عن إمكانية تحقيق مكاسب سياسية فورية التي يشكك فيها الكثيرون وليسوا مخطئين.

لقد عانى الصومال منذ سقوط نظام زياد بري من بروز عصابات مسلحة عشائرية متناثرة تقتات على النهب والسلب وقطع الطرق لا يجمعها رابط غير الامتثال لأجندات الدول المجاورة والمصالح الدولية الكبرى وفي قمتها مقاومة سلطة مركزية والوحدة الإقليمية للبلاد.

ومن الآن فصاعدا فإن الأسطورة التي تروجها إثيوبيا بأن الصومال مجرد قبائل بدائية متصارعة غير مؤهلة لإنشاء دولة قد تحطمت، ونشأت حركة سياسية وطنية مستنيرة تتمتع بتأييد غالبية الشعب في الداخل وفي المهجر رغم بعض الاختلاف في التفاصيل حول أنسب الطرق للتخلص من الاحتلال الإثيوبي.

هذه الحركة يجب أن تتمتع بالثقة بالنفس لتقود النضال الوطني في مرحلة جديدة مستفيدة من خبرتها الناجحة في مرحلة سيطرتها على الحكم لمدة الستة الأشهر السابقة على الغزو الإثيوبي، وتأسيسها التنظيم الذي استطاع قيادة العملية السياسية من الخارج والذي استطاع أن يحقق معجزة إفشال أطماع الاحتلال الإثيوبي سياسيا وعسكريا، الأمر الذي دفع برئيس الوزراء الإثيوبي إلى أن يعلن أنه لا يستطيع الاستمرار في حربه بسبب الأعباء المالية الباهظة والضغوط الداخلية، وأنه سينسحب رغم أنف الحكومة المؤقتة، ولو تهاوت، وصب جام غضبه على قادة الحكومة المؤقتة الذين اتهمهم بالانشغال بالصراعات الداخلية وبالدول الغربية التي لم تقدم إلى بلاده الدعم الكافي رغم تنفيذه مصالحها، رغم علمنا بالإسناد الأميركي العسكري والتغطية السياسية الكاملة التي وفرتها في الأمم المتحدة، وبتقديم المعونات الاقتصادية والعسكرية السخية التي بلغت تسعمائة مليون دولار بمجرد إتمام عملية الغزو.

وتشخيصا للطرف الآخر في عملية التسوية، ألا وهو الحكومة الفدرالية فإن حالتها يرثى لها، وهذا من منطلق المحللين والمراقبين الذين يؤيدونها، "فهي على وشك الانهيار، ولم تكن يوما ما فاعلة ومؤثرة رغم ادعاءات المجتمع الدولي عكس ذلك.

وبعد مرور ما ينيف على أربعة أعوام على إنشائها فإنها لا تملك القدرة على الحكم، وليس لها جهاز للخدمة المدنية، وليست هناك وزارات للإشراف عليها ولا ميزانية، ولا يملك الوزراء أية صلاحيات أو سلطات، وحتى قوات الأمن المفروض أن تخضع لجهة مركزية غير مسؤولة أمام الوزراء المختصين، بل هي مستقلة عنها وتابعة لقادة لهم أجنداتهم الخاصة العشائرية والإقليمية والدولية" (كين مينهاوس نفس المصدر).

والأدهى من ذلك، الاستقلالية المطلقة عن الحكومة الفدرالية لقوات الأمن المتعددة والشرطة الوطنية والجيش وشرطة بلدية مقديشو والمخابرات. وهذه القوات في الواقع عبارة عن تنظيمات شبه عسكرية يقودها قادة يحملون ألقابا رسمية في الحكومة المؤقتة ولا يخضعون لسلطة الوزراء ويتصرفون كأمراء حرب، أما جنودهم فإنهم يعملون كعصابات مسلحة تقتات على النهب والسلب لا سيما وأنهم لا يتقاضون رواتب.

"
الرئيس يوسف ورئيس الوزراء حسين في حالة اقتتال دائم لدرجة أنهما لا يلتقيان، وإذا التقيا لا يتصافحان. كما أن غالبية الوزراء إما استقالوا أو أقيلوا، لذلك فإنه ليست هناك شرعية للحكم، ناهيك أن إثيوبيا نفسها فقدت السيطرة عليهما
"
ويزيد الطين بلة أن الرئيس يوسف ورئيس الوزراء حسين في حالة اقتتال دائم لدرجة أنهما لا يلتقيان، وإذا التقيا لا يتصافحان، وأن غالبية الوزراء إما استقالوا أو أقيلوا، لذلك فإنه ليست هناك شرعية للحكم، ناهيك أن إثيوبيا نفسها فقدت السيطرة عليهما رغم أنها لعبت كثيرا دور الراعي والحكم بينهما.

إزاء هذا الوضع بدأ الشك يتسرب إلى دوائر المجتمع الدولي في إمكانية نجاح التسوية السياسية بين التحالف لإعادة التحرير والحكومة المؤقتة. ولذلك فإن مجلس الأمن في اجتماعه الأخير في سبتمبر/أيلول الذي كان من المفروض أن يبت في طلب الطرفين الصوماليين بإرسال قوات من الأمم المتحدة كما تنص اتفاقية جيبوتي لضمان وقف المواجهات المسلحة، نظر إلى الموضوع بفتور وقرر تأجيل الفصل فيه إلى حين توفر الظروف المناسبة لمعالجته، وهذا معناه تجميده إلى أجل غير مسمى.

وبالرجوع إلى محاضر اللجنة الخاصة التابعة لمجلس الأمن التي درست الموضوع قبل انعقاد المجلس يمكن تلخيص المداولات التي جرت فيها على الوجه التالي:

"إن الهدف الأساسي للاتفاقية هو ضمان وقف المواجهات المسلحة، وانطلاقا من ازدياد العنف بعد التوقيع على الاتفاقية، فإن السؤال الذي يثار هو هل هذه الاتفاقية يمكن أن تجلب سلاما دائما، ومن ثم هل تشكل قاعدة لنشر قوات حفظ سلام؟".

ويستطرد التقرير قائلا "إن الأمر المحير هو هل توجد دول راغبة وقادرة على توفير قوات وعلى استعداد لتمويلها؟ وكذلك تقديم التجهيزات اللوجيستية اللازمة للعمليات القتالية، إذا أخذنا بعين الاعتبار تجربة الفشل المريعة في هذا الصدد إزاء أزمة دارفور، وانطلاقا من العبء المالي والمخاطر الأمنية الكامنة لتحقيق هذا الهدف، فإن تقدم دولة لتولي القيادة يشكل أكبر التحديات".

وخلاصة القول إن أغلب أعضاء المجلس أعربوا عن تحفظهم إزاء نشر قوات الأمم المتحدة في الصومال، كما أنهم يتشككون في وجود تقدم كاف في المجال السياسي والأمني، بل إن البعض قال بأن الوضع الأمني ازداد سوءا.

ما العمل إذن إزاء هذا الوضع؟ يجب الأخذ بعين الاعتبار التناقض القائم بين الأجندات الإقليمية والدولية وبين الأجندة الوطنية، وهو كما هو لم يتغير رغم رعاية المجتمع الدولي لاتفاقية جيبوتي وقبول إثيوبيا بها، ويجب الحذر من الانزلاق في شركها، والعمل على تحقيق أهدافنا الوطنية بموافقة أو عدم موافقة المجتمع الدولي، بل وبغض النظر عنها.

ولذلك، فإنه ورغم التردد الذي طرأ على المجتمع الدولي فإنه يجب علينا أن نتمسك أكثر باتفاقية جيبوتي لأنها تفتح آفاقا واسعة لتسوية سياسية وطنية تؤدي إلى عزل إثيوبيا والتعاون مع الجناح غير المتشدد في الحكومة المؤقتة التي تريد بصدق وإخلاص تحقيق تسوية سياسية.

وتجدر الإشارة إلى أن الجناح المتشدد ترتعد فرائصه من عواقب الاستمرار في العملية السياسية لدرجة أنه تسبب في أكبر أزمة وزارية في تاريخ الحكومة المؤقتة. ويشعر بالاختناق من ضيق مجال المناورة أمامه.

وانطلاقا من المرونة التي أبداها التحالف في تعامله مع المجتمع الدولي، يجب إقناعه بأن التحالف وبالتعاون مع الجبهة الوطنية العريضة المتضامنة والمؤيدة لخطه السياسي هو الهيئة المؤهلة والمالكة للشرعية في استلام زمام الحكم.

إن كسب معركة التحرير يتطلب حماية الوحدة التنظيمية والسياسية لكل فصائل المقاومة دون تمييز، لأنه تجمعنا ببعض رؤية إستراتيجية مشتركة، ويجب الدخول في حوار بناء معها لتقريب وجهات النظر وتبديد سوء التفاهم باعتباره الضمان الوحيد لتحقيق النصر وتفويت الفرصة على العدو في الهيمنة على البلاد.

ولا يفوتني هنا أن أشيد بأن التطورات الميدانية للمقاومة الوطنية باستعادتها السيطرة على كل الأقاليم التي كانت تدين بالولاء لحكم المحاكم الإسلامية قبل الغزو الإثيوبي، باستثناء جيوب محدودة في مقديشو وبيدوا وبلدوين، جعلتها اللاعب الرئيسي والأساسي في العملية السياسية في الصومال، وهي التي ستحدد مصير البلاد، الأمر الذي يحتم علينا مواجهة التحديات السياسية الكبرى التي تواجهنا وفي مقدمتها إعادة بناء البنية التحتية للدولة.

"
يجب إعادة هيكلة التحالف ليكون قادرا على تحمل المسؤوليات الملقاة على عاتقه في المرحلة الجديدة، وأن يتولى مهمة وضع برنامج سياسي واقتصادي ويقوم بإنشاء الآليات اللازمة لتكوين البنية التحتية للدولة 
"
وما لم نعمل بهمة وجدية لبناء القاعدة التحتية للدولة وتكوين المؤسسات والهياكل الإدارية اللازمة وقوات الشرطة والقوات المسلحة على أسس وطنية (غير قبلية) ومهنية وعصرية، مستفيدين من الخبرات الصومالية في المهجر والدول الصديقة الراغبة في المساعدة وبرنامج الأمم المتحدة للتنمية، فإننا سنكون دائما عرضة للابتزاز وزعزعة الاستقرار من قبل إثيوبيا، ولن نكون قادرين على حماية استقلالنا الوطني ووحدة بلادنا الإقليمية وحماية ثرواتنا الوطنية.

ولتحقيق هذا الهدف يجب إعادة هيكلة التحالف ليكون قادرا على تحمل المسؤوليات الملقاة على عاتقه في المرحلة الجديدة، وأن يتولى مهمة وضع برنامج سياسي واقتصادي ويقوم بإنشاء الآليات اللازمة لتكوين البنية التحتية للدولة ولو في الخارج حينا، إلى أن تتوفر الظروف المناسبة داخل البلاد.

إن المجال الحقيقي للصراع هو تحدي التصميم المتعمد وعن سبق إصرار للعدو في تدمير كل مقومات وجود وبقاء وحياة وصمود الشعب الصومالي، وذلك بالتدمير المنهجي لنسف القاعدة الاقتصادية للوجود الصومالي من خلال الهدم المستمر لكل أسباب الحياة، وما تهجير مليون ونصف من سكان مقديشو إلى العراء دون مأوى أو ماء أو غذاء بالأمر العفوي، وإنما مخطط ومبرمج، علاوة على تعرض ثلاثة ملايين ونصف إلى خطر الموت بسبب الظروف التي صنعها الاحتلال الإثيوبي، الذي لا يسمح حتى لمنظمات الأمم المتحدة بتقديم الإغاثة، بل ويلاحق بالتصفية الجسدية أي صومالي تسول له نفسه تقديم الخدمات الإنسانية للاجئين والمنكوبين والمتضررين.

وهذا التحدي يكون بالتصدي للاضطلاع ببناء البنية التحتية للدولة، وهي مهمة أكثر تعقيدا من الكفاح المسلح، وتتطلب مهارات وكفاءات علمية وتخصصات عالية المستوى وخططا مدروسة ورساميل ضخمة وكوادر صومالية مؤهلة ونظاما للحكم يقوم على المواطنة لا المحاصصة القبلية وعلى الشرعية الديمقراطية، وإنشاء جيش وطني مهني وعصري ووضع الأسس للتنمية الزراعية والصناعية والحيوانية واستخراج كافة الثروات الكامنة غير المستثمرة حتى الآن.

هذا هو التحدي الحقيقي للعدوان الإثيوبي، فهل نحن قادرون على مواجهته والانتصار فيه؟ هذه هي المسؤولية الملقاة على عاتقنا في هذه المرحلة.
ــــــــــ
سفير صومالي سابق

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة